ملخص
حذرت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، التابعة للأمم المتحدة، من تدهور واسع في الأوضاع الإنسانية بالسودان، مشيرة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص، نحو ثلثي السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي. وأشارت المبادرة إلى أن الأرقام المستندة إلى تحليل أممي حديث وفق بيانات ميدانية حتى نهاية يناير الماضي، تعكس انهياراً حاداً في مستويات الأمن الغذائي، وتضع السودان في صدارة الدول الأكثر تضرراً من الجوع وسوء التغذية عالمياً.
في وقت يعيش فيه السودان أزمة إنسانية غير مسبوقة عدت الأكبر في العالم، ويزحف فيه شبح الجوع مهدداً مزيداً من المناطق والسكان، جاءت ارتدادات حرب إيران والإغلاق المستمر لمضيق هرمز، لتضيف تعقيداً جديداً وتخلق أزمة أخرى فوق المعضلات والعراقيل القائمة، وتلقي بمزيد من القتامة على مستقبل الأوضاع الإنسانية الكارثية في السودان، وسط تحذيرات أممية من أن يؤدي طول أمد الاضطرابات بالمضيق لمفاقمة المجاعة بكل من السودان وأفغانستان واليمن والصومال.
ضغط مزدوج
وأدى تعطل الملاحة في مضيق هرمز لتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان بصورة كبيرة، وحولها إلى ما سمي بـ"الطوارئ الثلاثية" التي تدمج بين مستويات كارثية من النزوح والجوع وانهيار النظام الصحي، وفقاً لتقارير وكالات أممية ومنظمات دولية خلال الربع الأول من العام الحالي.
وأدت تداعيات الإغلاق على سلاسل الإمداد إلى ضغط مزدوج بتقليل وصول المساعدات الإنسانية الخارجية من جهة، وارتفاع قياسي في أسعار الوقود والسلع الغذائية وكلفة المعيشة ونقص المواد الأساسية داخل السودان من جهة أخرى، مما أثر بدوره في قدرة عمل وتحرك منظمات الإغاثة وتهديد الزراعة.
وأشارت الوكالات الأممية إلى أن تعطل الملاحة ضاعف من تكاليف الشحن وعرقل وصول الشحنات الإغاثية المتجهة إلى كل من السودان وتشاد بتغيير مسارها عبر طريق رأس الرجاء الصالح، بإضافة نحو 25 يوماً إلى زمن الوصول السابق، مما يزيد من خطر انقطاع الإمدادات والمجاعة، مشيرة إلى أن شحنات إغاثية حيوية كانت متجهة لمساعدة السودانيين ما زالت عالقة في البحر.
ارتفاع وازدحام
وكشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن أن الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن بسبب الحرب في الشرق الأوسط أثر بشدة في إيصال المساعدات إلى اللاجئين في المنطقة وأفريقيا، مبينة أن معدلات تكاليف الشحن من الهند وباكستان والصين الدول الرئيسة التي تعتمد عليها في توريد الإمدادات الطارئة، ارتفعت بنحو 18 في المئة، بينما يزيد تأخير التسليم وازدحام الموانئ من حدة المشكلة.
وأوضحت المتحدثة باسم المفوضية كارلوتا وولف أن أزمة الشرق الأوسط خلفت تداعيات واسعة النطاق تتجاوز حدود المنطقة، وتأثيرات متزايدة على سلاسل الإمداد الإنسانية العالمية وتسليم المساعدات، "إذ تضاعفت تكاليف الشحن أكثر من مرة بالنسبة إلى بعض الشحنات، وارتفعت كلفة نقل مواد الإغاثة من مخزونات المفوضية العالمية في مدينة دبي إلى عملياتها في السودان وتشاد، من نحو 927 ألف إلى 1.87 مليون دولار، مع تراجع قدرة شركات النقل على تلبية طلبات المفوضية، من 97 في المئة في بداية العام إلى 77 في المئة بسبب ارتفاع تكاليف الشحن".
عواقب وخيمة
ونوهت وولف إلى أنه في حال استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وتأثيره المقلق في أفريقيا بصورة خاصة، "فمن المرجح أن تؤدي التكاليف المرتفعة والتأخيرات ومحدودية قدرات النقل إلى تقييد العمليات الإنسانية بصورة أكبر، أما إذا استمر الاضطراب لفترة أطول فقد يؤدي إلى تقليص حجم وسرعة وصول المساعدات إلى المحتاجين"، محذرة من عواقب خطرة تتمثل في تقليص حجم المساعدات، وتأخر وصولها إلى ملايين المحتاجين حول العالم.
وبحسب متحدثة المفوضية أيضاً، "بجانب القفزة الكبيرة في تكاليف إيصال المساعدات إلى السودان، تسببت اضطرابات الملاحة أيضاً في تحويل مسارات الشحن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف نحو 25 يوماً إلى زمن الوصول السابق، وتسبب في الضغط على سلاسل الإمداد، وتأخير وصول المساعدات والتأثير بصورة مباشرة في سرعة الاستجابة الإنسانية في السودان، بينما أدت زيادة أسعار الوقود إلى تأخير وندرة الشاحنات التي تنقل الشحنات من مخزوناتها في كينيا، إلى كل من إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان".
تعقيدات إضافية
في السياق، رأى المتخصص في الشؤون الإنسانية صلاح الأمين أن الأزمة الإنسانية في السودان في الأصل مركبة و"إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن وجود الحوثيين في البحر الأحمر، يزيدان الأمر تعقيداً، ويضيفان عقبة جديدة إلى العوامل التي تعوق وصول المساعدات والعمل الإنساني بصفة عامة، بجانب عدد من المشكلات الداخلية التي تعرقل وصول الإغاثة إلى المتضررين على الأرض". ونوه الأمين "إلى أنه في ظل شح التمويل من قبل المانحين وخروج المعونة الأميركية كممول رئيس بعد قرارات الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، وفي حال لم تحصل الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى على تمويل لعملياتها، فإن رقعة المجاعة في السودان مرشحة للزيادة، بخاصة أن هناك أكثر من منطقة وصلت بالفعل إلى درجة المجاعة".
تهديد الزراعة
وأشار المتخصص في الشؤون الإنسانية إلى أن إغلاق المضيق تسبب في صعوبة وصول مدخلات الزراعة، "مما يهدد تفشي الأمراض وفشل الموسم الزراعي وزيادة أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي"، وتابع "انسداد الأفق السياسي والتعنت في فتح الممرات الإنسانية وانعدام الأمن والفساد والبيروقراطية وفرض الإتاوات من الجماعة المسلحة داخل البلاد، تشكل عوامل تزيد أيضاً من صعوبات إيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين على الأرض"، لذلك رأى الأمين "أن الحل يكمن في ضرورة تفعيل الهدنة الإنسانية، وفتح الممرات أمام المساعدات، وتأمين وصول مدخلات تحريك الإنتاج الزراعي، والسماح للفاعلين الإنسانيين بالوصول للمستهدفين حتى تتم محاصرة الجوع المتزايد، في ظل الارتفاع الذي تشهده أسعار السلع الغذائية، فضلاً عن إمكان لجوء مفوضية اللاجئين لخيار توصيل المساعدات عبر التحويلات النقدية المباشرة".
خطر مستقبلي
في سياق متصل، حذر الناشط في العمل الطوعي جلال محمد بدر الدين من "أن تزامن العراقيل التي تواجه وصول المساعدات الإنسانية بسبب تداعيات حرب إيران على الملاحة الدولية، مع موجة الغلاء الفاحش التي تضرب الأسواق بالداخل، وضعف القدرة الشرائية، تزيد من معدلات الفقر وتضع مستقبل الأمن الغذائي في خطر حقيقي وكبير"، واعتبر بدرالدين أن "غياب الاستعدادات والتجهيزات للموسم الزراعي الصيفي هذا العام، وحال الإحباط بين المزارعين نتيجة الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود، والزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج مع غياب التمويل البنكي مؤشرات خطرة تنذر بفشل مبكر محتمل للموسم الزراعي".
وكانت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) قد أطلقت حملة واسعة النطاق لتوزيع البذور الطارئة تستهدف 1.5 مليون أسرة زراعية، تغطي نحو 7.5 مليون شخص في 17 من ولايات السودان الـ18.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أشهر من الانقطاع
وأوضح الناشط الطوعي أن المعارك المستمرة والغارات الجوية والهجمات المسيرات بجانب والنهب والقيود المفروضة حركة القوافل الإنسانية تعتبر من أكبر المعوقات التي تمنع وصول الغذاء والدواء إلى ملايين المحتاجين، مشيراً إلى أن الدمار الواسع الذي طاول البنية التحتية بخاصة الطرق، وما أصابها من أضرار كبيرة، تسبب في صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة والأكثر حاجة في إقليمي كردفان ودارفور، مما يرفع من درجات خطر المجاعة وسوء التغذية الحاد.
وقالت منسقية النازحين في إقليم دارفور إن المساعدات الإنسانية الأساسية توقفت منذ أشهر، في وقت تواجه فيه معسكرات النازحين نقصاً حاداً في الموارد الأساسية والخدمات الصحية، كما أن قوافل المساعدات الإنسانية وشحنات الغذاء والدواء ومواد الإيواء تتعرض لاستهداف متكرر، إضافة إلى قصف أسواق ومراكز طبية، يهدد حياة المدنيين ويعرقل وصول الإغاثة.
القيود والجوع
من ناحيته، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن 45 مليون شخص إضافيين سيواجهون خطر الجوع، إذا لم ترفع القيود المفروضة على مضيق هرمز بحلول منتصف العام الحالي. ودعا غوتيرش، في تصريحات صحافية بمقر الأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع، جميع الأطراف إلى فتح المضيق فوراً، مشيراً إلى أن الحرب دخلت شهرها الثالث، وأنه على رغم وقف إطلاق النار فإن النتائج تزداد سوءاً مع كل ساعة.
وأوضح مفوض العون الإنساني السابق بولاية الخرطوم مصطفى آدم أن زيادة كلفة النقل وتعقيدات نقل وترحيل المساعدات الإنسانية "تضع على عاتق المفوضية مسؤولية ضرورة البحث عن حلول بديلة لتفادي الكلفة الجديدة، من بينها العمل على الوصول بصورة مباشرة للاجئين عبر تحويلات الدعم النقدي كخيار متاح، بخاصة أن هناك لاجئين في بعض الدول الجوار لم تصل إليهم مساعدات منذ فترة طويلة".
تهديد الأكثر جوعاً
على نحو متصل حذر المدير التنفيذي لخدمات مشاريع مكتب الأمم المتحدة خورخي دا سيلفا من أن تداعيات إغلاق المضيق تفاقم الوضع وتهدد الأمن الغذائي، في البلدان التي تعاني أعلى معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي، بما فيها السودان وجنوب السودان وأفغانستان واليمن والصومال. وتوقع دا سيلفا أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون الجوع في جميع أنحاء العالم بعشرات الملايين، خلال عام واحد.
انهيار وحاجة
ومنذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023، يشهد السودان أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، إذ اضطر نحو 14 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم، منهم 9 ملايين نازح داخلياً و4.5 مليون لجأوا إلى دول الجوار، بينما تدفع المعارك المستمرة في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع تزايد القصف الجوي وبالمسيرات، مزيداً من الأشخاص نحو الفرار.
وحذرت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، التابعة للأمم المتحدة، من تدهور واسع في الأوضاع الإنسانية بالسودان، مشيرة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص، نحو ثلثي السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي. وأشارت المبادرة إلى أن الأرقام المستندة إلى تحليل أممي حديث وفق بيانات ميدانية حتى نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، تعكس انهياراً حاداً في مستويات الأمن الغذائي، وتضع السودان في صدارة الدول الأكثر تضرراً من الجوع وسوء التغذية عالمياً.