Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاتورة الدم والدمار: كيف أعادت الحرب لبنان إلى نقطة الصفر؟

بعد شهر من اندلاع المعركة الجديدة مع إسرائيل ترتفع بصورة كبيرة خسائر البلاد البشرية والمالية

في حصيلة شهر من الحرب الحالية نزح نحو مليون شخص وقتل أكثر من 1300 (ا ف ب)

ملخص

خلال شهر من الحرب تعرض لبنان لخسائر كبيرة على الصعد البشرية والاقتصادية والاجتماعية والاستهداف المباشر للبنى التحتية المدنية والصحية، فقد شكلت حرب الإسناد الثانية امتداداً لسلسلة الصدمات، التي بدأت بالانهيار الاقتصادي والمالي، إلى الآثار العميقة للإغلاق بسبب جائحة كورونا، وصولاً إلى الخسائر الكبيرة لحرب الـ66 يوماً التي اندلعت في سبتمبر 2024.

بددت الحرب الحالية آمال التعافي الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، وشكلت "صدمة جديدة" لمحاولات الخروج من دوامة الانهيار الأمني والمالي والاقتصادي. خلال الشهر الأول من حرب الإسناد الثانية، التي أطلقها "حزب الله" في الثاني من مارس (آذار) الماضي، انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، تبدو فاتورة الخسائر ثقيلة جداً على الشعب اللبناني بمختلف مكوناته، وتحمل مؤشرات واضحة إلى حجم العنف المستخدم من قبل إسرائيل دونما تمييز بين أهداف مدنية أو عسكرية.

وتفيد بيانات وزارة الصحة اللبنانية حتى الثالث من أبريل (نيسان) الجاري عن قائمة طويلة من الضحايا، إذ أدت الهجمات الإسرائيلية إلى مقتل 1368 شخصاً، وجرح 4138 إصابة. وبينت القائمة وجود 125 طفلاً وطفلة ضمن قائمة الضحايا الذين خسروا أرواحهم. وتعرض القطاع الصحي إلى سلسلة استهدافات مباشرة، إذ سقط 53 شخصاً من بين المسعفين وفرق الإغاثة، وأصيب 137 فرداً، وتعرضت الجمعيات الإسعافية إلى 83 اعتداء، وتضرر 20 مركزاً طبياً وإسعافياً، إضافة إلى 69 سيارة إسعاف، وإغلاق ست مستشفيات آخرها مستشفى صلاح غندور ومستشفى بنت جبيل الحكومي في جنوب لبنان.

وقد حذرت منظمات دولية من استمرار استهداف المدنيين والمرافق المدنية. وأسف نائب المدير التنفيذي لمنظمة "اليونيسيف" تيد شيبان من ازدياد الضحايا في النزاع الإقليمي، متحدثاً عن "سقوط ما يعادل فصلاً مدرسياً في كل يوم من أيام النزاع الإقليمي بين قتلى وجرحى"، فيما أشارت المنظمة إلى نزوح أكثر من مليون شخص من بينهم 370 ألف طفل، وإغلاق 435 مدرسة أو تحويلها إلى مراكز الإيواء.

العنف المفرط

تتسم المرحلة الحالية من الصراع بـ"العنف المفرط" مقارنة بالحرب المندلعة عام 2024 والتدمير الشامل من أجل التدمير، واستهداف بنى مدنية مثال الجسور في الجنوب والبقاع الغربي. وحسب مدير مجلس البحوث العلمية الدكتور شادي عبدالله "تؤدي الهجمات الإسرائيلية إلى أضرار هائلة وكبيرة، إذ تشير التقديرات الأولية إلى تدمير نحو 24 ألف وحدة سكنية مدمرة تدميراً كلياً وفادحاً، إضافة إلى اعتداءات على المدارس والمؤسسات العامة والخاصة". ويلفت عبدالله إلى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات المسح والتوثيق إضافة إلى الصور الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية ومطابقتها خلال المرحلة الأولية للبحث بسبب عدم قدرة الفرق الفنية والأخطار التي تعترض الوصول إلى المناطق التي تقصف.

