Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكون بلغاريا الجديدة تعويضا لروسيا عن ضياع المجر؟

أشاد متصدر الانتخابات المعروف بدعوته لإحياء العلاقات مع موسكو بـ"انتصار الأمل" والكرملين يرحب بــ"حوار براغماتي"

أمام ملصقات انتخابية لزعيم ائتلاف بلغاريا التقدمية والرئيس السابق رومين راديف في صوفيا، 20 أبريل 2026 (أ ف ب)

ملخص

قال الجنرال الذي كان قدم استقالته من منصبه الشرفي السابق كرئيس لجمهورية بلغاريا للمشاركة في هذه الانتخابات، إن "ما تحقق من فوز هو انتصار للمعنويات، لأن الشعب رفض غطرسة الأحزاب القديمة ولم يصدق أكاذيبها وتلاعباتها".

ما إن كاد الاتحاد الأوروبي يتنفس الصعداء ويسعد بفوز بيتر ماديار زعيم حزب "تيسا" الذي أطاح فيكتور أوربان خصمه اللدود الرافض لكثير من توجهاته وما يقدم لأوكرانيا من دعم عسكري ومالي، حتى داهمته نتائج الانتخابات البرلمانية في بلغاريا التي أعادت الجنرال رومين راديف، الرئيس السابق لبلغاريا وزعيم حزب "بلغاريا التقدمية" إلى صدارة الحياة السياسية، متقدماً عن أقرانه بفارق كبير يكفل له تشكيل الحكومة الجديدة في إحدى أفقر الدول الأوروبية وأكثرها "فساداً".

وما إن بدأت النتائج الأولية تظهر تقدمه الكاسح مع شركائه في الائتلاف الذي يحمل اسم "مواصلة التغيير - بلغاريا الديمقراطية"، حتى خرج راديف ليصف فوزه بقوله "إنه انتصار للأمل على اليأس، وللحرية على الخوف". وأضاف الجنرال الذي كان قدم استقالته من منصبه الشرفي السابق كرئيس لجمهورية بلغاريا للمشاركة في هذه الانتخابات، إن "ما تحقق من فوز هو انتصار للمعنويات، لأن الشعب رفض غطرسة الأحزاب القديمة ولم يصدق أكاذيبها وتلاعباتها". ومن اللافت بصدد نتائج الانتخابات الأخيرة في بلغاريا، ما تناقلته كبريات الصحف المحلية والعالمية حول "أن الناخبين صوّتوا بغالبية ساحقة لمصلحة السياسيين الذين وعدوا بالتغيير ومكافحة الفساد، موجهين ضربة قاضية لحزب يمين الوسط الذي حكم البلاد طوال العقد الماضي".

قلب كل التوقعات

على نحو يقترب من ذلك النصر الذي حققه بيتر ماديار زعيم حزب "تيسا" في الانتخابات المجرية الماضية، أسفرت الانتخابات البرلمانية في بلغاريا عن فوز هو الأقرب إلى الساحق لحزب "بلغاريا التقدمية"، والمتحالفين معه في الائتلاف الذي قام بتشكيله الرئيس السابق رومين راديف في غضون عام واحد فقط منذ تاريخ استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية. وبينما كان مراقبون كُثُر ومعهم رهط كبير من علماء الاجتماع يتوقعون حصول الحزب على نسبة 30- 34 في المئة فقط من الأصوات، كشفت النتائج الأولية وبعد فرز نسبة أكثر من 90 في المئة من الأصوات عن فوز الحزب بنسبة تقترب من 45 في المئة تكفي للحصول على 132 مقعداً من 240 هي مجموع كل مقاعد البرلمان البلغاري. وذلك ما جعل عدداً من المراقبين يقولون إن مثل هذه النتيجة يمكن أن يكون بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي أسوأ كابوس، بسبب القدرة على تقويض الوحدة الأوروبية في شأن قضية أوكرانيا. وقد تجاوزت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 50 في المئة، وهي الأعلى في السنوات الخمس الماضية، في الوقت الذي مني خصوم "بلغاريا التقدمية" الرئيسيون بهزيمة كبيرة، قد تكون حائلاً دون رغبة الائتلاف الفائز حول الحوار معهم، وهو أمر ثمة من يقول إنه لن يكون سهلاً نظراً إلى التناقضات والتحديات الكبيرة في ما بينهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يقتصر الأمر على تحقيق الائتلاف الفائز لمثل هذه النتيجة القياسية غير المسبوقة، بل وتعداه صوب تكبيد خصومه الرئيسين (حزب جيرب وحزب الاشتراكيين الديمقراطيين) خسائر فادحة، على حد تقديرات نيكولاي بودشاسوف، الباحث في مركز الدراسات الأوروبية التابع لمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية (IMEMO) التابع لأكاديمية العلوم الروسية. وأشار بودشاسوف إلى أن "حزب الشعب التقدمي - الحزب الديمقراطي البلغاري"، الحليف المحتمل لحزب "بلغاريا التقدمية"، حقق أداء أفضل من المتوقع، بينما استبعد منافسوه، "حزب النهضة" وحزب "الاتحاد الاشتراكي البلغاري"، من الجمعية الوطنية تماماً" لعدم حصولهم على نسبة الـ 4 في المئة المقررة كحد أدنى، وهي النصاب القانوني اللازم للفوز في الانتخابات. وأضاف أن الفوز الكبير لحزب "بلغاريا التقدمية" يزيد من احتمالات تشكيل حكومة مستقرة بقيادة راديف، لكن ذلك لا يمكن أن يحول دون تجاهل التحديات التي سيواجهها الفائزون بعد الانتخابات.

وأكد بودشاسوف أن "النسبة المبالغ فيها تُولد خيبة الأمل. وهو ما سيتعين على راديف معه العمل في ظروف قد يكون فيها ثمن أي خطأ باهظاً للغاية. إذ إن الناخبين لم يصوتوا لحزب، ولا لبرنامج، بل للرئيس السابق شخصياً. لذا، فإن من المتوقع أن يُنظر إلى أي إخفاق على أنه ضربة لسمعته الشخصية". وأشار إلى أنه من المهم إدراك أن حوار حزب "بلغاريا التقدمية" مع المفاوضين البرلمانيين لن يكون سهلاً. وثمة من يقول في بلغاريا اليوم إنه أصبح من الواضح أن أحزاب "جيرب" (مواطنون من أجل التنمية الأوروبية في بلغاريا)، و"الحزب الديمقراطي الاشتراكي"، وحزب "النهضة"، التي لم تحقق ما كانت تنشده من أصوات، ستركز في نشاطها على لفت انتباه الرأي العام تجاه أي خطأ قد يصدر من جانب راديف في المستقبل القريب.

التقارب مع روسيا

وإذا كانت مكافحة الفساد هي القاسم الأعظم في كل برامج الأحزاب والائتلافات التي شاركت في الانتخابات الماضية في بلغاريا، فإن ما رفعه راديف وحلفاؤه من شعارات تقترب في جوهرها مع تلك التي سبق ورفعها أوربان في المجر، وجاره روبرت فيتسو رئيس وزراء سلوفاكيا، لم تجد مثل هذا التوافق، فضلاً عن وجود كثير من اختلافات وجهات النظر التي تقف على طرفي نقيض مع خصومه ممن يرفعون شعارات مغايرة على صعيد توجهاتهم الخارجية.

فبينما يدعو راديف إلى الحوار مع موسكو، ورفع العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي عليها، وضرورة سرعة إنهاء الصراع في أوكرانيا، يدعو "حزب الشعب - الحزب الديمقراطي البلغاري" إلى تقديم الدعم الشامل لكييف، وإلى المواجهة الحادة مع الجانب الروسي"، على حد تقديره. ويقول هؤلاء إن التغييرات المفاجئة في موقف صوفيا من القضايا الدولية قد تؤدي إلى عزل "حزب بلغاريا التقدمية" في الجمعية الوطنية، وهو ما سوف يأخذه راديف مع غيره من الأخطار، في اعتباره ويسعى إلى تجنب اتخاذ إجراءات حاسمة في هذا المجال، في الأقل على المدى القريب.

وفي أول رد فعل على الصعيد الرسمي أعلن دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين، عن ارتياح موسكو لما أدلى به رومين راديف رئيس الوزراء البلغاري المنتخب من تصريحات حول ضرورة بناء حوار "براغماتي" مع موسكو. وقال إن الجانب الروسي ينظر بإيجابية إلى التصريحات المتعلقة بضرورة حل المشكلات عبر هذا الحوار، وإن قال إن تقدير الأوضاع الراهنة لا يزال سابقاً لأوانه.

ويشير مراقبون في موسكو إلى أن راديف الذي سبق وأشار إلى أن شبه جزيرة القرم التي أعلنت موسكو عن انضمامها إلى روسيا عام 2014 روسية، يمكن أن يكون جسراً بين شرق أوروبا وبلدان الاتحاد الأوروبي، استناداً إلى ما صدر عنه من تصريحات ومواقف تبدو قريبة من مثيلاتها التي طالما أعلن عنها فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية السابق، وروبرت فيتسو رئيس وزراء سلوفاكيا. ونقلت وكالة أنباء "تاس" الروسية الرسمية عن ليونيد سلوتسكي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في "مجلس الدوما" ما كتبه على منصة "إكس" حول أن فوز راديف في الانتخابات البلغارية مؤشر واضح ودليل على أن المجتمع البلغاري سئم مما كان ينتابه من مشاعر الترهيب من روسيا، التي كان ثمة من يضعها في أولوية حساباته خصماً من المصالح الوطنية للبلاد.

من مواقع متباينة

ومن المثير في هذا الصدد أن يأتي فوز الرئيس البلغاري السابق راديف بالانتخابات البرلمانية في بلغاريا، في توقيت مواكب للتحول التدريجي في مواقف بيتر ماديار المرشح لتولي منصب رئيس الحكومة المجرية، وإعلانه في حديث لصحيفة "نابسافا" المجرية أنه "سيتعين عليه الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس الروسي. ولن يتغير الموقع الجغرافي لا لروسيا ولا للمجر". وأضاف أن اعتماد بلاده على الطاقة من روسيا سيستمر أيضاً، إضافة إلى ما سوف يجري من مفاوضات بين الجانبين".

وكشف ماديار كذلك عن أنه لا يرغب في تمثيل مصالح أوكرانيا في الحوار مع الجانب الروسي، مؤكداً أن "لا أحد يريد حكومة موالية لأوكرانيا في المجر"، وهي تصريحات تجد ترحيباً ملموساً من جانب موسكو، فضلاً عما تلاقيه من ارتياح لدي اندريه بابيتش رئيس وزراء تشيكيا، بما قد يخفف كثيراً من صدمة "فقدان" موسكو للمجر بعد الهزيمة "المؤلمة" لفيكتور أوربان رئيس وزرائها المنتهية ولايته.

وكان ماديار سبق وكشف عن موقفه من الاتحاد الأوروبي الذي يضعه في حسبانه لما ينتظره من مخصصات المجر المجمدة لديه، وتبلغ ما يقترب من 35 مليار يورو (41.16 مليار دولار)، والتي قد ينتهي بها المطاف في خزينة "نظام كييف" على حد قوله. فضلاً عما أعلن عنه ماديار، حول أنه لا ينوي وضع أولويات الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا فوق الأولويات الوطنية.

وفي معرض تقدير ما أسفرت عنه الانتخابات من نتائج أشار فلاديمير بوتياتين، نائب رئيس قسم تاريخ السلاف الجنوبيين والغربيين في جامعة موسكو الحكومية، إلى الهزيمة السياسية الكبيرة التي مُني بها حزب "جيرب" بزعامة رئيس الوزراء السابق بويكو بوريسوف، والذي لم يحصد سوى 13 في المئة من الأصوات، أي أقل بثلاث مرات مما حصل عليه الفائزون الآخرون. وأضاف بوتياتين "كانت حكومة "جيرب" (مواطنون من أجل التنمية الأوروبية في بلغاريا)، بقيادة روزين زيليازكوف، هي التي استقالت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وسط احتجاجات جماهيرية مناهضة للفساد، مما أدى إلى إجراء انتخابات مبكرة. كذلك فإن هذه الهزيمة الكبيرة للقوى السياسية التي جسّدت لعقود طويلة السياسة الخارجية والداخلية لبلغاريا، تشهد على الإرهاق وخيبة الأمل العميقة لدى المجتمع البلغاري، وتُشير، من نواحٍ عدة، إلى بداية صفحة جديدة في تاريخ البلاد".

وفي ما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية والعلاقات مع روسيا والاتحاد الأوروبي، توقف بوتياتين عند ما نشرته وسائل الإعلام الغربية خلال الحملة الانتخابية من مقالات عدة وصفت راديف بأنه "سياسي موالٍ لروسيا" بسبب بعض تصريحاته التي دعا فيها إلى منع التدخل العسكري البلغاري في الأزمة الأوكرانية. على أن مثل هذه العناوين المثيرة التي سبق وتغنى بدلالتها مراقبون كُثُر، لم تؤثر في إرادة بسطاء المواطنين، ممن لا يرون في روسيا أي تهديد، فضلاً عن اهتمامهم بالدرجة الأولى بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية لبلادهم، وليس بالأجندة التي تفرضها بروكسل.

وكان السخط الشعبي بلغ ذروته في السنوات الخمس الماضية نتيجة لتزايد شعور النخب "الفاسدة" بالإفلات من العقاب، وعدم قدرة الحكومات الضعيفة على تنفيذ ما وعدت به من إصلاحات، فضلاً عن تفشي ظاهرة الفساد في كثير من مناحي الحياة في بلغاريا، على مر ما شهدته البلاد من حكومات تقاطرت على حكم البلاد منذ سقوط الشيوعية عام 1989، وما بعد ذلك منذ انضمامها الى الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي في عام 2004 من دون أن تحقق ما كان يصبو إليه شعبها من آمال في تطور اقتصادها حتى المستوى العالمي، وبما يتفق مع ما يرفعه راديف وصحبه من شعارات، وما يطرحه من أهداف.

المزيد من تقارير