ملخص
منذ أن حصد الكاتب الجزائري سعيد خطيبي الشاب (1984) الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) للعام 2026، تتوالى الأسئلة لمن لم يقرأه بعد سواء من الجزائريين أو العرب، عن عالمه الروائي وعن القضايا التي يؤثر التركيز عليها في سرده، وعن كتابته الروائية التي قد تكشف بعضاً من مظاهرها في عمل مفرد وقد لا يكون دالاً على مجمل أعماله، بحكم أنه لا يزال في مستهل مساره التأليفي.
يبدو أن في رواية "أغالب مجرى النهر" (دار نوفل) ما يلفت قراء الرواية العربية الحديثة والمعاصرة، وما يوجب النظر في المعايير التي تؤخذ في الاعتبار لدى تقييم الأعمال الروائية العربية، عبر اللجان الفاحصة، للمعنيين بذلك فحسب.
تدور أحداث الرواية بعنوان "أغالب مجرى النهر" حول جريمة حصلت، وكان ضحيتها الطبيب الشرعي "مخلوف تومي" من قرية بو سعادة في إحدى مناطق الجزائر أوائل التسعينيات من القرن الـ20، أي في ما سمي بالعشرية السوداء. ويصار لاحقاً استجواب المتهمين المحتملين بارتكاب الجريمة، وبخاصة الأقربين، أي زوجته طبيبة العيون. وهي كانت تنتزع قرنيات الموتى حديثاً، لتزرعها في عيون من فقدوا النظر أو على وشك فقده.
ويشاركها زوجها الفقيد بأرباح بيع القرنيات الطازجة، ما دام القيم على مشرحة المستشفى العام، حيث يُؤتى بالموتى لإعداد تقارير الوفيات بمن قضى نحبه، وسبب موته. ويطاول الاستجواب أشخاصاً آخرين، مثل ميلود شقيق الطبيبة عقيلة باعتباره ممرضاً، وثامر المتبطل الآخر والقواد، ووالد عقيلة المحارب القديم في حرب التحرير عزوز، وغيرهم. ويتركز الاستجواب على عقيلة في آخر المطاف، بسبب أن لها دافعاً قوياً للتخلص من زوجها بالطريقة الأقل كلفة، التسميم.
الديستوبيا الأخلاقية
لم يهبط الكاتب الروائي سعيد خطيبي في تشكيل عالمه الروائي وشخصياته إلى القاع، كما فعل بيار باولو بازوليني في روايته "أولاد الحياة"، وإنما اختار أن ينطلق من لحظات الشخصيات المدينية والمتمكنة من حالها في الظاهر، والنزول بها إلى القيعان التي كانت عاملاً في تكوينها الخلقي والمادي والاجتماعي. فلو نظرنا، على سبيل المثال، إلى شخصية عزوز الخالدي وهو والد عقيلة، الشخصية الرئيسة في الرواية، لتبين لنا أنه سليل عائلة على شفا الجوع، وقد أهلك الطاعون والديه. فاضطر للانخراط في الجيش الفرنسي والمحاربة ضمن صفوفه، إلى جانب صديقه بودو - الذي صار موظفاً كبيراً لدى إحدى وسائل الإعلام المرئية في الجزائر - للبقاء على قيد الحياة.
وكذلك ابنته، الطبيبة عقيلة، التي وإن تحدت ظروفها ونجحت في متابعة دراساتها لتصير طبيبة عيون، فإنها ظلت رهينة تربيتها القامعة، بسبب أمها الشديدة القسوة عليها. وهذا ما انعكس على خضوعها لزوجها الطبيب الشرعي مخلوف تومي، حتى الإمحاء، ورتب نفوراً منه ورغبة في قتله. وفي المقابل، أورثتها هذه الحال جشعاً وحباً للمال، تحققه من نزع قرنيات الموتى من أجل زرعها في عيون مرضاها، من ذوي عاهات بصرية بالغة. ولهذا وغيره، استحقت أن تصير موضع الاتهام الأول في مقتل زوجها، تسميماً.
وفي السياق نفسه، يتبدى أخو عقيلة المدعو ميلود بطالاً شقياً، انتهى به الأمر ليصير ممرضاً يعين أخته عقيلة على ترتيب مواعيد المرضى والعناية بمن سبق علاجهم في عيادتها. ولئن بقي ميلود عازباً، إلى حينه، فإنه لم يتوان عن معاشرة بنات الهوى في بيت الست ياقوت عشيقة والده عزوز الخالدي، قبل انخراطه في سلك الجندية. وحدث أن حبلت منه إحدى النازلات في ذلك البيت. والأغرب أن ذلك العازب (ميلود) العتيق، لم يفته أن يعاشر ابنة فتاة الهوى القديمة نفسها!
ذكورية وطابع محلي
ولكن، هل ينجو القتيل مخلوف من دعاوى التبخيس اللاحقة بشخوص الرواية، سواء عبر الاستجواب - وهو القالب الذي يستغرق نصف الفصول الـ16 - أو عبر الحوار الداخلي، بين الشخصية وذاتها؟ بالطبع لا ينجو. فهو، وإن ظهر للناس محباً وخادماً بعض الجمعيات الإنسانية وبعض الفتيان في الحي، فإنه قاسي الطباع مع زوجته، تقليدي حتى العظم، وذكوري في تعاطيه مع امرأته، آلة الإنجاب. وأفصح مرة عن رغبته الشديدة بولد ذكر وأبدى انزعاجه، بل عبر لها عن بالغ حزنه من إنجابها بنتاً، بخلاف ما كان يرجو. هذا عدا عن شراكته مع زوجته في نيل ثلاثة أرباع المبالغ التي كانا يجنيانها من بيع قرنيات الموتى لمرضى العيون الأحياء. وهو ما يعد أحد مظاهر الفساد المستشري في البلاد.
أما الطابع المحلي الذي سعى الكاتب لتظهيره في الرواية، فلا يعدو كونه استحضاراً لغالب المظاهر والمشكلات التي كانت تعصف بالواقع الجزائري، خلال التسعينيات، إطار الرواية الزمني الواقعي. وعنيت بها صعود التشدد الديني، قبيل اندلاع الصراع الدامي في العشرية السوداء، ويتمثل في الإشارات المتتالية بمتن الرواية إلى تبرم الشخصيات الأنثوية من دعوات الدعاة الإسلاميين إلى مزيد من الحشمة وعدم السفور، ناهيك بهجومهم على بيت بنات الهوى في بلدة بو سعادة، وإصابتهم عدداً من البنات بجراح بعد تعريتهن، وتهديدهن بالموت في حال مزاولتهن.
وتزامناً مع ذلك، تشير إحدى الشخصيات إلى ظهور مرض غامض في الغرب يدعى السيدا، وقد بلغ خبره بلدة بو سعادة من ضواحي مدينة الجزائر. فضلاً عن عدد من الأمثال والحكم المتداولة، في حينه، عن الزواج، والإنجاب والأطباء والألفة، وغيرها. ولعل الريبة التي يبديها كل شخص، في الرواية بالآخر، يشحذها الصراع بين جيل التحرير والاستقلال الطامح إلى بناء المؤسسات وتطهيرها من ظواهر الفساد. وكذلك جيل الاستعمار الفرنسي الذي كان باسطاً سلطانه على جموع من الفقراء، المعدمين. إنه المناخ العام السائد في ما بين الشخصيات، ويعكس إلى حد ما الأجواء الغالبة داخل البلاد، في حينه.
أصوات ووجهات نظر
على أن اللافت المهم في رواية سعيد خطيبي هو تعدد الأصوات الساردة، أو تلك التي تتولى رواية الأحداث المتصلة بالجريمة الحاصلة (عنيت مقتل الطبيب الشرعي مخلوف تومي)، وأهم تلك الأصوات زوجته عقيلة الخالدي. وتجسد ذلك في صيغة استجواب، أجراه معها المحقق جمال درقين، وتناول كل من له صلة بالمغدور وبسائر الأقرباء ممن يمكن أن يشتبه بارتكابه جرم قتله مسموماً، سواء بدافع عاطفي أو مصلحي. بل يمكن القول إن الفصول الـ16 التي أفردت لاستجواب الطبيبة عقيلة ولتعبيراتها الحرة، كان يمكن أن تشكل مرافعة كاملة عن براءتها، وسردية تامة لمظلوميتها التي ينبغي للمحقق -ومعه القراء- أن يأخذوهما بعين الاعتبار.