يتطرق عبدالله إلى أضرار كبيرة بالأراضي الزراعية بسبب استهداف المناطق بالمعادن الثقيلة، مشيراً إلى "استخراج الفرق عينات من البياضة والناقورة وعيتا الشعب أي المناطق التي تعرضت لاستهداف خلال حرب 2024، ومن ثم القيام بتحليلها"، إضافة إلى مراقبة القصف بالفوسفور والمواد الحارقة من خلال صور الأقمار الاصطناعية المتاحة التي تلتقط بصورة دورية بمعدل مرة واحدة في لبنان خلال مدة الـ10 أيام. وقد بينت الصور "تعرض 30 في المئة من أبنية للتدمير ضمن الحافة الأمامية التي تضم 60 قرية، ووصلت النسبة في بعض القرى إلى 60 في المئة". ويتطرق إلى خسائر كبيرة تعرض لها القطاع الزراعي والمزارعون، وتراوحت ما بين أضرار مباشرة وقعت على 17 ألف مزارع، إضافة إلى عدم قدرة شريحة كبيرة من الوصول إلى أراضيها، أو تعرضهم للنزوح القسري.

في الموازاة، أصدرت وزارة الزراعة تقريراً توضيحياً لحجم الخسائر خلال الشهر الأول من الحرب، إذ أظهر تضرر 46479 هيكتاراً من المساحات الزراعية، معظمها في جنوب لبنان والنبطية، أي قرابة 22 في المئة من مجمل المساحات الزراعية في لبنان. وتعرضت مواسم الزيتون والحمضيات والموز والفاكهة والزراعات المحمية والكروم لأضرار متفاوتة، وأدت الهجمات إلى نفوق 49 في المئة من قفران النحل، و39 في المئة من الأسماك. وأظهرت كشوفات المسح "نزوح 76,6 في المئة من مزارعي الجنوب عن أراضيهم"، فيما تمسكت النسبة المتبقية بالبقاء في أراضيها على رغم الأخطار.

 من جهة أخرى أعلنت وزارة الزراعة عن إجراءات طارئة، تراوح ما بين مساعدات نقدية للمزارعين، وتوزيع حصص من الفاكهة على مراكز الإيواء، ونقل قفران النحل من الأماكن الخطرة، إذ تولى الجيش اللبناني مهمة نقل 820 قفير نحل.

يتمسك الدكتور عبدالله بأهمية التوثيق ضمن "تقرير خسائر مستمرة" من أجل تقدير الأضرار التراكمية، وإنشاء قاعدة بيانات التي تساعد في عملية التعويض وتحديد أولويات إعادة الإعمار، وصولاً إلى تحصيل لبنان بحقوقه، واللجوء إلى مندرجات القانون الدولي لرفع دعوى حول الانتهاكات التي تطاول البنى المدنية والاقتصادية، وحتى الثقافية، حيث تعرض أحد المواقع الأثرية والمزارات الدينية للنسف في بلدة شمع جنوب لبنان.

المؤسسات المغلقة

خلال الشهر الأول من الحرب أغلقت كثير من المؤسسات والشركات أبوابها، البعض لجأ إلى نظام العمل من بعد، فيما اعتمدت مؤسسات على الدوام الجزئي من أجل تقليل النفقات، وتسود مخاوف من لجوء المؤسسات إلى ذريعة "الصرف الاقتصادي" للاستغناء عن خدمات الأجراء لديها.

من جهتها، كشفت الهيئات الاقتصادية اللبنانية عن "تراجع الأعمال المسجلة خلال الفترة الماضية بين 60-70 في المئة، ما من شأنه إدخال البلد في دوامة الانهيار الاقتصادي من جديد". وطالبت بسلة من الإجراءات والتسهيلات من "تمديد المهل القانونية لجميع التصاريح الضريبية"، وتمديد إجازات العمل والإقامات لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وتعليق استيفاء رسم ثلاثة في المئة عن الاستيراد، وتخفيض الرسوم البلدية على المؤسسات التجارية، ودعوة أصحاب الأملاك إلى خفض الإيجارات التجارية، وتسريع إخراج البضائع من المرافئ ومن المطار، وتسريع توفير خدمة الإنترنت عبر شركة "ستارلينك" التي تعمل عبر الأقمار الاصطناعية لتلافي أي أعطال قد تطاول كابلات الإنترنت البحرية.

خسائر كبيرة

"ما زالت غزة ماثلة في الذاكرة الجماعية اللبنانية والعربية وحجم الخسائر الكبيرة والدمار الهائل" على حد تعبير المتخصص الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة الذي يتخوف من آثار اقتصادية واجتماعية كارثية لأي حملة عسكرية طويلة في لبنان.

ويتوقع عجاقة ارتفاعاً كبيراً إضافياً في أسعار المحروقات والغذاء، وهو ما سيشكل ضغطاً على العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل، وزيادة في نسب الفقر والاضطرابات الاجتماعية، وسط تعويل على مساعدات خارجية لتجاوز المرحلة الصعبة.

يتحدث عجاقة عن انقلاب التوقعات الاقتصادية بفعل الحرب، إذ "بلغ معدل الانكماش الاقتصادي وتراجع حجم الاقتصاد الـ10 في المئة، بعدما كانت توقعات نمو حجم الاقتصاد عند أربعة في المئة خلال 2026"، وينبه إلى "نزف في الكتلة النقدية الدولارية بسبب ارتفاع أسعار المحروقات المستوردة من الخارج، وارتفاع بوالص التأمين على الشحن، والمواد الغذائية، ومن ثم خسارة مصرف لبنان احتياطاته بالعملة الأجنبية، وبلوغ مرحلة الخطر، وعجز في الاستيراد واضطراب في سعر الصرف"، ناهيك بالدمار المادي للبنى التحتية والمنازل وسقوط عدد كبير من الضحايا البشرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الخسائر الفادحة في الحوالات

لا تقتصر الخسائر على الدمار اللاحق في البنى الداخلية، ولكن تتجاوزها إلى تأثير عميق في الاقتصاد بفعل تراجع التحويلات المالية التي يقوم بها المغتربون في الخارج، والتي تشكل رئة يتنفس بواسطتها اللبناني المقيم. يحذر الدكتور عجاقة من فقدان العملة الأجنبية في لبنان بسبب انخفاض التحويلات من الخارج وتحديداً دول الخليج العربي، وتراجع السياحة بمعدل 80 في المئة لحجم النزلاء، وتوقف الصناعة وتراجع التصدير بنسبة 30 في المئة. وعليه، سيضطر مصرف لبنان إلى التدخل بسبب الظروف الاستثنائية، والحاجة إلى تمويل عمليات الاستيراد الضرورية. ويعزو عجاقة تراجع التحويلات إلى لبنان بفعل تراجع النشاط الاقتصادي في الخليج العربي، حيث تأثرت أنشطة اللبنانيين هناك، إضافة إلى التراجع الاقتصادي في مختلف دول العالم التي تحتضن المغتربين، إلى جانب التضييق على التحويلات بفعل الإجراءات الدولية للحد من تمويل الجهات الخاضعة للعقوبات، وتناقص القنوات غير الرسمية بسبب غلاء كلف الطيران.

يتخوف عجاقة من عدم قدرة لبنان على التعافي والصمود بسبب "بلوغ مرحلة الحضيض والخطر البنيوي"، وتفاقم الأزمة التي تضرب الهياكل الاجتماعية والاقتصادية للكيان اللبناني، والفاتورة الكبيرة للدمار المادي الكبير بفعل الهجمات الإسرائيلية، جنباً إلى جنب مع موجة غلاء عالمية بفعل التوترات والحروب الإقليمية التي تستهلك مدخرات المواطن العادي.

فاتورة ضخمة

تشكل الحرب الحالية انتكاسة إضافية للاقتصاد والمجتمع اللبناني، وامتداداً للحرب السابقة التي اندلعت في سبتمبر (أيلول) 2024. وحسب تقارير البنك الدولي، شكل صراع 2023-2024 "صدمة جديدة لاقتصاد البلاد المتعثر"، إذ تشير التقديرات إلى أن الكلفة الاقتصادية للصراع في لبنان تبلغ 14 مليار دولار، فقد بلغت الأضرار المادية التي لحقت بالمباني نحو 6.8 مليار دولار، بينما وصلت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن انخفاض الإنتاجية والإيرادات المفقودة وكلف التشغيل إلى 7.2 مليار دولار، فيما قدر البنك الدولي حاجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار، وتشير التقارير إلى أن قطاع الإسكان كان الأكثر تضرراً، كذلك تأثرت قطاعات التجارة والصناعة والسياحة بصورة كبيرة، إذ تقدر الخسائر فيها بنحو 3.4 مليار دولار أميركي في جميع أنحاء لبنان، ومن ناحية النطاق الجغرافي، جاءت محافظتا النبطية والجنوب في رأس قائمة المتضررين، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تقيم الحاضنة الشعبية لـ"حزب الله".

أما على مستوى الاقتصاد الكلي فقد أدى الصراع إلى انكماش إجمال الناتج المحلي الحقيقي للبنان بنسبة 7.1 في المئة عام 2024، وهو ما شكل انتكاسة كبيرة مقارنة بنسبة النمو المقدر بنحو 0.9 في المئة في حال عدم حصول الصراع. ومع نهاية عام 2024 لامس الانخفاض التراكمي في إجمال الناتج المحلي للبنان منذ عام 2019 الـ40 في المئة، مما أدى إلى تفاقم آثار الركود الاقتصادي المتعدد الجوانب، ناهيك بالآثار السلبية في آفاق النمو الاقتصادي في البلاد.

مؤشرات مقلقة

دفعت الحرب الإقليمية لبنان نحو "العناية المركزة"، ويقدم المتخصصان الاقتصاديان لدى منظمة "الأسكوا" أحمد مومي وجان غاسكا عبر "اندبندنت عربية" تشخيصاً للحال اللبنانية الشائكة.

وفي قراءتهما توقعات اقتصادية "مقلقة للغاية" للبنان، بخاصة في ظل التطورات الراهنة، على رغم وجود مسارات تعافٍ مشروطة، فقد "انكمش الاقتصاد بنحو 43 في المئة بين عامي 2019 و2025، وكان من المفترض أن يشهد عام 2026 بداية التعافي، إلا أن الحرب الجديدة وقيود السياحة قد تؤديان إلى انخفاض إضافي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4 في المئة، وتتفاقم الأوضاع بسبب الهشاشة الشديدة للبنان أمام ارتفاع كلف الاستيراد".

 وتشير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" إلى "تمتع الحكومة اللبنانية بقدرة مالية محدودة للغاية لامتصاص هذه الصدمات، فقد تراجعت الإيرادات من 21 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018 إلى 6.1 في المئة فقط عام 2022، وهي من أدنى النسب عالمياً، وبلغت النفقات 16.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، أي أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة، مما يعكس محدودية القدرة على تحقيق تعافٍ ملموس باستخدام الموارد المحلية".

تنوه منظمة "الإسكوا" بالتأثيرات العميقة للحرب الحالية في أعقاب سلسلة من الصدمات، تمثلت بالانهيار المالي والاقتصادي، وجائحة "كوفيد-"19، وحرب عام 2024، متحدثة عن "تهديد التصعيد الراهن عام 2026 بتفاقم الخسائر أكثر، فإذا سلك النزاع الحالي مساراً مشابهاً لحرب 2023–2024، فقد تصل الخسائر إلى ما بين 3 و5 مليارات دولار خلال شهر واحد، وإلى ما بين 8 و14 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر. وتأتي هذه الصدمات في وقت يعاني فيه الاقتصاد تعثراً سيادياً، وحيزاً مالياً شبه معدوم، وتراجعاً حاداً في الاستثمار الأجنبي المباشر من 2.7 مليار دولار عام 2018 إلى 0.58 مليار دولار فقط عام 2023".

ويتمثل الفارق الجوهري في التصعيد الحالي في أن لبنان يواجهه بموارد واحتياطات أقل بكثير، واحتياطات أجنبية مستنزفة، ونظام مصرفي منهار، ومؤسسات ضعيفة، وسكان يعانون أصلاً ضغوطاً حادة، لذا فإن مسار التعافي، الذي تراه "الإسكوا" مشروطاً بتنفيذ إصلاحات صارمة يصبح أكثر صعوبة مع كل صدمة إضافية، حسب متخصصي المنظمة الدولية، فيما تتفاقم الخسائر يومياً في ظل اتساع رقعة النار على المستوى الإقليمي، وتجاوز سعر برميل النفط عتبة 112 دولاراً أميركياً، وما يتفرع عنه من آثار شديدة على مستوى استيراد السلع الضرورية والأدوية واستمرارية المرافق العامة وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات