Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاتورة الدمار في لبنان: خسائر تقترب من "كلفة الحرب الأهلية"

التقديرات تشير إلى أن الأرقام تجاوزت 20 مليار دولار فيما البلد يرزح تحت اقتصاد هش

تضررت 40 ألف وحدة سكنية خلال الحرب الأخيرة في لبنان (فدى مكداشي)  

ملخص

بين تقديرات أولية واجتماعات دولية تبحث في الإغاثة قبل الإعمار، يواجه لبنان فاتورة حرب قد تتجاوز 20 مليار دولار، فيما الاقتصاد يرزح تحت انكماش وضغوط مالية متصاعدة. وما بين تمويل محدود وتسوية سياسية غائبة، يروي المشهد بلداً يحاول النهوض بما تيسر، في انتظار ما قد يأتي.

في لبنان، لا تنتهي الحروب حين يصمت الرصاص، بل حين تتوقف المعارك وتهدأ المدافع ليبدأ بعدها الحساب. عندها يخرج السؤال من تحت الركام: كم خسرنا؟ من سيدفع؟ ومن يعيد بناء البيوت التي سقطت فوق أصحابها؟

هذه المرة، وبعد الحرب الثانية التي بدأها "حزب الله" بإطلاقه ستة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فإن الحساب أثقل من بلد استنزف بالانهيار، وأرهق بالانتظار، ثم وجد نفسه مجدداً داخل حرب أكبر من قدرته على الاحتمال، إذ إن لبنان يعيش حرباً مستمرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، ولا يزال، فيما دمرت إسرائيل بالفعل عشرات آلاف المنازل، أكثرها في الجنوب وكذلك الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع شرقاً.

وتشير دراسة أعدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت تبين أن 40 ألف وحدة سكنية قد دمرت في خلال الحرب، مما "يمنع نحو 40 ألف عائلة في الأقل من العودة لمنازلها ويبقيها مهجرة قسراً".

وبين قرى مدمرة في الجنوب، وأحياء منكوبة في الضاحية، واقتصاد يترنح على ما تبقى من أنفاسه، انتقل الملف اللبناني من مشهد الأنقاض إلى غرف القرار الدولية.

الاجتماعات الدولية وموقع لبنان

في كواليس اجتماعات الربيع لعام 2026 لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي عقدت منتصف أبريل (نيسان) الجاري، بدا واضحاً أن لبنان عاد للطاولة الدولية، لكن لا بصفة الشريك كما أمل اللبنانيون بعد الحرب السابقة، بل بصفة الحالة الطارئة. هناك أعلن رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا استعداد المؤسسة لإعادة تفعيل برامجها في لبنان بعد وقف إطلاق النار، موضحاً أن مشاريع عدة كانت قد جمدت مع اندلاع الحرب ويمكن استئنافها بعد هدوء الأوضاع.

لكن خلف اللغة الدبلوماسية، كانت الأولويات أكثر قسوة. مصدر مطلع على الاجتماعات قال لـ"اندبندنت عربية" إن البحث تركز على كيفية احتواء التداعيات المباشرة للحرب، وعلى رأسها أزمة النازحين، وكلفة الوقود، والضغط على الكهرباء، والحاجة إلى إبقاء القطاعات الأساسية على قيد العمل، من الطاقة إلى الزراعة والبنية التحتية. أي أن النقاش لم يبدأ بعد بإعادة الإعمار، بل بمنع الانهيار الكامل، إذ وقع لبنان في الـ15 من أبريل الجاري اتفاقاً تمويلياً بقيمة 200 مليون دولار مع البنك الدولي لدعم الأسر الأكثر فقراً عبر برنامج "أمان"، الذي ترعاه وتنظمه وزارة الشؤون الاجتماعية. 

لكن، وعلى رغم هذا الدعم، لا تزال صورة التمويل الأشمل والمتعلقة بإعادة الإعمار غير محسومة إلى حين اتضاح حجم الكارثة، بخاصة أن الحرب لم تتوقف بصورة تامة، والهدنة هشة جداً بدليل أن إسرائيل لا تزال تستهدف بلدات جنوب لبنان، فيما رد "حزب الله" بإطلاق الصواريخ على الشمال الإسرائيلي.

