ملخص
حوّل الغزيون "نتساريم" لمتنفس، إلا أن الممر يظل منطقة مشوبة بالحذر الأمني والتقلبات الميدانية، فهو يقع في منطقة تماس مباشرة، وأي تحرك غير اعتيادي أو تجمع كبير قد تفهمه إسرائيل بصورة خاطئة أمنياً.
وسط طريق عريض عبّدته جنازير الدبابات والجرافات الإسرائيلية، يمتد محور "نتساريم" العسكري كخط مستقيم يقطع خضرة الأرض التي أصبحت باهتة بفعل القذائف التي سقطت على المنطقة أثناء الحرب على غزة، تقف مجموعة من الشباب أمام دراجاتهم النارية يستعدون لبدء عرض رياضي.
قبل أشهر قليلة كان طريق محور "نتساريم" منطقة قتل لا يجرؤ طائر على التحليق فوقها، لكنه يغص الآن بضجيج محركات الدراجات النارية التي تشق الصمت الذي فرضه الموت طويلاً. يقف إسماعيل في الشارع الذي فقد فيه والده قبل عام أثناء النزوح من شمال غزة نحو جنوب القطاع، بنظارته الشمسية وجرأته المعهودة، يرفع مقدمة دراجته النارية إلى الأعلى في حركة بهلوانية تقطع الأنفاس.
صخب الشباب
خلف دراجة إسماعيل النارية لا يرتفع غبار القذائف، بل غبار تثيره محركات دراجات الشباب، الذين قرروا أن يحولوا "ممر نتساريم" من سكين يقطع أوصال جغرافيا القطاع إلى ساحة تعج بالحياة، يقول "هذه البقعة كانت حتى وقت قريب تعرف بأنها عصب الموت حيث لا يجرؤ الظل على الاستقرار، اليوم عملنا على تحويلها من منطقة موت إلى مساحة لعب، هذا ليس مجرد حدث عابر، بل يحمل رسائل كثيرة".
يقود إسماعيل دراجته النارية بسرعة، يسابق أصدقاءه الذين جاؤوا ليقدموا عرضاً رائعاً يدخل السعادة إلى قلوب الغزيين الذين حضروا المكان لمشاهدة مضمار السباق بين هواة ركوب الدراجات. وبينما يصفق الجميع فرحاً، يرفع أحدهم دراجته النارية على عجلة واحدة، يتحدى الجاذبية والخوف معاً، وخلفه سحابة من الغبار تذكر بغبار القصف لكنها هذه المرة غبار حركة.
صياح الشباب وتشجيعهم يختلط بهدير المحركات، ليخلق سيمفونية من الفوضى المحببة التي تعلن أن المكان عاد لأصحابه، يضيف إسماعيل "لجأنا إلى هذا المكان بعدما دمرت إسرائيل الكورنيش أي شارع البحر، وسحقت الدبابات جميع مساحات التنزه والمناطق الخضراء، غزة أصبحت ضيقة جداً، الركام في كل مكان، والخيم أغلقت الشوارع، نتساريم هو المكان الوحيد الذي أستطيع فيه تبديل دراجتي بأقصى سرعة من دون أن أصطدم بحجر أو خيمة".
هرب من الواقع
المفارقة هنا جاءت صادمة، فالطريق الذي عبدته جنازير الدبابات والجرافات العسكرية الضخمة ليصبح ممراً أمنياً موحشاً، صار "أوتوستراداً" شعبياً، في الزاوية التي كان يقبع فيها قناص يراقب الحركة خلف عدسته الباردة، يقف الآن شاب يبيع القهوة على الحطب وتتصاعد من عنده رائحة الهيل لتطرد ما تبقى من رائحة البارود العالقة في مسام الأرض.
يتابع إسماعيل حديثه "هنا أرى الشمس وهي تغيب من دون أن يحجبها بيت مهدم، أشعر أنني أتنفس فعلاً". على جوانب ممر نتساريم تجلس عائلات على الحصى وأخرى على كراسي بلاستيكية مهترئة أحضروها معهم، ينظرون إلى الأفق حيث لا توجد جدران أو خيم تحجب الرؤية.
