Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كواليس مقترحات تسوية حرب إيران بين بوتين وعراقجي

بحث ضمانات تمنع أي تصعيد عسكري جديد في إطار توجه طهران لتوزيع الملفات العالقة مع واشنطن على أطراف دولية عدة

بحث اللقاء بين بوتين وعراقجي إيجاد ضمانات تمنع أي تصعيد عسكري جديد (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)

ملخص

يجمع الدبلوماسيون الروس والإيرانيون في موسكو على أن زيارة عراقجي جاءت لطلب الدعم الروسي وتعزيز موقف طهران والبحث عن توازن استراتيجي بمساعدة روسيا في مواجهة الضغوط الغربية.

تصدّر الملف النووي الإيراني أجندة المحادثات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وجرى تداول مقترحات حول الدور الذي يمكن أن تقوم به موسكو في مسألة "حجر" كمية اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المئة.

وبحث اللقاء بين بوتين وعراقجي إيجاد ضمانات تمنع أي تصعيد عسكري جديد، في إطار توجه إيراني لتوزيع الملفات العالقة مع واشنطن على أطراف دولية عدة.

وأكد السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي أن زيارة عراقجي تندرج ضمن تحركات دبلوماسية لإنهاء التوتر مع الولايات المتحدة، فضلاً عن تعزيز التعاون الروسي- الإيراني، ولا سيما في المجالات السياسية والعسكرية.

المقترحات الإيرانية

وبناءً على معلومات دبلوماسية سُرّبت، حمل عراقجي إلى موسكو مبادرة تضمنتها "رسالة من المرشد الأعلى الإيراني" تهدف إلى طلب دعم روسيا في ظل توترات إقليمية حادة وتعثر المفاوضات مع واشنطن، وترتكز على النقاط التالية:

مبادرة ربط الملف النووي بإنهاء الحرب، إذ كشفت تقارير عن أن طهران قدمت مقترحاً (عبر وسطاء باكستانيين ومن ثم إلى موسكو) يتضمن تسوية على ثلاث مراحل تقتضي تأجيل بحث الملف النووي موقتاً والعمل على إنهاء الحرب الأميركية-الإسرائيلية ورفع الحصار البحري عن إيران، مقابل قيام طهران بفتح مضيق هرمز بشروط ميسرة يُتفق عليها.

ضمانات الحجر على اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المئة وعدم زيادة تخصيبه، والدور الذي يمكن لروسيا أن تضطلع به كضامن موثوق من قبل طرفي النزاع، وهنا جددت موسكو عرضها استقبال اليورانيوم الإيراني المخصب وتخزينه على أراضيها على غرار ما فعلت عام 2015 كطريقة لخفض التصعيد، مما كان محور محادثات عراقجي مع القيادة الروسية، ومن بينها عدم نقل كمية اليورانيوم هذه البالغة 450 كيلوغراماً خارج الأراضي الإيرانية، والحجر عليها في مفاعل بوشهر تحت رقابة وضمانة الخبراء الروس الذين يديرون هذا المفاعل.

ضرورة التوصل إلى تسوية تنهي الحرب كلياً وتكفل عدم شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات ضد إيران مستقبلاً، وهنا أكد عراقجي استعداد بلاده للتفاوض على شروط هذه التسوية وضمانات بعدم تكرار الهجمات على منشآتها النووية والعسكرية مجدداً.

ويجمع الدبلوماسيون الروس والإيرانيون في موسكو على أن زيارة عراقجي جاءت لطلب الدعم الروسي وتعزيز موقف طهران والبحث عن توازن استراتيجي بمساعدة روسيا في مواجهة الضغوط الغربية.

وباختصار تضمنت المقترحات الإيرانية مبادرة "توزيع الملفات" مع إعطاء الأولوية القصوى لوقف الحرب في المنطقة وفتح الممرات الملاحية، مقابل عدم تسييس الملف النووي وإبقائه في إطار التفاهمات الفنية بما في ذلك مع روسيا، خصوصاً حول موضوع تخزين اليورانيوم المخصب بدرجة عالية.

التخصيب دون السلاح النووي

بحسب ما أبلغ مصدر دبلوماسي روسي رفيع "اندبندنت عربية"، أكد عراقجي للمسؤولين الروس استعداد طهران لأي اتفاق يهدف إلى منع الحصول على أسلحة نووية.

وقال على مسامعهم "كما أكدنا مراراً وتكراراً، فإننا على ثقة تامة بسلمية برنامجنا النووي، ولا نمانع في إثبات هذه الثقة للعالم، كما فعلنا في الاتفاق النووي لعام 2015. ونحن على استعداد لأي اتفاق يهدف إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية لأننا مقتنعون تماماً بضرورة حظر الأسلحة النووية".

 

 

لكنه أضاف "إذا كان هدف الاتفاق مع الولايات المتحدة حرمان إيران من حقوقها النووية المشروعة، فمن الطبيعي أننا لسنا مستعدين لمثل هذا الاتفاق". ووفقاً له، دخلت طهران في مفاوضات مع واشنطن بهذا المنطق تحديداً وشاركت في جولات عدة.

وقال عراقجي للقادة الروس "في رأينا، من الممكن أن يمهد هذا المقترح (توزيع الملفات) الطريق أمام التوصل إلى اتفاق. من الواضح تماماً أن الكيان الصهيوني لا يرغب في أي اتفاق حول القضية النووية، بل يعارض أيضاً المفاوضات والدبلوماسية. إن العدوان على إيران في خضم المحادثات النووية دليل على معارضة الكيان الصهيوني لأية مفاوضات".

ترحيب موسكو بإحياء دورها!

ورحبّت روسيا بإحياء إيران دورها كوسيط في النزاعات الدولية، بعدما تجاهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عرض نظيره الروسي للوساطة في الحرب بين البلدين، وصمّ أذنيه عن اقتراح بوتين أثناء مكالمتهما الهاتفية الأخيرة نقل اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة إلى روسيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك أعلن بوتين خلال لقائه عراقجي استعداد بلاده لبذل كل ما في وسعها لتحقيق السلام في الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن، وأعرب عن أمله في أن تتجاوز إيران هذه الفترة العصيبة بكرامة، وأن يسود السلام في نهاية المطاف.

وكشف بوتين عن تلقيه رسالة من المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي الأسبوع الماضي، ورداً على هذه الرسالة التي تحيي دور الوساطة الروسي في أزمة الشرق الأوسط، طلب من عراقجي نقل "كلمات شكره على هذه الرسالة وأطيب تمنياته بالصحة والازدهار".

وللدلالة على أهمية اللقاء، عُقد الاجتماع الذي استمر قرابة ساعتين بين بوتين وعراقجي في مكتبة بوريس يلتسين الرئاسية.

محادثات مفيدة

بحسب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أثبتت المحادثات بين بوتين وعراقجي في سانت بطرسبورغ أنها مثمرة ومفيدة.

وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن الاجتماع بينهما مهم نظراً إلى الوضع المتطور في الشرق الأوسط، مضيفاً أن "من الصعب المبالغة في تقدير أهمية هذه المحادثات في ما يتعلق بكيفية تطور الوضع حول إيران وفي الشرق الأوسط". 

وبحسب صحيفة "تلغراف"، سعت إيران خلال زيارة عراقجي إلى تسريع تسليم منظومة الدفاع الجوي "أس-400" التي طال انتظارها، وهو طلب أصبح ملحاً بصورة خاصة بعدما كشفت الضربات الأميركية عن نقاط ضعف منظومة الدفاع الجوي الإيرانية وتسببت في أضرار جسيمة لبنيتها التحتية.

 

 

وقالت إن إيران تنظر إلى روسيا على أنها منصة آمنة لمناقشة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهذا واحد من أسباب عدة دفعت عراقجي إلى لقاء بوتين في سانت بطرسبورغ، في أهم زيارة منذ بدء وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.

وذكرت الصحيفة أن "روسيا توفر لطهران مساحة آمنة لمناقشة التنازلات المحتملة لإنهاء الحرب من دون خوف من تسريب المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي" لأن بوتين يقدم قناة مغلقة لمناقشة التنازلات المحتملة التي قد تتسبب في فضيحة سياسية إذا كُشف عنها قبل تقديمها على أنها حلول وسط متبادلة.

وتشمل هذه التنازلات مستويات تخصيب اليورانيوم وأنظمة التفتيش وإعادة فتح مضيق هرمز، ما من شأنه أن يثير رد فعل عنيفاً فورياً من المتشددين لو جرى الإعلان عنه من قبل عراقجي.

ورأت "تلغراف" أن وزير الخارجية الإيراني كان حريصاً على العودة لطهران بأكثر من مجرد مجاملات دبلوماسية يتقنها بوتين، لأن المحادثات في سانت بطرسبورغ كانت أحد أهم الاجتماعات للقادة الإيرانيين مع عواصم القرار منذ إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري.

وأوضحت الصحيفة أن "طهران لا تسعى إلى الحصول على معدات عسكرية وحسب، بل إلى دعم استشاري أيضاً. كما أنها تطلب منتدى آمناً ومغلقاً لمناقشة التنازلات المحتملة من دون خطر التسريب، لذلك تتجاوز إيران الوسطاء، وتوصل الرسائل مباشرة إلى زعيم يتمتع بنفوذ في كل من طهران وواشنطن".

وبحسب عالم السياسة الإيراني رحمن قهرمانبور، فإن عراقجي يعمل على صياغة "مجموعة واسعة من المقترحات والشروط والخطوط الحمراء" لجولة جديدة من المحادثات.

وأشار إلى أن "عراقجي ينقل المقترحات العامة والشروط والخطوط الحمراء الإيرانية لجولة جديدة من المفاوضات، ويبدو أن المؤسسة الإيرانية تسعى هذه المرة إلى التعبير عنها بصيغة موحدة وتوافقية".

وأضاف أن إيران تربط المفاوضات برفع الحصار البحري، وربما بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. ومن وجهة نظره، كانت رحلة عراقجي تهدف في الوقت نفسه إلى إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وتأمين دعم دول المنطقة، أو كما قال "إيصال موقف طهران إليهم".

وأوضح أن بوتين بإمكانه من موقعه الدولي أن يعبّر لترمب عن أفكار ستكون غير مقبولة أو خطرة إذا طرحتها طهران نفسها بصورة مباشرة.

التنسيق الإيراني مع روسيا

سفير إيران لدى روسيا كاظم جلالي أكد أن بلاده تنسق تحركاتها الدبلوماسية مع روسيا، وقال "إذا كانت هناك أية مبادرات، فسيجري الجانبان مشاورات ومحادثات في شأنها، وكذلك في شأن المبادرات المشتركة"، موضحاً أن وزيري الخارجية أجريا منذ بداية الحرب 11 محادثة هاتفية.

ويرى خبراء روس أن اعتراف بوتين بالقيادة العليا لمجتبى خامنئي له تداعيات على الصراع السياسي الداخلي ضمن السلطة في طهران، مؤكدين أن إيران تحتاج أيضاً إلى نصيحة بوتين حول كيفية التعامل مع ترمب، لأن روسيا تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع أسلوب الرئيس الأميركي التفاوضي ودوافعه البراغماتية وقيوده السياسية الداخلية. وبإمكان بوتين أن يوضح ما هي التنازلات التي من المحتمل أن أن ترضي رغبة ترمب في تحقيق "نصر" دبلوماسي من دون إثارة رد فعل سلبي في واشنطن.

آراء الخبراء الروس

بحسب الأستاذ المشارك في الجامعة المالية الروسية والمحلل الرئيس في مركز المعلومات السياسية إيفان بياتيبراتوف، يمكن اعتبار رسالة إيران محاولة لاستعادة الحوار مع الولايات المتحدة بوساطة روسيا، لكن جدواها السياسية موضع شك لأن مثل هذا التطور لا يعني تحقيق الأهداف الرئيسة لواشنطن.

وأضاف "من غير المرجح أن يغتنم ترمب هذه الفرصة. مع ذلك، يفتح اقتراح إيران الباب أمام الحوار الذي غاب فعلياً لفترة طويلة. لا أتوقع حل النزاع هذا الأسبوع، لكن عموماً، يتحدث الطرفان عن ضرورة المفاوضات، وهذا تطور إيجابي".

في سياق متصل، يقول نائب مدير "مركز الظرف السياسي" ومؤلف مشروع "العالم غير السياسي" ميخائيل كارياجين "لا يزال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران محور الاهتمام، وقد وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود جديد. فبدلاً من الاجتماع الأميركي- الإيراني الجديد الذي كان مقرراً عقده في الـ27 من أبريل الجاري في إسلام آباد، شهدنا اجتماعاً بين فلاديمير بوتين وعباس عراقجي في سانت بطرسبورغ. ومن غير المرجح أن يكون الجزء العلني من الاجتماع غنياً بالتفاصيل، لكن صيغته بحد ذاتها تحمل دلالات كثيرة، فروسيا تقوم بدور مهم في المنطقة".

ويرى أندريه كليموف، عضو مجلس السياسة الخارجية والدفاعية في الاتحاد الروسي والحاصل على دكتوراه في الاقتصاد، خلال مقابلة مع صحيفة "بارلامينتسكايا غازيتا" أنه لم يكُن لواشنطن، ولا يزال، موقف مستقر في هذه المفاوضات.

وقال "في رأيي، أراد ترمب أن يظهر للعالم أحدث عبقريات دهائه في باكستان، ليبرهن على مدى ’قدرته المطلقة‘. لكن مع إيران، لم تسِر الأمور كما خطط لها. في رأيي، الشيء الوحيد الذي يجنيه ترمب وحاشيته من الحرب مع إيران هو مكاسب من التلاعب بالأسواق المالية".

ويتفق معظم الخبراء الروس على أنه في خضم ارتفاع الأسعار نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، جنى المقربون من ترمب نحو 10 مليارات دولار من هذه الظروف المشبوهة.

ويشيرون إلى أن هذا المبلغ لا يمثل إيرادات للموازنة الأميركية، بل هو إثراء لمن يملكون معلومات داخلية. ولا يستبعدون أن يكون الفاعل شخصاً مقرباً جداً من ترمب، فمن الواضح أن الحصول على مثل هذه المعلومات ليس أمراً سهلاً.

ويقول الخبير السياسي ألكسندر دميتريف "موسكو لا يمكنها بعد زيارة عراقجي أن تحل كل القضايا المهمة لواشنطن وطهران، فالأمور لا تتعلق بترمب نفسه بقدر ما تتعلق بحاشيته. ويشمل ذلك موقف ممثلي الحزب الجمهوري، وبصورة عامة، الأشخاص الذين أوصلوه إلى السلطة في أميركا. بالنسبة إليهم، الوضع داخل الولايات المتحدة بصراحة كارثي، فهم يفقدون فعلياً فرصهم في الحفاظ على غالبيتهم في مجلسي الكونغرس، ويعانون خلافات داخلية حادة، لذلك لا غنى لهم عن وساطة روسيا حتى ولو تمنعوا في بادئ الأمر".

ويضيف أن "كثراً من أعضاء هذا الفريق شقوا مساراتهم السياسية حاملين شعارات التسامح ورفض أية تهديدات أو حروب جديدة أو تجارب جيوسياسية قد تشكل خطراً على الولايات المتحدة. لقد أرادوا جعل بلادهم قوية ومزدهرة، لا من خلال الحيل النيوليبرالية أو المغامرات الخارجية... لكننا نرى اليوم أن عودة ’أميركا العظيمة‘ ليست في الأفق". 

ويختم قائلاً "هناك شعور بخيبة الأمل تجاه ترمب الذي فقد جاذبيته السياسية، في رأيي، منذ عام 2025. يبدو لي موقف البيت الأبيض من الشرق الأوسط خلال عهد ترمب كالتالي، إحداث فوضى، ثم إن كانت جيدة، نستفيد منها، وإن لم تكُن كذلك، نسلمها لغيرنا. وبصراحة، لم يترتب على ذلك أي شيء".

من جهة ثانية، يرى الخبير الدستوري سيرغي رومانوف أنه "من المهم اليوم، بالطبع، أن يتضمن التفاوض مع إيران بنداً يُبرئ ترمب شخصياً وبقية فريقه، في الأقل في نظر الناخبين الأميركيين. أعتقد بأن البيت الأبيض يعمل بجد على هذا الأمر، فهم بحاجة للتوصل إلى اتفاق يرضي الإيرانيين، ويمكن لواشنطن أن تقدمه على أنه انتصار، وزيارة عراقجي تندرج في هذا الإطار، وروسيا تفهم المأزق الأميركي وتحاول الاستفادة منه بتقديم سلّم لترمب للنزول عن الشجرة ولإحياء نفوذها كوسيط دولي".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات