Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السلام بين الدول المتعادية تاريخيا وأمثلة معاصرة عن إنهاء الحروب

لكي يتحول إلى بنية طويلة الأمد يجب أن يخرج من طاولات التفاوض إلى المدارس والبلديات والجامعات واللغة والتعارف اليومي

متظاهرون يرفعون لافتات مناهضة لحرب فيتنام أمام البيت الأبيض في 18 أبريل 1965 في واشنطن (أ ف ب)

ملخص

المسار التفاوضي المبتدئ بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية مع استمرار التفاوض الأميركي - الإيراني المتعثر، يعيد طرح سؤال سياسي تكرر في التاريخ، وهو هل العداوة بين الدول ثابتة، أم أنها متبدلة ومتقلبة كلما تبدلت الشروط والظروف؟

المفاوضات الجارية حالياً على اختلافها، تقول إن الأبواب السياسية، حتى حين تكون ملطخة بالدم والدمار والعداوة المتراكمة، لا تبقى مغلقة إلى الأبد.

تبرهن الأدبيات السياسية المتعلقة بالمفاوضات عموماً والوساطة وبناء السلام، أن مجرد جلوس الحكومات إلى الطاولة لا يكفي وحده لكي يتحول وقف النار إلى سلام مستقر، ولا أن يتحول السلام بين الحكومات إلى سلام بين شعوب دولها، فلاكتمال السلام وتحقيق أهداف التفاوض لا بد من الثقة وتحديد الضمانات وآليات التنفيذ واستدخال المشاركة المجتمعية وربط السلام بالاقتصاد والتعليم، ومن ثم إدارة الذاكرة أو التاريخ المشترك بين العدوين المقبلين على السلام، فهذه الشروط والأسس لا بد من أن تدخل في صلب العملية، ولا يجب أن تبقى على هامشها، وإلا بقي السلام مجرد هدنة أو اتفاقات موقعة على ورق.

تجيب التجارب العالمية أنه يمكن للأعداء أن يصيروا أصدقاء، ولكن السؤال الدائم يدور حول الدرجات التي يمكن أن تنتقل إليها علاقة عدائية بين دولتين، وحول هل يكفي قرار حكومي أو صفقة أمنية لتحقيق سلام حقيقي؟ أم أن ما نسميه "السلام" يتوزع على مستويات تبدأ من وقف نار موقت ثم سلام إداري أو سلام بارد قد يصير شراكة استراتيجية أو مصالحة أعمق بين المجتمعات.

تميل أدبيات الأمم المتحدة ومعهد الولايات المتحدة للسلام والبنك الدولي و"اليونسكو" إلى فكرة مشتركة، وهي أن السلام المستدام ليس مجرد غياب لإطلاق النار، بل بناء تدريجي للثقة والشرعية والتماسك الاجتماعي، والقدرة على إدارة الخلاف من دون العودة إلى العنف.

 

الفرضية الأساسية تفيد بأن العداوة بين الدول ليست أبدية، لكنها لا تزول بالأمنيات الأخلاقية ولا بقرار بروتوكولي من القمة. وأن ما يتغير فعلاً هو تعريف المصلحة المشتركة وتوازن الكلفة، وبنية النظام الدولي الإقليمي أو العالمي المتدخل أو الذي يتوسط عملية السلام بين هذين العدوين، وقدرة الوسطاء على تثبيت المسار، ثم قدرة الحكومات والمجتمعات على ترجمة الاتفاق إلى ترتيبات أمنية واقتصادية وثقافية ومعرفية ملموسة، من هنا، فإن نهاية الحرب ليست هي نفسها بداية السلام، وبداية السلام ليست هي نفسها بداية المصالحة، فهناك سلام إداري، أي الحال التي تتوقف فيها الحرب بين دولتين، حين تُفتح قنوات رسمية وتُضبط الحدود وتُنشأ آليات اتصال أو مراقبة أو تنفيذ، وهناك سلام بارد، أي المستوى الأعلى من التهدئة الرسمية، لكنه لا ينتج دفئاً اجتماعياً أو معرفة متبادلة واسعة بين شعبين متعاديين، وهناك شراكة استراتيجية تقوم على تعريف جديد للمصلحة المشتركة يسمح بتعاون منتظم وعميق في ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد أو التكنولوجيا، وهناك أخيراً المصالحة المجتمعية الأعمق، وهي الحال التي لا يقتصر فيها التحول على الاتفاقات الرسمية، بل يمتد إلى التعليم والتواصل والاقتصاد والثقافة والتبادل والذاكرة، بحيث يتوقف النظر إلى الآخر بوصفه عدواً دائماً في المخيلة العامة.

أمثلة من القرنين الـ20 والـ21

لم تنته العداوات في القرن الـ20 والقرن الـ21 إلى نوع واحد من النهايات، فالحال الفرنسية - الألمانية هي المثال الأشهر على المصالحة العميقة بعد تاريخ طويل من الحروب، التي انطلقت من معاهدة الإليزيه عام 1963، ولم تكن مجرد ورقة حسن نية، بل لحظة مؤسسة لانتقال العداء إلى تعاون دائم، والأهم أن المسار لم يبق حكومياً صرفاً. فالمكتب الفرنسي - الألماني للشباب يذكر أن أكثر من 10 ملايين شاب من البلدين شاركوا منذ عام 1963 في نحو 400 ألف برنامج تبادل، فلكي يتحول السلام إلى بنية طويلة الأمد يجب أن يخرج من طاولات التفاوض إلى المدارس والبلديات والجامعات واللغة والتعارف اليومي.

فرنسا وألمانيا لم تتحولا فقط من خصمين إلى دولتين متعاونتين، بل أعادتا تربية أجيال كاملة على أن الطرف الآخر ليس قدراً حربياً.

الحال الأميركية - اليابانية تقدم نموذجاً آخر مختلفاً، فقد انتقل البلدان من العداوة الشرسة بينهما إلى حليفين يتقاسمان اليوم قيماً ومصالح، لكن هذا التحول لم ينتج عن مصافحة رمزية، بل عن إعادة تركيب كاملة للعلاقة البينية ثقافياً واستراتيجياً بعد عام 1945، الذي أدى إلى تحالف أمني ومؤسسي واقتصادي طويل المدى.

 

أما العلاقة بين الولايات المتحدة وفيتنام فهي بدورها مثال بالغ الأهمية، لأن الحرب بينهما كانت دموية ومنقولة إعلامياً وتلقى متابعة عالمية، ومع ذلك جرى الانتقال من العداء إلى التطبيع ثم إلى شراكة استراتيجية شاملة في عام 2023، وجرى التعاون في إنهاء ملفات إرث الحرب، مثل إزالة آثار التلوث والبحث عن المفقودين والتعامل مع مخلفات الماضي، هذه الأمور لم تكن تفصيلاً إنسانياً جانبياً، بل جزءاً من البنية السياسية نفسها التي سمحت للعلاقة بأن تتقدم.

العلاقة بين الأرجنتين والبرازيل تقدم بدورها مثالاً مختلفاً، فقد انتقل البلدان من تنافس إقليمي تاريخي وشكوك متبادلة، بخاصة في الملف النووي، إلى بناء آليات ثقة مشتركة، فجرى إنشاء الوكالة البرازيلية - الأرجنتينية للمحاسبة والرقابة على المواد النووية في عام 1991 نتيجة عملية جدية لتوليد متبادل للثقة، وأقيم تجمع دولي مصغر قائم على مسار تكامل إقليمي أُسس على يد الأرجنتين والبرازيل مع باراغواي والأوروغواي، وفي هذه الحال كان الانتقال من الخصومة إلى التعاون قد بدأ من المجال التقني الصلب، لا من الخطاب العاطفي.

في المقابل، تقدم العلاقة المصرية - الإسرائيلية المثال المعاكس جزئياً، أي مثال نجاح وقف الحرب من دون إنتاج مصالحة شعبية واسعة، اتفاق كامب ديفيد في سبتمبر (أيلول) 1978 قاد إلى معاهدة السلام في مارس (آذار) 1979، مع تبادل السفراء وترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي من سيناء، لكن التجربة الممتدة منذ ذلك الحين تظهر أن إنهاء الحرب بين الدولتين لم يتحول إلى حرارة شعبية متبادلة، لذلك تستخدم هذه الحال كثيراً بوصفها مثال "السلام البارد"، أي الاتفاق المستقر نسبياً على مستوى الدولة والأمن، لكن من دون اختراق عميق في الوجدان العام.

العلاقة الروسية - الصينية تصلح هي الأخرى، كمثال أيضاً، فهي لم تكن "مصالحة وجدانية" بين قوتين شيوعيتين عظميين، بل انتقال من خصومة أيديولوجية وجيوسياسية إلى شراكة استراتيجية براغماتية، فمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الموقعة في الـ16 من يوليو (تموز) 2001 صارت محطة مفصلية في بناء إطار مستقر للعلاقة، وهذا المثال يبين أن العداوة قد تتحول ليس إلى تحالف تقليدي، بل إلى شراكة متينة ومفيدة للطرفين، حتى مع بقاء كل طرف حريصاً على استقلاله الاستراتيجي.

لكن كيف تجري عملية السلام فعلاً؟

إذا تركنا الجانب البلاغي جانباً، فإنها لا تبدأ عادة من "سلام" بل من قناعة مشتركة أو متزامنة بأن استمرار الحرب بات أكثر كلفة من فتح الباب السياسي، لهذا تظهر عادة مرحلة تمهيدية فيها اتصالات خلفية ورسائل غير مباشرة ووسطاء ومحاولة لتحديد جدول الأعمال ثم الانتقال إلى قنوات رسمية.

فترتيبات وقف إطلاق النار بحد ذاتها تحتاج إلى تصميم وتحضير دقيقين، وغالباً ما تكون جزءاً من إطار أوسع لا مجرد استراحة، إنما تترافق مع محاولات لخلق مسارات موازية أو مساندة تساعد على إنتاج بيئة تفاوضية قابلة للحياة.

 

على المستوى الرسمي، يبدأ المسار عادة بتحديد من يتفاوض وبأي تفويض، وما الذي يجري التفاوض عليه تحديداً.

بعد ذلك يصل دور اللجان الفنية، لأن السياسة وحدها لا ترسم الخرائط ولا تحدد آليات المراقبة ولا جداول التنفيذ، ثم تظهر نقطة حاسمة كثيراً لا يُستهان بها، وهي آليات المتابعة وتسوية الخلافات، فالاتفاق الذي لا يحدد ماذا يحدث عند أول خلاف يكون، عملياً، اتفاقاً ناقصاً بل وقد يكون هو نفسه حجة لإعادة إشعال نيران الحرب المزمع إطفاؤها.

عملية السلام لا تتحرك دائماً في خط واحد من الأعلى إلى الأسفل، فالحوارات بين المتخصصين والنخب الأكاديمية والزعامات الدينية والمجتمعات المحلية والنساء والشباب، قد تؤدي دوراً حاسماً في تهيئة الأرضية أو في ترجمة ما تعجز عنه القنوات الرسمية وحدها، لكن هذه المسارات لا تكون فعالة إذا بقيت معزولة عن التفاوض الرسمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل تكفي النية لتحقيق السلام؟

لا، لأن نية الإدارة الحكومية هي مجرد شرط افتتاحي، لكنها ليست شرطاً كافياً، الحكومة تستطيع أن تفتح الباب، وأن توقف النار، وأن توقع معاهدة، وأن تتبادل السفراء وأن ترسم الحدود وأن تضع إطاراً أمنياً، لكنها لا تستطيع، بقرار فقط، أن تمحو الخوف المتراكم، أو أن تعيد صياغة صورة الآخر في الوعي الجمعي، أو أن تخلق مصلحة اقتصادية يومية مشتركة، أو أن تعالج ذاكرة المقتلة والاحتلال والتهجير، فـ "السلم المستدام" من وجهة نظر البنك الدولي مثلاً، يرتبط بالأمن المعيشي وفرص العمل والتماسك الاجتماعي والثقة بالمؤسسات من جهة أخرى، لأن السلام الذي لا يغيّر حياة الناس نخبوياً أو أمنياً محضاً، لا مصلحة اجتماعية عامة له، وتضيف منظمة "اليونسكو" بعداً آخر وهو الحوار من أجل التماسك الاجتماعي، ودور التعليم والثقافة والتواصل بين الفئات في إعادة نسج المجتمع، فإذا لم يتعلم الناس شيئاً جديداً بعضهم عن بعض، وإذا لم تتبدل المدرسة والإعلام واللغة المتداولة وصور العدو في المخيلة، فسيبقى السلام معرضاً لأن ينهار عند أول أزمة كبيرة.

وهنا يصبح من الواجب التمييز بين "السلام الإداري" و"السلام الاجتماعي"، فالأول يعني أن الدولتين توقفتا عن الحرب، وضبطتا الحدود، وفتحتا قنوات اتصال، وربما تبادلتا بعثات دبلوماسية ونسقتا أمنياً، وهذا مهم جداً، بل قد يكون إنجازاً تاريخياً بحد ذاته، لكنه ليس سلاماً بين الناس، أما النوع الثاني أي السلام الاجتماعي، فيفترض أن فئات واسعة من المجتمع لم تعد ترى الطرف الآخر عدواً وجودياً دائماً، وأن هناك شيئاً من التطبيع المعرفي والإنساني والاقتصادي جرى بالفعل، المثال الفرنسي - الألماني يقترب من هذا المستوى بسبب طول العمل المؤسسي والشبابي والثقافي، والمثال المصري - الإسرائيلي يوضح، في المقابل، أن "السلام الإداري" قد يدوم عقوداً من دون أن يصير سلاماً اجتماعياً واسعاً.

ومن هنا تأتي قيمة المثال الإيرلندي الشمالي، حتى وإن لم يكن نزاعاً بين دولتين بالمعنى البسيط، فاتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 لم يكتف بوقف العنف، بل بنى مؤسسات تقاسم سلطة وأطر تعاون بين الشمال والجنوب وآليات دستورية وعلاقات جديدة على مستويات عدة، أهمية هذا المثال أنه يبين أن السلام يصبح أعمق حين يترجم نفسه إلى بنى مؤسسية تتعامل مع الهوية والتمثيل والمشاركة والحدود والتواصل، لا حين يكتفي بشعار "المصالحة" مجرداً.

المزيد من تقارير