Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان يفتح مسار السلام مع إسرائيل... هل تتكرر تجربة اتفاق "17 أيار"؟

سقط نتيجة قرار سوري مباشر واستخدام حلفاء دمشق في الداخل لإسقاطه

رئيس الجمهورية اللبنانية السابق أمين الجميّل يقرأ بياناً خارج البيت الأبيض في الأول من ديسمبر 1983 بحضور الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان ووزير الخارجية الأميركي الراحل جورج شولتز قبيل التوصل إلى مسودة اتفاق "17 أيار" (غيتي)

ملخص

يعود ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة في لحظة إقليمية مختلفة تماماً عن تلك التي رافقت اتفاق الـ17 من مايو عام 1983، إذ يتحرك لبنان اليوم بعد تحولات كبرى أنهت مراحل طويلة من الوصايات الخارجية، لكنها لم تنهِ بعد معضلة القرار السيادي المرتبط بالسلاح خارج إطار الدولة. وبينما سقط اتفاق عام 1983 نتيجة رفض سوري مباشر واستخدام حلفائه الداخليين لإسقاطه، يطرح المسار الحالي سؤالاً مختلفاً يتمثل في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ أي اتفاق محتمل في ظل استمرار الاشتباك العسكري جنوباً وتبدّل موازين القوى الإقليمية.

بعد 43 عاماً يدخل لبنان مجدداً مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لكن هذه المرة بعدما تحرّر تدريجاً من ثلاث وصايات متعاقبة حكمت قراره السيادي عقوداً طويلة. الوصاية الأولى بدأت عملياً بعد "اتفاق القاهرة" عام 1969 الذي شرّع الكفاح المسلح عبر الأراضي اللبنانية ومنح "منظمة التحرير الفلسطينية" نفوذاً أمنياً وعسكرياً واسعاً داخل الدولة اللبنانية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة مهيمنة على جزء كبير من القرار الوطني وعلى مساحات واسعة من الجغرافيا اللبنانية. أما الوصاية الثانية فجاءت مع التدخل السوري الذي بدأ تحت عنوان "قوات الردع العربية" ثم ترسّخ بعد "اتفاق الطائف"، حين انسحبت الجيوش العربية وبقي جيش النظام السوري وحده ممسكاً بالمفاصل السياسية والأمنية للدولة اللبنانية. وبعد انسحاب القوات السورية عام 2005 بدأت الوصاية الثالثة، وهي الهيمنة الإيرانية عبر "حزب الله"، التي أعادت إنتاج معادلة السيطرة على قرار الحرب والسلم من خارج مؤسسات الدولة.


وللمرة الأولى منذ نحو نصف قرن، يدخل لبنان مسار التفاوض مع إسرائيل تحت النار. الجبهة الجنوبية لا تزال مشتعلة، والاشتباك العسكري بين "حزب الله" وإسرائيل لم يتوقف، ومع ذلك تُفتح قناة سياسية مباشرة في واشنطن للبحث في مستقبل العلاقة بين البلدين.

هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ اللبناني، بل تكاد تكون نسخة معادة صياغتها من لحظة مفصلية عاشها لبنان عام 1983 حين دخل أيضاً مساراً تفاوضياً مع إسرائيل بعد اجتياح عام 1982، ووقّع اتفاق الـ17 من مايو (أيار)، قبل أن يسقط هذا الاتفاق بعد أقل من عام تحت ضغط داخل وإقليمي قادته سوريا بمساندة حلفائها داخل لبنان في السادس من فبراير (شباط) عام 1984. 

استخدام الحلفاء

التفاوض المرتقب اليوم لا يبدأ من فراغ، بل من تقاطع تصريحات متبادلة بين بيروت وتل أبيب توحي بوجود إرادة سياسية لدفع المسار إلى الأمام على رغم استمرار العمليات العسكرية. رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أعلن بوضوح أن بلاده مستعدة للتفاوض مع لبنان وفق شرطين أساسيين: نزع سلاح "حزب الله" والتوصل إلى اتفاق سلام رسمي، بينما يعلن الجانب اللبناني أن هدفه الأول هو وقف إطلاق النار، تمهيداً للانتقال إلى ترتيبات أوسع. هذا التباين في تعريف هدف التفاوض يعكس اختلافاً جوهرياً في موقع كل طرف من العملية السياسية: إسرائيل تريد إعادة صياغة المعادلة الاستراتيجية في لبنان، بينما تحاول الدولة اللبنانية انتزاع هدنة تفتح الباب أمام إعادة تثبيت سيادتها على قرار الحرب والسلم. إلا أن اللافت في السياق الحالي أن الحكومة اللبنانية نفسها خلال جلسة حكومية قبل أسابيع أعلنت أن العمل العسكري لـ "حزب الله" بات خارج الشرعية القانونية للدولة، وهو تحول نوعي لم يكن متوافراً في مرحلة اتفاق "17 أيار"، حين كانت الدولة نفسها عاجزة عن مواجهة البنية العسكرية لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" والحركة الوطنية التي نشأت خارجها. مع الإشارة إلى أنه عام 1983 كان لبنان يتفاوض مع إسرائيل في ظل احتلال إسرائيلي مباشر لأجزاء واسعة من أراضيه ومن ضمنها العاصمة بيروت، وفي ظل وجود عسكري سوري كثيف أيضاً، أي إن الدولة اللبنانية كانت عملياً تتحرك بين احتلالين متنافسين على أرضها. ومع ذلك استطاعت آنذاك أن تذهب إلى توقيع اتفاق شامل نسبياً نص على إنهاء حال الحرب، وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي، وإقامة ترتيبات أمنية في الجنوب، وإنشاء لجان اتصال مشتركة تمهيداً لتنظيم العلاقات بين البلدين.

ويرى متابعون لتلك المرحلة أن المشكلة لم تكن في نص الاتفاق ولا في طبيعته القانونية، بل في البيئة الإقليمية التي أحاطت به، إذ اعتبرت سوريا أن الاتفاق محاولة لإخراج لبنان من مدار نفوذها الاستراتيجي، فرفضته بالكامل، واستخدمت حلفاءها اللبنانيين لإسقاطه عبر ما عرف بـ "انتفاضة" السادس من فبراير (شباط) عام 1984 التي شكّلت عملياً انقلاباً سياسياً وأمنياً أنهى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها وأجبرها على التراجع الرسمي عن الاتفاق.

التاريخ يتكرر؟

اليوم تعود هذه الذاكرة السياسية بقوة إلى الواجهة، لأن أطرافاً لبنانية أساسية أعادت طرح الاعتراض نفسه تقريباً ولكن بلغة مختلفة، فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري سابقاً رفض إرسال مندوب شيعي إلى المفاوضات، وربط الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أي مسار تفاوضي بمبادرة السلام العربية، في حين يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون فصل المسار اللبناني عن كل المرجعيات الإقليمية السابقة والانطلاق من مصلحة الدولة اللبنانية وحدها. والتحول الأكبر الذي يميز اللحظة الراهنة عن مرحلة الثمانينيات يتمثل في سقوط الدور السوري المباشر في لبنان، ففي عام 1983 كانت دمشق تمارس وصاية فعلية على القرار اللبناني وتمتلك قوات عسكرية منتشرة على الأراضي اللبنانية، وكانت قادرة على فرض خياراتها بالقوة السياسية والعسكرية، أما اليوم فإن النظام السوري نفسه خرج من موقع اللاعب المركزي في المعادلة اللبنانية. هذا التحول لا يعني انتهاء التأثير الإقليمي في لبنان، لكنه يعني انتقال مركز الثقل من دمشق إلى طهران، أي من وصاية مباشرة إلى نفوذ غير مباشر يمارس عبر "حزب الله".

السياق العربي

في السياق تشير أجواء قصر بعبدا إلى أن الانخراط في مفاوضات سلام مع إسرائيل لا يعني خروجاً عن السياق العربي، لافتة إلى تغير الإطار العربي الذي كان يشكل في الماضي مرجعية إلزامية للموقف اللبناني من الصراع مع إسرائيل. ففي العقود الماضية وقعت مصر "اتفاق كامب ديفيد"، ووقعت الأردن "اتفاق وادي عربة"، وبقيت سوريا نفسها في حال هدنة طويلة مع إسرائيل، فيما تشهد المنطقة اليوم تحولات إضافية تشمل تفاهمات أمنية وسياسية جديدة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، إضافة إلى وجود مباحثات مفتوحة مع دمشق حول ترتيبات أمنية مستقبلية. هذا التحول يعني أن فكرة الإجماع العربي الرافض أي اتفاق لبناني منفرد مع إسرائيل لم تعد قائمة كما كانت في الثمانينيات، وأن لبنان لم يعد ملزماً عملياً البقاء داخل إطار إقليمي واحد في تحديد خياراته الاستراتيجية.

وفي اللحظة التي تنطلق فيها الجولة الأولى من المفاوضات في واشنطن بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية، تعود إلى الواجهة مخاوف لدى البعض من المسار الجديد الذي أُخرجت فرنسا من سياقه.

وتتخوف أوساط سياسية من أن يكون إخراج فرنسا من طاولة المفاوضات عاملاً معرقلاً لمسارها بدل أن يشكّل عنصر تسهيل، انطلاقاً من تأثير باريس عبر علاقاتها العميقة مع بعض القوى السياسية الأساسية، وفي مقدمها رئيس مجلس النواب ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" السابق وليد جنبلاط، مما قد يدفع بعض القوى إلى موقع المعارض للتفاوض المباشر. وتربط هذه الأوساط بين هذا الإخراج الفرنسي وبين مقاربة أوروبية أوسع كانت تدعو إلى إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي تفاهم إقليمي محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار أن الساحة اللبنانية بقيت خلال المرحلة الماضية جزءاً من الاشتباك الإقليمي المفتوح بين الطرفين. ويذهب بعض اللبنانيين إلى تفسير الموقف الفرنسي في هذا السياق على أنه محاولة للإبقاء على الملف اللبناني ضمن إطاره الإقليمي الأشمل، لا عزله في مسار تفاوضي ثنائي منفصل ترعاه واشنطن وحدها، خصوصاً أن أطرافاً لبنانية نافذة، وفي مقدمها نبيه بري، كانت تميل إلى إبقاء المسار اللبناني متصلاً بالتوازنات الإقليمية المرتبطة بالجبهة الإيرانية، انطلاقاً من واقع أن الجبهة اللبنانية بقيت عملياً جزءاً من منظومة الاشتباك الأوسع خلال المرحلة الماضية. وبحسب هذه القراءة، فإن فرنسا وبعض القوى اللبنانية المتقاطعة معها كانت تفضّل استمرار معالجة الملف اللبناني ضمن إطار اللجنة الخماسية الخاصة بلبنان، لا ضمن مسار تفاوضي ثنائي بوساطة أميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الدولة لم تكن صاحبة القرار

يعتبر الكاتب والباحث السياسي مكرم رباح أن استعادة تجربة اتفاق "17 أيار" ضرورة لفهم طبيعة المأزق اللبناني المزمن المرتبط بغياب احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، لافتاً إلى "أن الاتفاق عام 1983 لم يسقط بسبب مضمونه أو لأنه كان اتفاق سلام مع إسرائيل، بل لأنه اصطدم بواقع أن الدولة اللبنانية لم تكن تمتلك القدرة الفعلية على تنفيذ ما وقّعته. المشكلة لم تكن في النص بل في ميزان القوى الذي كان يحكم لبنان آنذاك، حيث كانت سوريا تعتبر أن أي تسوية لبنانية مستقلة مع إسرائيل تعني إخراج لبنان من مجالها الحيوي، لذلك استخدمت أدواتها المحلية لإسقاط الاتفاق"، واعتبر أن "التحولات الإقليمية الراهنة تختلف جذرياً عن مرحلة الثمانينيات، "إذ لم يعد هناك إجماع عربي مانع لأي تسوية مع إسرائيل، كما لم تعد سوريا تمارس دور الوصي المباشر على القرار اللبناني، مما يفتح نافذة مختلفة أمام لبنان لم تكن متاحة عام 1983"، وحذّر، في المقابل، من أن هذه النافذة لن تتحول إلى فرصة فعلية إذا بقيت البنية العسكرية خارج الدولة قادرة على تعطيل أي مسار تفاوضي، لذلك، في رأيه، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان لبنان سيذهب إلى التفاوض، بل ما إذا كان قادراً على حماية نتائج التفاوض إذا حصلت؟ لأن التجربة أثبتت أن الاتفاقات لا تسقط عندما تُوقّع، بل عندما تعجز الدولة عن فرضها.

فرصة الخروج من الساحة

الصحافية والمحللة السياسية راغدة درغام ترى بدورها أن تجربة اتفاق "17 أيار" لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لكن "أهميتها اليوم تكمن في قدرتها على تفسير طبيعة الصراع على هوية لبنان الإقليمية أكثر مما تكمن في مضمون الاتفاق نفسه"، ففي مقارباتها السياسية، أشارت درغام إلى أن الاتفاق عام 1983 "كان جزءاً من محاولة أميركية لإعادة إدخال لبنان إلى منطق الدولة بعد أعوام من تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، إلا أن هذه المحاولة اصطدمت برفض سوري حاسم منع قيام تسوية لبنانية مستقلة عن حسابات دمشق الاستراتيجية"، واعتبرت "أن المقارنة مع اللحظة الراهنة تكشف انتقال مركز التعطيل الإقليمي من سوريا إلى إيران، لكن مع فارق أساس يتمثل في أن البيئة العربية والدولية تغيّرت جذرياً منذ الثمانينيات، فلبنان اليوم لم يعد محاطاً بجدار عربي موحد يرفض أي تسوية مع إسرائيل، كما أن المنطقة نفسها تشهد تحولات واسعة في طبيعة العلاقة مع الدولة العبرية، سواء عبر اتفاقات رسمية أو تفاهمات أمنية غير معلنة"، من هنا رأت أن المسار التفاوضي حالياً لا يمكن فهمه فقط ضمن سياق لبناني داخلي، بل يجب قراءته ضمن إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

ولفتت درغام "إلى أن تجربة '17 أيار' تقدم درساً واضحاً، إذ أثبتت أن أي اتفاق لا يحظى بغطاء سيادي داخلي وبقدرة تنفيذية فعلية سيبقى عرضة للسقوط مهما كان الدعم الدولي له. لذلك، فإن اللحظة الحالية قد تكون فرصة تاريخية للبنان للخروج من موقع الساحة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى إعادة إنتاج جديدة لمنطق الوصاية إذا لم يتم تثبيت مرجعية القرار داخل مؤسسات الدولة". 

تغيّر البيئة العربية

من ناحيته، يقول الباحث والكاتب السياسي سامي نادر إن استحضار "اتفاق '17 أيار' في النقاش اللبناني الحالي هو مؤشر إلى أن لبنان يقف مجدداً أمام لحظة مفصلية تتعلق بتحديد موقعه في الصراع الإقليمي"، وأشار "إلى أن الاتفاق عام 1983 كان محاولة لإعادة تثبيت الدولة اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي، لكنه سقط لأن البيئة الإقليمية لم تكن تسمح بقيام تسوية لبنانية مستقلة"، وأكد أن المقارنة مع المرحلة الحالية تكشف تحولاً جذرياً في هذه البيئة، "إذ لم يعد النظام الإقليمي العربي يعمل وفق المنطق نفسه الذي كان سائداً في الثمانينيات، فعدد من الدول العربية انتقل إلى توقيع اتفاقات سلام مع إسرائيل، فيما اختارت دول أخرى اعتماد ترتيبات أمنية غير مباشرة، مما يعني أن لبنان لم يعد محكوماً بالقيود نفسها التي كانت تمنع أي تسوية منفردة في الماضي"، ولفت نادر، في الوقت نفسه، إلى أن تغير البيئة الإقليمية لا يكفي وحده لضمان نجاح أي مسار تفاوضي جديد، "لأن العامل الحاسم يبقى داخلياً ويتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها الاستراتيجي"، وأشار "إلى أن تجربة '17 أيار' أثبتت أن الاتفاقات الدولية لا يمكن أن تصمد إذا لم تستند إلى توازن داخلي يسمح بتنفيذها، وأن أي تفاوض جديد اليوم سيواجه التحدي نفسه إذا بقيت مسألة السلاح خارج إطار الدولة من دون حل، لذلك، فإن نجاح المسار التفاوضي الحالي لن يتوقف فقط على طبيعة الضغوط الإقليمية أو الدولية، بل على قدرة لبنان نفسه على التحول من ساحة صراع إلى دولة تفاوض باسم مؤسساتها لا باسم محاورها".

لبنان والبحث عن معادلة جديدة 

في المقابل، قدم الصحافي خليل نصر الله، المعروف بقربه من "حزب الله"، مقاربة مختلفة جذرياً لمسار التفاوض الحالي مع إسرائيل، إذ رأى "أن استعادة تجربة اتفاق '17 أيار' محاولة لفرض تسوية على لبنان خارج توازناته الداخلية وخارج سياق الصراع الإقليمي مع إسرائيل"، معتبراً أن هذا النوع من الاتفاقات لا يمكن فصله عن الضغوط الأميركية والإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل موقع لبنان في المنطقة، وأشار إلى أن "اتفاق '17 أيار' سقط لأنه لم يكن يعكس توازن القوى الحقيقي داخل لبنان، بل حاول فرض خيار سياسي كبير في ظل وجود احتلال إسرائيلي مباشر وفي ظل انقسام داخلي حاد، لذلك اعتُبر في حينه اتفاقاً غير قابل للحياة"، ومن هذا المنطلق رأى أن الحديث اليوم عن مفاوضات سلام، أو حتى عن ترتيبات أمنية تتجاوز وقف إطلاق النار، يحمل الأخطار نفسها إذا لم يكن مرتبطاً بما سماه "معادلة الردع التي فرضتها الحزب" على الحدود الجنوبية خلال العقود الماضية. وذهب نصر الله إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن إدراج سلاح "حزب الله" ضمن شروط التفاوض، كما تطالب إسرائيل، "يكشف أن الهدف الحقيقي من المسار الجاري ليس إنهاء الحرب بل تغيير موازين القوة داخل لبنان"، وبرأيه، "فإن أي تفاوض ينطلق من هذا العنوان لن يكون تفاوضاً بين دولتين، بل محاولة لإعادة صياغة الداخل اللبناني نفسه، وهو ما يجعل المقارنة مع تجربة 1983 أكثر واقعية مما تبدو عليه في الظاهر".

ولفت إلى أن التحولات الإقليمية التي تُستخدم اليوم لتبرير فتح باب المفاوضات، "مثل توقيع دول عربية اتفاقات سلام مع إسرائيل، لا تعني أن لبنان ملزم السير في الاتجاه نفسه، لأن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية ودوره في الصراع مع إسرائيل تختلف عن تلك الدول"، لذلك فإن "أي مسار تفاوضي لا يأخذ في الاعتبار هذه الخصوصية سيبقى عرضة للاهتزاز الداخلي، تماماً كما حصل مع اتفاق '17 أيار' الذي سقط عندما اصطدم برفض قوى لبنانية أساسية له"، ومن هنا خلص إلى أن النقاش الحقيقي اليوم ليس حول إمكان التفاوض بحد ذاته، "بل حول ما إذا كان لبنان يريد إعادة إنتاج تجربة اتفاق سقط قبل أربعة عقود، أم البحث عن صيغة مختلفة توازن بين منطق الدولة ومنطق المقاومة (حزب الله) ضمن معادلة جديدة".

المزيد من تحلیل