الصمت العسكري لم يعد سيد الموقف في ممر نتساريم، لقد انكسر تحت هدير محركات الدراجات النارية، وتلاشى أمام ضحكات الأطفال الذين جلبوا معهم دراجاتهم الهوائية الصغيرة، يتسابقون مع بعضهم وكأن عجلاتهم النحيفة تمحو بمرورها آثار المداسات الثقيلة، التي طبعت الخوف في هذه التربة لنحو 900 يوم من القتال العنيف ومنع الاقتراب من المحور.
الحياة أقوى من رماد الحرب
المشهد في محور نتساريم العسكري ليس مجرد خروج للتنزه، هو لوحة سريالية تمزج بين رماد الحرب وإرادة الحياة الصاخبة. يكبح تامر عجلات دراجته النارية ويقف ليقول "باتت منطقة النزوح والموت مساحة للترفيه، هذه ظاهرة سوسيولوجية ونفسية عميقة تستحق التحليل".
يلف دراجته النارية بسرعة ويسرح بين ذكرياته ليتوقف عندما كان ممر نتساريم يمثل عصب الفصل في قطاع غزة، وكيف جعلته إسرائيل، أثناء الحرب على القطاع، نقطة ارتكاز عسكرية حساسة جداً. يضيف "لأعوام طويلة، ارتبط اسم نتساريم بالقناصة والحواجز ومنع الحركة بين الشمال والجنوب، تحويل هذا المكان تحديداً إلى مضمار سباق هو نوع من استرداد الأرض معنوياً، عندما يلعب الشاب بدراجته في مكان كان يمنع عليه حتى النظر إليه، فهو يمارس نوعاً من المقاومة السلمية لإثبات أن المكان لنا".
يسرق تامر نظره يتفقد بصمات دراجته على الأرض، وكأن صغر عجلاتها يمحو هيبة الدبابة التي كانت هنا، يضيف "يفتقر قطاع غزة للمساحات الخضراء أو الميادين المفتوحة بسبب الاكتظاظ والدمار، مما يجعل أي طريق ممهد ومفتوح صيداً ثميناً للهواة، هذه مساحة للترفيه وتفريغ الضغوط، لأن ركوب الدراجات النارية بسرعة عالية في مكان مفتوح يمنح شعوراً موقتاً بالحرية والانعتاق من ضيق الحصار الجغرافي".
سوق صغيرة
صحيح أن الغزيين حوّلوا "نتساريم" لمتنفس، إلا أن الممر يظل منطقة مشوبة بالحذر الأمني والتقلبات الميدانية، فهو يقع في منطقة تماس مباشرة، وأي تحرك غير اعتيادي أو تجمع كبير قد تفهمه إسرائيل بصورة خاطئة أمنياً. يعرف تامر ذلك، ويستدرك "هذه هي المفارقة، الغزي يقايض الأمان بالترويح عن النفس، الوجود هنا مغامرة محسوبة، لكن الحاجة النفسية للهواء والاتساع تتفوق أحياناً على غريزة الخوف".
انتعاش حركة الدراجات الهوائية والنارية في محور "نتساريم" خلق سوقاً مصغرة عفوية، من باعة متجولين ومصوري "تيك توك"، الذين يوثقون هذه اللحظات لإيصال رسالة للعالم بأن غزة تبحث عن الحياة وسط الركام، وهو ما يعزز الرواية الإنسانية.
أثناء المرور في محور نتساريم، تشم رائحة القهوة المغلية على نار الحطب المنبعثة من بسطة صغيرة، وضعها شاب في زاوية الطريق، يبيع أكواباً كرتونية للنازحين والمارة. هذه الرائحة الممزوجة برائحة زيت المحركات تغلبت تماماً على رائحة البارود التي كانت تسكن المكان.
التنزه في "نتساريم"، أدى إلى ظهور اقتصاد الممر البسيط، إذ ابتكر الغزيون سبلاً للعيش، بدأت تظهر ملامح تجارة بسيطة هناك، باعة القهوة والشاي وباعة المسليات يعرضون الترمس والفستق ويتجولون في المكان، وأحياناً يأتي بائعو الوقود لتزويد الدراجات النارية.
يقول سراج "كنا نمر من هنا والقلوب في الحناجر، ننظر إلى التلال الرملية ونتوقع الرصاص في أي لحظة، اليوم أقف على الأرض ذاتها أرفع دراجتي على عجلة واحدة وأتحدى الخوف، المسار بالنسبة إليَّ ليس مجرد طريق، هو مساحة انتقام من الخوف، هنا أشعر أنني ملك الطريق، وأن القوة التي كانت تمنعنا قد رحلت، أو في الأقل، نحن من يفرض إيقاعه الآن".
نقطة ارتكاز أمنية
خلال الحرب، لم يكن ممر "نتساريم" مجرد طريق، بل تحول إلى أداة هندسية للجراحة الجغرافية لغزة، إذ كان يمثل الأداة الرئيسة لتقسيم القطاع إلى كتل معزولة شمالاً وجنوباً، هذا الفصل لم يكن مرورياً فقط، بل كان فصلاً حيوياً يمنع تواصل العائلات ويمنع تدفق الإمدادات، ويحول القطاع من وحدة جغرافية واحدة إلى جزيرتين معزولتين تماماً.
كان نتساريم أثناء الحرب نقطة ارتكاز أمنية فائقة التطور، حيث يتم التحكم في هوية كل من يمر خلال فترات النزوح أو الممرات الآمنة، وهو مزود بأحدث تقنيات الرصد من طائرات مسيرة وأجهزة الاستشعار، اكتسب الممر سمعة مخيفة كونه "منطقة إبادة لأي تحرك"، لقد كان خط تماس دائم وأي اقتراب منه يعني الاستهداف الفوري من القناصة، واستخدمه الجيش الإسرائيلي كقاعدة لوجيستية ومنصة انطلاق للعمليات العسكرية والتوغلات في الأحياء القريبة.
لهذا، فإن مشهد الشباب على دراجاتهم يحمل رمزية هائلة، يضيف سراج "حطمنا كل المعاني التي فرضت بقوة السلاح، وحولنا نتساريم إلى مجرد طريق مشاع للناس، أكثر ما يلفت النظر هو لون ملابس الناس المبهجة الملونة التي تتحرك بسرعة فوق لون الطريق الرمادي الكئيب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منذ توقف الحرب
بمجرد ما توقف القتال وانسحبت المعدات العسكرية منه، بدأ سكان غزة بالتوجه إلى منطقة ممر "نتساريم" بصورة ملحوظة وعفوية كمتنفس ومساحة للحركة، في البداية كان الذهاب إلى هناك يقتصر على المغامرين، إذ لا يزال المكان يحمل رهبة منطقة الموت والتحرك فيه كان يتسم بالحذر الشديد، ولكن مع استمرار الضغط السكاني الهائل في مراكز الإيواء وتدمير معظم المتنزهات والملاعب في غزة وشمالها، بدأ الشباب بالبحث عن أراضٍ مفتوحة واختاروه لأنه طريق ممهد جرفته إسرائيل ووسعته ليصبح ساحة شاسعة، مما أغرى أصحاب الدراجات النارية والهوائية.
في الفترة الأخيرة تحول الأمر من مجرد مرور إلى استقرار موقت للترويح، إذ أصبح الناس يذهبون إلى هناك بانتظام، لا سيما في أيام الجمعة أو ساعات المساء، يقول يحيى "بعد تدمير الكورنيش والحدائق العامة أصبح أي مكان واسع ومفتوح هو بديل اضطراري، الشباب الذين عاشوا تحت ضغط النزوح أشهراً طويلة وجدوا في السرعة والسباقات وسيلة لتفريغ الكبت النفسي، هذا إضافة إلى وجود رغبة شعبية غير معلنة في تطبيع الوجود الفلسطيني في المناطق التي حاولت إسرائيل جعلها مناطق عازلة أو محرمة".
في ممر نتساريم ينتشر تيك توكرز يحملون هواتفهم يبتسمون للكاميرا وخلفهم الأراضي المجرفة، يوثقون لحظة انتصار يومي بسيطة، يقول صانع المحتوى يوسف "أصور هنا لأن العالم يجب أن يرى المفارقة، خلفي آثار D9 الجرافة العسكرية وأنا أبتسم وأقوم بحركات استعراضية، نتساريم بالنسبة إليَّ هو الترند الأقوى لأنه يثبت للعالم أننا شعب لا يموت نفسياً، كل فيديو أصوره هنا هو وثيقة تقول نحن استعدنا المكان بطريقتنا"، ويضيف "هذه الحركة العفوية التي أقيمت فوق منطقة وصفت بالمقبرة العسكرية دليل على أن الغزي حين لا يجد مكاناً ليتنفس فإنه ينتزع هذا النفس من أكثر الأماكن ضيقاً وخطورة، ليحول ممر الفصل إلى ميدان وصل وحياة".
تفريغ انفعالي
في الحقيقة من الصعب جداً تسمية ما يحدث ترفيهاً بالمعنى التقليدي، بل هو تفريغ انفعالي حاد وصرخة نفسية، يقول الباحث في علم النفس الاجتماعي كمال قميلة "عاش سكان غزة أشهراً طويلة تحت مستويات هائلة من أدرينالين الخوف، عندما يبتعد الخطر المباشر يظل الجسم مشحوناً بهذه الطاقة، ولا يجد مكاناً لتفريغها، لكن ركوب الدراجة بسرعة وعمل حركات خطرة وسيلة لإعادة تدوير هذا الأدرينالين، بدلاً من أن يكون ناتجاً من الهرب من الموت يصبح ناتجاً من الإمساك بزمام المبادرة واللهو"، ويضيف "نفسياً، الجلوس أو اللعب في مكان كان مصدر رعب هو نوع من العلاج بالانتصار، فعندما يضحك الشاب في المكان الذي كان يرتجف فيه الناس، هو يقوم بعملية تطهير انفعالي لذاكرته، ما يفعله الغزيون في نتساريم هو تمرد نفسي أكثر منه ترفيهاً، هو محاولة لترميم الروح المحطمة من خلال ممارسة حق الحركة في أخطر بقعة كانت تمنع هذه الحركة".
ويوضح أنه في علم الاجتماع، المكان ليس مجرد مساحة جغرافية، فعندما يقرر المجتمع تحويل ممر عسكري إلى متنزه هو فعلياً يقوم بعملية تطهير معنوي للمكان، هذه الظاهرة هي أسمى صور التكيف، العقل البشري في غزة يرفض الاستسلام لحال الانتظار أو الحزن الدائم فيبتكر مخارج للحياة".
إسرائيل متوجسة
على جنبات نتساريم تفترش العائلات الأرض، لم يأتوا بحثاً عن الخضرة فهي غائبة بفعل التجريف بل جاؤوا بحثاً عن الاتساع في غزة، هنا لا يلعبون وحسب بل يمارسون تفريغاً انفعالياً لكل فترة الكبت، وكل صرخة فرح من طفل هي رسالة سوسيولوجية عميقة.
يمارس الغزيون الحياة العفوية في أكثر صورها صخباً، يقومون باستعراضات الدراجات النارية والهوائية وتجمعات عائلية، وتنشط صناعة المحتوى ويمارس كبار السن رياضة المشي والجري.
من الناحية الميدانية والسياسية تتعامل إسرائيل مع هذا الزحف المدني نحو ممر نتساريم بمزيج من التوجس الأمني ومحاولات فرض الردع، إذ تنظر إلى أي تجمع بشري في هذه المنطقة الحساسة كتهديد محتمل أو غطاء لعمليات استطلاعية، يقول متحدث الجيش أفيخاي أدرعي "الاقتراب من ممر نتساريم أو التجمهر في المناطق العسكرية يعرض حياتكم للخطر، الجيش سيتعامل بحزم مع أي محاولة لخرق النظام أو استخدام الدراجات النارية لأغراض استطلاعية".