بانغا تحدث بوضوح، وأكد أن لا تقدير نهائياً بعد لحجم التمويل الذي قد يحصل عليه لبنان، لأن أي مسار جدي يبدأ أولاً بتقييم شامل للأضرار والاحتياجات، كما حصل في أوكرانيا وغزة، وبعدها فقط يبحث من سيدفع، وكيف، وبأي شروط.

نسأل أكثر من جهة معنية عن حجم الأضرار بعد الحرب الأخيرة، فتكون إجاباتهم "لا أرقام واضحة حتى الساعة"، وما هو مؤكد مجموعة صور من السماء، تظهر دماراً غير مسبوق، بخاصة في الجنوب اللبناني، وفي السياق تكشف مصادر داخل البنك الدولي عن أن تقديرات أولية أنجزت بالفعل عبر الأقمار الاصطناعية وسلمت إلى الحكومة اللبنانية، بانتظار توقف الحرب لإجراء مسح فعلي على الأرض. وبين رقم أولي ورقم نهائي، تعرف الدولة أن الكلفة ستكون بمليارات الدولارات، لكنها لا تعرف بعد من سيمولها.

بالعودة للحرب السابقة التي انتهت في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، اختلفت التقديرات حول كلفة الدمار الذي تركته، بين 14 مليار دولار وفق وزارة الأشغال العامة والنقل، و11 وفقاً لتقارير البنك الدولي.

لا إعمار بلا تسوية سياسية 

في السياق، يشرح أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية الدكتور جوزيف حلو أن "لبنان يواجه صعوبة متزايدة في تأمين تمويل خارجي، إذ إن المطالبات السابقة بتوفير نحو مليار دولار للاستجابة للأزمة وإطلاق مسار إعادة الإعمار لم تلق التجاوب المطلوب، حتى قبل التصعيد الأخير"، ويعزو ذلك إلى "تبدل أولويات المجتمع الدولي بعد المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مما دفع دول الخليج إلى التركيز على أمنها الداخلي واحتواء التداعيات الاقتصادية، فتراجع لبنان على سلم الاهتمامات الدولية".

ويشير إلى أن "مصادر الدعم باتت محدودة، وتقتصر على مبادرات متفرقة من الجاليات والمنظمات، في ظل غياب خطة اقتصادية لبنانية واضحة يمكن عرضها على المانحين، كما أن مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تستطيع تمويل مشاريع محددة، لكنها لا تتحمل وحدها كلفة إعادة إعمار بلد كامل".

ويقدر أن "لبنان كان يحتاج قبل الحرب إلى ما بين 11 و14 مليار دولار للنهوض، فيما قد تتجاوز الكلفة اليوم 20 مليار دولار بعد الجولة الثانية من الحرب. أما المليار دولار المطروح حالياً، فيندرج ضمن الاستجابة الإنسانية الطارئة لا إعادة الإعمار الشامل"، مؤكداً أن "أي تمويل واسع النطاق يبقى مرتبطاً بتسوية سياسية إقليمية أوسع، ويرى أن السيناريو الأكثر فائدة للبنان يتمثل في تفاهم أميركي - إيراني يخفف التوترات، ويفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد، واستثمارات دولية، ومسار إعادة إعمار فعلي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اقتصاد في حالة "موت سريري"

اقتصادياً، لا يبدو لبنان اليوم أمام ورشة إعمار بقدر ما يبدو أمام اختبار بقاء، إذ تشير التقديرات الأولية، بحسب وزير المال ياسين جابر، إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنحو سبعة في المئة هذا العام، مع تزايد الضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات نتيجة الحرب وارتفاع كلفة الطاقة. وهو انكماش يعكس اتساع الخسائر من الميدان إلى الدورة الاقتصادية، إذ تتراجع الإيرادات وتتقلص الحركة الاستثمارية ويزداد الضغط على الدولة.

كما نقل جابر عن مسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصفهم لبنان بأنه "الأكثر هشاشة" بين الدول المتأثرة بالتوترات الحالية إثر الحرب مع إيران، في توصيف لا يعبر فقط عن ضعف المؤشرات الاقتصادية، بل عن عمق الأزمة الاجتماعية والإنسانية التي تتفاقم مع كل يوم اضطراب إضافي.

وفي الممر الموازي، يعود صندوق النقد الدولي لواجهة المشهد، وزير المال ياسين جابر نفى وجود اتفاق على تمويل طارئ، مؤكداً أن ما يجري هو محادثات لدعم الاقتصاد المتضرر. لكن المسألة قد لا تكون في المال فقط، فهل العقدة الحقيقية في حجم الخسائر؟ أم في مستقبل مصرف لبنان، ودوره داخل أي نظام مالي جديد، من إعادة هيكلة المصارف إلى توزيع الخسائر واستعادة الثقة؟

وهنا يبدأ السؤال الأخطر "كيف لبلد مثقل بالديون، واقتصاد منهك، ونظام مصرفي شبه مشلول، أن يتحمل أعباء مالية جديدة؟ وهل يتحول أي قرض جديد إلى باب نجاة موقت، أم إلى دين مؤجل فوق جبل الديون القائم؟".

في هذا الإطار، توضح الصحافية الاقتصادية والباحثة في القانون المالي الدولي محاسن مرسل أن "غياب الأرقام النهائية للخسائر يعود لاستمرار الحرب، وإبقاء أجزاء من الجنوب اللبناني تحت الاحتلال، مما يجعل كل التقديرات أولية وغير دقيقة"، مشيرة إلى أن "التقديرات الأولية للبنك الدولي تبلغ نحو 1.5 مليار دولار في الأسابيع الأولى، مع خسائر يومية تصل إلى 80 مليون دولار".

وتضيف مرسل أن "التحدي الأخطر لا يقتصر على الأضرار المباشرة، بل يمتد إلى الاقتصاد اللبناني، مع تراجع النشاط في قطاعات أساسية مثل السياحة والصناعة والتصدير، فيما تتزايد الأعباء المالية والاجتماعية على الدولة"، معتبرة أن لبنان يعيش "أزمة فوق أزمة"، إذ لم يتعاف أصلاً من خسائر 2024، فيما تتزايد الأعباء المالية والاجتماعية، وتعجز الدولة عن تأمين الحد الأدنى من المساعدات، ما يدفعها إلى إعادة تدوير القروض الدولية لتغطية الاحتياجات الطارئة".

لبنان يقترب من "كلفة الحرب الأهلية"

بدوره، يشير مدير مركز "ستاتيستيك ليبانون"، المتخصصة في الدراسات واستطلاعات الرأي، ربيع الهبر إلى أن "خسائر حرب 2024 بلغت نحو 12 مليار دولار، تضاف إليها الأضرار الجديدة المقدرة بنحو 9.7 مليار دولار، مما يرفع إجمالي الخسائر إلى نحو 21 مليار دولار.

ويؤكد أن "قطاع الإسكان هو الأكثر تضرراً، يليه قطاعا التجارة والزراعة"، مشيراً إلى أن "كل يوم حرب يكلف الاقتصاد اللبناني ما بين 60 و70 مليون دولار"، مضيفاً "التحدي الأكبر يتمثل في كلفة إعادة الإسكان وإطلاق عملية إعمار شاملة، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يعاني أساساً تداعيات الحرب السابقة، مما يجعل إعادة تحريك الدورة الاقتصادية مهمة معقدة وطويلة الأمد".

وبالمقارنة مع خسائر الحرب الأهلية (1975 – 1990)، يكشف الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أن خسائر الحرب حينها والتي استمرت 15 عاماً وانتهت باتفاق الطائف عام 1990 قد بلغت 100 مليار دولار مقارنة مع الأسعار الحالية، بمعدل 20 مليار لكل ثلاث سنوات، ما يعني أن كلفة الحرب الحالية، والتي بدأت نهاية عام 2023، بلغت الكلفة نفسها بالمقارنة مع الحرب الأهلية.

وفيما تتسع الفجوة بين حجم الخسائر ومحدودية التمويل، وبين الحاجة الملحة إلى إعادة البناء وتعقيدات السياسة الإقليمية، يبدو لبنان عالقاً مرة جديدة بين زمنين، زمن حرب لم تنته آثارها بعد، وزمن إعمار لم تبدأ شروطه بعد.

وبين أرقام أولية لم تحسم نهائياً وفاتورة مفتوحة على مزيد من التصاعد، تبقى الحقيقة الأوضح أن أية ورشة نهوض مقبلة لن تواجه الركام وحده، بل ستصطدم أيضاً بواقع اقتصادي هش، ودولة محدودة الإمكانات، ونظام مالي لم يستعد توازنه بعد، وسط مخاوف من أن يتحول تمويل الإعمار إلى عبء جديد يغرق البلاد أكثر في دوامة الديون.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير