ملخص
توحي المعطيات بأن جلسة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد لن تكون نقاشاً عادياً بل اختباراً قد يحدد اتجاه المنطقة لأعوام، فيما تبدو الاحتمالات محدودة ومحفوفة بالأخطار.
تتجه أنظار العالم اليوم نحو إسلام آباد لأن ما سيجري هناك يبدو أبعد من جولة مفاوضات تسير على المسار الدبلوماسي المعتاد، بل يظهر المشهد أقرب إلى اختبار قاس للحسابات الإستراتيجية، إذ تتداخل المصالح الجيوسياسية مع تهديدات عسكرية صريحة، ويُلاحظ هنا حجم التناقضات والتباين بين الرواية الأميركية التي تتحدث عن وفد رفيع يقوده ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وبين النفي الإيراني المتكرر لوجود نية حل يلوح في الأفق، أو حل متوقع أو حتى اتفاق على جدول محادثات.
يسبق هذا النوع من الإنكار الدبلوماسي في العادة تسويات كبيرة وربما تصعيد يبدل ملامح المنطقة، ففي الخلفية عقدة معقدة هي مضيق هرمز، واقتصاد إيراني مثقل بحصار بحري غير مسبوق، وطاولة محادثات في باكستان تحاول واشنطن عبرها الدفع بترتيب أمني جديد للمنطقة تحت ضغط مباشر، وهنا نخلص إلى أن التصريحات الإيرانية التي وصفت الأخبار الأميركية بأنها لعبة إعلامية، تبدو جزءاً من تكتيك تفاوضي يدار تحت الضغط.
تعرف طهران أن مجرد الجلوس إلى الطاولة بينما يخنق الحصار البحري شريانها المالي قد يُعرض داخلياً، وسط تنافس الأجنحة وأزمة الداخل، بوصفه تنازلاً قاسياً، ولذلك تخفض سقف التوقعات علناً مع ترك قنوات خلفية مفتوحة كخط رجعة عبر وسيط باكستاني يُنظر إليه كصندوق بريد موثوق بين الطرفين، وفي الوقت نفسه تحمل الشكوى من "مطالب أميركية مفرطة وغير معقولة"، وفي إشارة من إيران إلى أن إدارة ترمب لا تكتفي بالحديث عن عودة مدروسة لاتفاق نووي، بل تمارس ضغطاً كبيراً لتفكيك قدراتها الإستراتيجية، فإن ما تراه طهران تغييراً متكرراً للمواقف هدفه انتزاع أوراق القوة قبل بدء تفاوض فعلي.
في واشنطن أيضاً تظهر إدارة ترمب بثقة تميل إلى الاستعراضية، فالإعلان عن تحرك وفد رفيع مع التلميح إلى احتمال حضور ترمب شخصياً إلى باكستان لتوقيع اتفاق تاريخي يضع القيادة الإيرانية في موقف حرج يخفض خياراتها في الرفض، وهنا قد لا تبدو واشنطن وكأنها تفاوض بالمعنى التقليدي بقدر ما تدفع طهران إلى خياري القبول بـ "اتفاق باكستان"، وفق شروط مرتبطة بالمصالح الأميركية والإقليمية، أو مواجهة حملة تدمير واسعة تطاول بنى تحتية حيوية.
من خلال قراءة المشهد الحالي يتضح أن التهديد لم يعد همساً في الغرف المغلقة بل صار جزءاً من خطاب علني يتبنّاه ترمب نفسه حين يتحدث عن ضرب "كل محطة طاقة وكل جسر" في إيران، مؤكداً أن "زمن اللطف قد انتهى".
وبتقصي ما وراء خطاب ترمب الأخير عبر منصته "تروث سوشال"، يظهر بوضوح سعيه إلى تقليل قيمة إحدى أقوى أوراق إيران تاريخياً وهي مضيق هرمز، حين يقول إن "حصارنا أغلقه بالفعل"، فهو يلمّح إلى أن التلويح الإيراني بإغلاق الممر الملاحي لم يعد، أقله في الخطاب الأميركي، ورقة ضغط حاسمة بل قد ينقلب على صاحبه، وبهذه الطريقة يحاول إقناع العالم وبخاصة القوى الآسيوية بأن واشنطن حوّلت سلاح المضيق من أداة ابتزاز محتملة إلى عبء مالي وأمني على طهران وحدها، مع خسائر يقدّرها بـ 500 مليون دولار يومياً.
وفي السياق نفسه فإن اتهامه "الحرس الثوري" بإطلاق النار على سفن فرنسية وبريطانية ليس مجرد وصف إعلامي عابر، بل خطوة لإعداد أرضية شرعية دولية لأي عمل عسكري مقبل، عبر تصوير إيران كتهديد لأمن الملاحة العالمية لا للمصالح الأميركية فقط، ومن جهته يسعى "الحرس الثوري" عبر ما يوصف بـ "الطلقات التحذيرية" إلى التأكيد أنه لا يزال لاعباً ميدانياً حاسماً، وأن أي اتفاق في باكستان لن يمر من دون حسابات المؤسسة العسكرية في طهران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن أكثر ما يثير القلق ويستفز الفضول السياسي في الوقت ذاته هو الحديث المسرّب عن "نقل اليورانيوم الإيراني إلى باكستان"، بحسب تقرير "الجزيرة نت" في الـ 17 من أبريل (نيسان) الجاري، وإذا كان ذلك مطروحاً بالفعل في كواليس الضغط والتفاوض، أو يُستخدم في الأقل كفكرة لاختبار ردود الفعل، فنحن أمام نسخة معدلة من "نموذج ليبيا" ولكن بترتيب باكستاني يراعي تعقيدات الجغرافيا السياسية، فنقل اليورانيوم المخصب يعني عملياً إخراج العنصر الأهم في البرنامج الإيراني ووضعه لدى جار نووي تربطه علاقات وثيقة بواشنطن وبعض القوى الإقليمية، وعلى رغم صعوبة تسويق هذا الخيار داخلياً في إيران فإنه قد يُقدم كحل يسمح لترمب بإعلان انتصار واضح عبر تعطيل مسار القنبلة من دون إطلاق رصاصة، في مقابل تخفيف الخناق البحري ومنح الاقتصاد المنهك فرصة لالتقاط أنفاسه، وعندها تلعب باكستان دور الضامن الآمن الذي يثق به الطرفان نسبياً، ومع ذلك يبقى السؤال: هل يمكن للقيادة الإيرانية، ولا سيما الجناح المتشدد، قبول خسارة ورقة التخصيب في مقابل وعود برفع حصار قد يعود في أية لحظة مع تغيّر المزاج السياسي في واشنطن؟ ووسط هذه الصورة يبرز دور القيادات العسكرية بوصفها أطرافاً تتقدم أحياناً على الدبلوماسيين، فالاتصال بين ترمب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير بعد عودة الأخير من زيارة لافتة إلى طهران يقدم مؤشراً على الجهة التي تمسك بخيوط اللعبة السياسية، وكذلك فإن إرسال شخصيات مثل ويتكوف وكوشنر إلى إسلام آباد يشير إلى أن المطروح ليس معاهدة سياسية تقليدية بل صفقة ذات بعد أمني واقتصادي، تستهدف إغلاق ملفات ممتدة منذ أعوام في مقابل إدماج مشروط لإيران.
المعطيات توحي بأن جلسة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد لن تكون نقاشاً عادياً بل اختباراً قد يحدد اتجاه المنطقة لأعوام، وبينما تبدو الاحتمالات محدودة ومحفوفة بالأخطار فقد يخرج "اتفاق الضرورة" إلى العلن لتقبل طهران، تحت ضغط التهديد بتدمير البنية التحتية وتداعيات الاقتصاد، بنقل اليورانيوم إلى باكستان في مقابل رفع جزئي للحصار وتمديد وقف إطلاق النار، بما يفتح الباب أمام حضور ترمب لتقديم الاتفاق كإنجاز تاريخي، وقد تختار إيران الدخول في مفاوضات هدفها كسب الوقت دون نية للتوقيع، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى تحويل التهديدات العلنية إلى عمل عسكري يبدأ باستهداف الجسور ومحطات الطاقة خلال أيام.
وهناك احتمال ثالث أكثر تشاؤماً وهو تصعيد بحري متعمد في المضيق لإفشال مسار إسلام آباد إذا رأى "الحرس الثوري" أن الاتفاق لا يعدو أن يكون صك استسلام، وفي ما بين هذه السيناريوهات يظل احتمال أقل درامية قائماً، وهو تسوية مرحلية محدودة تؤجل الملفات الأثقل من دون أن تعلن انتصاراً كاملاً لأي طرف، إذ إن الصمت الذي يحيط بتفاصيل لقاء باكستان ستكشفه الأيام المقبلة، إما بتسوية تُفرض بمزيج من الضغط والصفقات، أو عبر مواجهة مفتوحة قد تطيح بما بقي من ملفات في هذا الصراع الشائك.