وفي هذا الشأن، أي تعدد وجهات النظر، ننوه بتمكن الكاتب من ربط خيوط المصائر بعضها بعضاً، على رغم بطء الإيقاع السردي أحياناً، إضافة إلى حمله القراء على التنبه للفوارق الكثيرة بين وجهات نظر الشخصيات. فعلى سبيل المثل، تفترق عقيلة عن أبيها عزوز في النظر إلى زوجها، فهي تراه فاقد الأهلية الزوجية، إلى كونه شديد القسوة عليها وكأنها "شغالة" لديه، وتاليا يستحق الموت. في حين أن عزوز كان يراه مثال الرجل العربي المؤمن ذي الأصول، ولكنه عديم الوفاء لمن ناضل في صفوف جبهة التحرير خدمة لاستقلال البلاد، ويقصد نفسه. كذلك، تفترق سردية ميلود، الهارب من حياته الهامشية إلى بنات الهوى، لدى الست ياقوت التي تتحمل وحدها وزر إحدى بناتها الشابات (تدعى ريمة)، وهي وليدة إحدى بنات الهوى التي سبق أن غرر بها ميلود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واللافت أنه حبلها لـ18 سنة خلت، لتخليصها من الجنين الذي ينسب إلى ميلود نفسه! فكيف إذا جاهرت ياقوت عزوزاً بالأمر، فذكرته بما كان فعل بها، لزمن بعيد خلا. فهي حبلت وولدت فتى، وأودعته عائلة، ثم رحل والدها وتبعته الأم، تاركة ابناً ضامر القوى، معوقاً، فكان اسمه ثامر.
مظلومية عتيقة
يسلط الكاتب الضوء على مظلومية فئة من الشعب الجزائري، على حد وصفه، ممثلة بشخصية عزوز، المولود عام 1915، والمتهم زوراً بالعمالة للأجنبي لمجرد أنه خدم في الجيش الفرنسي لتفادي الموت جوعاً، على ذمة الراوي عزوز، وبتوكيل من الروائي. وهذا على الهامش من المظلوميات، وحبك المصائر الكثيرة التشعيب، والإشارة الواضحة إلى التطرف السائد خلال التسعينيات، قبيل اندلاع الصراع المسلح على السلطة بين الجيش الجزائري والجماعات المتطرفة.
ولن يكون مجرداً من الدلالة، سعي عزوز الحثيث إلى التواصل مع صديقه القديم، بودو، الذي صار موظفاً كبيراً في وسيلة إعلامية، من أجل إيصال رسالته إلى عموم الشعب الجزائري. وهدفه أن يبين فيها براءته من العمالة، بدليل صدق نضاله العسكري في صفوف جبهة التحرير، وإعداده المتفجرات بالشراكة مع زوجته "قمرة". لكن أحداث الرواية تشاء أن يقتل بودو في حادثة سيارة مشؤومة، ويتبدد طموح ابنته "عقيلة" في مساعدة الموظف نفسه لبناء كلية طب للعيون.
الأدب البوليسي وقلة الأحداث
غير أن رواية تنتمي إلى الأدب البوليسي بعامة، هل يعقل أن يكون السرد فيها مقتصراً على وقائع تتصل بسيرة كل من شخصيات الرواية، فحسب؟ وللتوضيح نقول إن أميز ما يقوم عليه الأدب البوليسي، في ما نعرف من نماذجه، لدى كل من أغاثا كريستي وأرتور كونان دويل، أو موريس لوبلان أو جورج سيمنون أو غيرهم، هو قوة الحركة السردية وتلاحق الأحداث المشوقة للقراء والمؤدية إلى اكتشاف القاتل. أما استجواب المشتبه، أو المشتبه فيهم، فلا يكاد يعوض جهود المحقق - وفي رواية خطيبي محققان - في تتبع آثار الجريمة، أياً تكن دقتها وهامشيتها. هذا ، على ما نتبينه لدى هيرفي بوارو أو لدى أرسين لوبان أو غيرهما. وبناء على هذه الملحوظة، كاد يغلب الحوار الذي يعتريه بعض من الحرارة والتوتر على السرد المفترض أن يكون المحققان بطليه، لا المستجوبان الرئيسان العارضان مظلوميتهما على النحو الذي ذكرناه.
وأياً يكن، فرواية سعيد خطيبي الخامسة هذه "أغالب مجرى النهر"، تسعى إلى مغالبة مجرى الزمن باستحضار حقبة زمنية، من تاريخ الجزائر شديدة العصف والإيلام لفئات المهمشين، والمستبعدين من خيرات السلطة. إلى كونها سجلاً حافلاً بأنماط التفكير السائدة لدى طبقات مجتمع الجزائر الدنيا.