Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران وإسرائيل: الحاجة إلى كبح مزدوج

طهران غير قادرة على التصرف كدولة طبيعية والهدنة استراحة نحو صدامات جديدة

صورة الانتصارات العسكرية الحاسمة تتضاءل أمام ضرورة البحث عن حلول سياسية يمكنها الصمود والاستمرار (أ ف ب)

ملخص

فجأة، وربما بسبب هذه التصريحات المُحرجة، أعادت إيران الأمور إلى ما يشبه نقطة الصفر. توالت بيانات مسؤوليها ومجالسها الأمنية والعسكرية عن مطالب ترمب "المفرطة" قبل أن تعلن عن إعادة إقفال المضيق الذي اكتشفت، ومعها أميركا والعالم، أنه سلاحها الأقوى في الابتزاز والتفاوض.

عندما عادت إيران إلى الإعلان عن إغلاق مضيق هرمز السبت الماضي، كان المضيق ومعه موانئ إيران جميعها لا تزال تحت الحصار البحري الأميركي. لذلك لم يكن للقرار الإيراني أي معنى فعلي غير الحرص على البقاء في صورة الطرف القوي القادر على اتخاذ القرارات الحاسمة، التي ستؤخذ في عين الاعتبار مع اقتراب مهلة وقف النار من نهايتها في الـ21 من الشهر الجاري، وما رافقه من حديث الوسطاء الباكستانيين المكثف عن احتمال تحقيق تفاهمات حاسمة.

سبقت القرار الإيراني سلسلة مواقف أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أوحت بأن اتفاقاً بات في متناول اليد، وأن القيادة الإيرانية هي في طريقها إلى ما يشبه استسلاماً كاملاً لم يكفّ ترمب عن الحديث عنه. وفي جملة ما قاله ترمب إن إيران "وافقت على وقف دعم ‘حزب الله‘ وحركة ‘حماس‘". كان هذا التصريح الأكثر وضوحاً لناحية مصير علاقة إيران بأذرعها، لكن إيران أو "حزب الله" أو "حماس" لم يعلقوا على هذا الإعلان الذي جاء في سياق قول الرئيس الأميركي لـ"سي بي أس" إن "إيران وافقت على كل شيء وستعمل مع الولايات المتحدة على إزالة اليورانيوم المخصب... وسننزل نحن وهم لنقل اليورانيوم المخصب، ثم سنأخذه ونحصل عليه معاً لأنه بحلول ذلك الوقت سيكون لدينا اتفاق، ولا حاجة للقتال عندما يكون هناك اتفاق".

في تصريحات أخرى متزامنة أشار ترمب إلى أن "المفاوضات تسير بسرعة، وأن معظم النقاط الأساسية جرى التفاهم عليها بالفعل، وأنه لم تعد هناك أي نقاط عالقة". ثم لدى وصوله إلى مضيق هرمز والحصار البحري الذي تفرضه بلاده على إيران، قال إن "الحصار سيبقى مفروضاً بصورة كاملة إلى حين الانتهاء من جميع التفاهمات بنسبة 100 في المئة". وهذا ما أمِل في تحقيقه "خلال يوم أو يومين"، إذ إن حكومته وإيران يقتربان من "اتفاق من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب"، على رغم بقاء بعض الفجوات بين الجانبين.

فجأة، وربما بسبب هذه التصريحات المُحرجة، أعادت إيران الأمور إلى ما يشبه نقطة الصفر. توالت بيانات مسؤوليها ومجالسها الأمنية والعسكرية عن مطالب ترمب "المفرطة" قبل أن تعلن عن إعادة إقفال المضيق الذي اكتشفت، ومعها أميركا والعالم، أنه سلاحها الأقوى في الابتزاز والتفاوض. ومع استمرار الغموض في الكثير من التفاصيل المجهولة، فإن المفاوض الإيراني أوحى أن المفاوضات فشلت، وأن الوسيط الباكستاني بشخص قائد الجيش عاصم منير الذي انتقل من طهران إلى واشنطن، لم يحقق أي نجاح في اتصالاته.

وليس الأسلوب الإيراني في التخفي وتأجيل إعلان الحقائق بجديد، فهذه طريقة مألوفة تنتهجها القيادة في طهران، وهي اتبعتها لدى انطلاق جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد، حيث استنفد خط سير وفد التفاوض ومحطاته وتوقيت وصوله ساعات من التكهنات، فيما كانت طلائعه قد حطت في العاصمة الباكستانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في خطوتها إعادة إغلاق مضيق هرمز الذي بقي سلاحها الأقوى حتى فرض أميركا الحصار الشامل على سواحلها، أثارت إيران ضجةً غير ذات شأن، فهي كمن يقوم بإقفال باب غرفة داخلية في منزل شاسع سُدَّت جميع منافذه بإحكام. ولذلك فلا جدوى كبيرة من هذه الخطوة غير المساس بشروط الهدنة التي شارفت على نهايتها. كانت إيران جادلت في موضوع إعادة فتح المضيق بمقتضى اتفاق وقف إطلاق النار. وقدمت التأخير في الالتزام بتنفيذ هذا البند على أنه محاولة للضغط لإجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار في لبنان، لكن الولايات المتحدة الأميركية سارعت إلى فصل المسار الإيراني عن الواقع في لبنان، ففرضت حصاراً بحرياً على المضيق المخطوف من جهة،  ودعمت قرار السلطات اللبنانية السيادي في دعوتها إلى وقف الحرب وبدء مفاوضات ثنائية برعاية ترمب تقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان، بمعزل عن التوظيف الإيراني لحرب "حزب الله" خدمة لتحسين شروط إيران في التفاوض. أما الآن وبعد العودة إلى إقفال الممر المائي، فليس محسوماً ما سيكون عليه مصير الهدنة في لبنان وما سيتخللها ويليها، وهل ستتم إعادة ربط جبهة "حزب الله" مجدداً بإيران كأحد عناصر قوة الجانب الإيراني، مع ما يتطلبه ذلك من تفجير عسكري شامل على الجبهة اللبنانية؟

كل شيء سيكون مرتبطاً بمآلات المفاوضات الأميركية - الإيرانية وما ستسفر عنه في النهاية، خصوصاً بعد اكتشاف أميركا المتأخر لسلاح الحصار البحري، الذي يمكن أن يعفيها من حملة برية ويؤخر لجوءها مرة أخرى إلى لغة القصف الجوي.

هذه المرة تستعير واشنطن نظرية إيران في مسألة "الصبر الاستراتيجي". يستلهم الطرفان الكاتب الروسي ليو تولستوي في روايته "الحرب والسلام"، حيث يقول فيها إن "كل شيء يأتي في وقته لمن يعرف كيف ينتظر، ولا شيء أقوى من الصبر والوقت". لكل من الطرفين دوافعه للصبر والمماطلة. ترمب يبحث مع معاونيه الخطوات المقبلة، وطهران تكرر تصريحاتها وتطلق العنان لخطابات أنصارها في اليمن والعراق ولبنان وسط إحساس الجميع بفداحة الخسارة وثقل الهزيمة وأثمانها الكبرى. الطرفان، وهذا ما تقوله الوقائع، يحتاجان إلى تسوية لا يمكن الخروج إليها من دون تنازلات إيرانية أساسية، فيما لا تتحمل الإدارة الأميركية ترف صرف الوقت في انتظارها. بهذا المعنى جاء تبني ترمب لمشروع التفاوض اللبناني - الإسرائيلي بعد هدنة الأيام الـ10، ترجمة أولى لمطلبه في قصقصة أذرع إيران في الإقليم بدءاً من ذراعها الأبرز، لكن الوصول إلى تثبيت أسس جديدة للأمن الإقليمي سيحتاج إلى أكثر من ذلك، حيث لا يمكن ترك مشروع الحرب الإسرائيلية المتفلتة ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين من دون ردع، كذلك لا يمكن إغفال مسائل الأحزمة الأمنية التي يقيمها الجيش الإسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان بهدف توسيع الاحتلال.

وفي الخليج أيضاً ستتطلب التسوية بين أميركا وإيران ضمانات تشارك الدول الخليجية في تحديدها كي لا تتكرر الاعتداءات العشوائية الإيرانية ضد هذه الدول.

لكن إيران لا تبدو مستعدة للقبول بتغييرات تعيدها إلى حجمها كدولة طبيعية في الإقليم، تقيم علاقات احترام وحسن جوار مع محيطها في إطار القوانين والشرائع الدولية. وهي قد تميل إلى تقديم تنازلات ما لأميركا من دون أي اعتبار لمصالح شعبها والشعوب المجاورة، وتجربة شهر ونصف الشهر من الحرب لا تجعل خصومها يستعجلون اتفاقاً يمهد لحرب جديدة بعد حين. واستناداً إلى تطورات الأيام الأخيرة، ومع احتمالات اتفاق يهبط في اللحظة الأخيرة، أو استئناف لعمليات عسكرية سمحت الهدنة باستعداد الطرفين لخوضها، فإن صورة الانتصارات العسكرية الحاسمة تتضاءل أمام ضرورة البحث عن حلول سياسية يمكنها الصمود والاستمرار.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء