Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نجت تونس بن علي من الأصولية وسقطت في فخ الفساد؟

وجه زين العابدين بن علي معظم موارد الدولة لمواجهة الإسلام السياسي لكن مظاهر الفساد والبيروقراطية انتشرت في البلاد على مستويات مختلفة

اتخذت تونس في التسعينيات إجراءات ضد التيارات الأصولية (اندبندنت عربية)

ملخص

تشير وثائق إلى تزايد مظاهر الفساد على مستويات مختلفة في تونس خلال فترة التسعينيات، إذ يمكن للتدخلات الشخصية أن تؤثر في الحصول على خدمات عامة أو حتى في مسار العدالة المحلية، لافتة إلى أن ظاهرة التردد الإداري آخذة في التنامي بين المسؤولين، الذين يفضلون تجنب اتخاذ قرارات قد تعرضهم للمساءلة أو العقاب في حال تبين لاحقاً أنها غير صائبة، في ظل غياب الحوافز لاتخاذ قرارات سليمة.

بينما كان السفير البريطاني في تونس مايكل أل تيت يلملم أوراقه في الثاني من أكتوبر (تشرين الثاني) 1995، استعداداً لمغادرة البلاد فإنه أعد تقريراً سرياً إلى مرجعيته في لندن، يقدم فيه عرضاً ختامياً لمهامه الدبلوماسية في تونس، متضمناً تقييماً شاملاً للأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية في البلاد خلال فترة عمله.

ويركز التقرير بصورة خاصة على قضايا الفساد وضعف الكفاءة الإدارية التي سادت في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، متناولاً ملاحظاته المستقاة من تجربته الدبلوماسية المباشرة، وتحليله مجريات الحكم والإدارة في تلك المرحلة.

تونس بين الاستقرار والتحديات

تشير الوثيقة إلى أن تونس لم تعد اليوم كما كانت قبل 2000 عام، وأن من يبحث فيها عن نفوذ أو قوة تضاهي ما كان قائماً في عصور قرطاج أو الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية سيصاب بخيبة أمل، ومع ذلك تؤكد الوثيقة أن تونس الحديثة، إلى جانب إرثها التاريخي، استطاعت أن تحقق قدراً ملحوظاً من الاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي المتواصل، والسيطرة الفعالة على النمو السكاني، وهو ما يعد إنجازاً مهماً في سياق العالم العربي المعاصر.

وتبين الوثيقة أن الأعوام الثلاثة الماضية، على رغم ما اتسمت به من تجربة إيجابية على الصعيد الشخصي، فلم تشهد تقدماً يذكر في مجالات ترسيخ الممارسات الديمقراطية، أو تحرير الاقتصاد التونسي، أو تعزيز المصالح التجارية البريطانية.

 

وتوضح الوثيقة أنه لا يمكن فهم المشهد التونسي من دون التوقف عند الهاجس الرئيس للقيادة الحالية، والمتمثل في ما تعتبره خطر "الأصولية الإسلامية"، وأشارت الوثيقة إلى أن الرئيس زين العابدين بن علي ووزراءه يرون في هذا التهديد الخطر الأكبر على استقرار البلاد وازدهارها، مما دفعهم إلى توجيه معظم موارد الدولة لمواجهته. وأكدت الوثيقة أن الحفاظ على الاستقرار يمثل أولوية قصوى، وهو ما يتجلى في الحضور الأمني المكثف، بما في ذلك أجهزة الأمن الداخلي، وهو أمر يلحظه حتى الزائر العادي.

وفي المقابل، كشفت الوثيقة أن بن علي يدرك أهمية تحقيق نمو اقتصادي مستمر، وتوفير فرص العمل، وتحسين أوضاع السكن، وضمان توزيع أكثر عدالة للموارد، إضافة إلى تعزيز مشاركة المواطنين في الشأن العام، باعتبارها عناصر ضرورية للحفاظ على الاستقرار على المدى الطويل.

الخوف من الإسلام السياسي والرقابة

وذكرت الوثيقة أن انشغال الرئيس بمواجهة ما يعرف بالأصولية الإسلامية لا يقتصر على القيادة السياسية، بل يلقى صدى واسعاً لدى قطاعات كبيرة من المجتمع التونسي، وأشارت الوثيقة إلى أن القلق الشعبي يتأثر بصورة واضحة بالتجربة الجزائرية، إذ يسود اعتقاد بأن التيارات الأصولية لا تقبل الحلول الوسط، وأن عدم احتوائها قد يؤدي إلى فرض نموذج دولة دينية على تونس.

ورجحت الوثيقة البريطانية أن هذا التصور يتعزز أيضاً بالنظر إلى ما يعتبره التونسيون مظاهر عنف أو تشدد في نماذج قائمة في دول مثل الجزائر والسودان وإيران، وهو ما يعزز رفضهم هذا المسار.

وتبرز هذه المخاوف، كما تشير الوثيقة، بصورة خاصة لدى النخب السياسية والاقتصادية والمهنية، لا سيما بين النساء المتعلمات، اللاتي يبدين حساسية أكبر تجاه هذا التهديد، وفي هذا السياق أوضحت الوثيقة أن وجود راشد الغنوشي في المملكة المتحدة يثير حالاً من الاستياء، إذ يجد كثير من التونسيين صعوبة في فهم منحه حق اللجوء، وينظر إلى ذلك باعتباره عاملاً أضر بصورة بريطانيا ومصالحها في تونس.

 

ورجحت الوثيقة البريطانية أن تونس، على رغم هذه المخاوف، لن تقع تحت سيطرة التيارات الأصولية، بخاصة في ظل تراجع هذا التهديد خلال الأعوام الثلاثة الماضية، سواء من الداخل أو الخارج، على رغم حادثة تسلل عناصر جزائرية مسلحة إلى منطقة تمرزة في وقت سابق من العام، وتبين من الوثيقة أن الحكومة التونسية تظهر قدرة مستمرة على إحكام السيطرة، مع اعتمادها نهجاً صارماً في تعزيز حضورها الأمني والسياسي، إذ تستمر شبكات المراقبة، ويظل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي نشطاً.

وذكرت الوثيقة أن وسائل الإعلام تعاني ضعفاً واضحاً في التنوع والمضمون، مع غياب شبه كامل لأي نقد علني أو حتى خاص لسياسات الحكومة، وتُفرض قيود على الصحف الأجنبية التي تتناول تونس بصورة سلبية، ويجري التحضير لتنظيم استخدام القنوات الفضائية عبر نظام ترخيص.

الاستقرار مقابل الانفتاح السياسي في تونس

وكشفت الوثيقة أن الحكومة التونسية تواجه معضلة واضحة، فهي من جهة تستخدم خطر الأصولية، لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والسياسية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تأكيد أن هذا الخطر قد جرى احتواؤه أو لم يعد قائماً. ومع ذلك أشارت الوثيقة إلى أن غالبية التونسيين تبدو مستعدة لقبول الوضع القائم، مفضلة الاستقرار على حساب الانفتاح السياسي.

وورد في الوثيقة أن بعض المؤشرات في مرحلة سابقة أوحت بإمكان التوجه نحو قدر من الانفتاح السياسي، بخاصة مع إدخال أحزاب معارضة للمرة الأولى إلى مجلس النواب في مارس (آذار) 1994، إلا أن الوثيقة وثقت أن هذه الخطوة كانت أقرب إلى إجراء شكلي منها إلى تحول حقيقي، إذ لا توجد دلائل على نية الحكومة تقاسم السلطة مع طيف سياسي أوسع، وأكدت الوثيقة أن السلطة، حتى داخل دوائر الحكم، تظل مركزة إلى حد كبير في يد الرئيس زين العابدين بن علي.

وعلى رغم هذا الاحتكار الواضح للسلطة، تشير الوثيقة إلى أن المجتمع التونسي يظهر قدراً محدوداً من المعارضة، إذ يبدو أن كثيراً من المواطنين يقبلون بهذا الواقع في مقابل الاستقرار وتحسن مستويات المعيشة، بخاصة بالمقارنة مع أوضاع بعض الدول المجاورة، ومع ذلك أوضحت الوثيقة أن هذا القبول ليس بالضرورة دائماً، إذ يظل من الصعب التنبؤ بمدى استمراره على المدى الطويل.

 

وذكرت الوثيقة أن التعبير عن الانتقاد، سواء في العلن أو في السر، قد يؤدي إلى عواقب غير مرغوبة، مثل فقدان الوظيفة أو سحب جواز السفر أو التعرض لضغوط إدارية مختلفة، وفي الوقت نفسه كشفت الوثيقة أن بعض التونسيين، حتى الأقل اهتماماً بالسياسة، ينظرون إلى تحركات الرئيس وتصريحاته، وزياراته للمناطق الفقيرة، على أنها ذات طابع استعراضي أكثر من كونها تعبيراً عن سياسات حقيقية، وهو ما يشار إليه أحياناً بوصفه "مشهداً سينمائياً"، ومع ذلك أكدت الوثيقة أن القبول الشعبي للنظام يظل مرتبطاً بصورة أساسية باستمرار تحسن الأوضاع المعيشية.

غير أن هذا التحسن، كما تبين من الوثيقة، يواجه تحديات عدة، من أبرزها الفساد وضعف الكفاءة الإدارية، إلى جانب تأثيرات خارجية مثل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وأشارت الوثيقة إلى أنه على الصعيد الاقتصادي الداخلي تسير عملية الخصخصة ببطء شديد، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى اعتبارات سياسية، إذ إن نجاحها قد يؤدي إلى فقدان وظائف في المدى القصير مقابل تحقيق كفاءة أعلى على المدى الطويل، كذلك قد يفتح الباب تدريجاً أمام تحولات ديمقراطية من خلال إعادة توزيع أدوات القوة الاقتصادية.

ورجحت الوثيقة البريطانية أن هذه النتائج لا تبدو مرغوبة لدى السلطة، بخاصة أن النظام القائم يتيح لعائلة الرئيس نفوذاً واسعاً في العقود الكبرى للقطاع العام.

الفساد والجمود الإداري وضغوط الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي

وتضمنت الوثيقة إشارات إلى تزايد مظاهر الفساد على مستويات مختلفة، إذ يمكن للتدخلات الشخصية أن تؤثر في الحصول على خدمات عامة أو حتى في مسار العدالة المحلية، وأوضحت الوثيقة أن ظاهرة التردد الإداري آخذة في التنامي بين المسؤولين، الذين يفضلون تجنب اتخاذ قرارات قد تعرضهم للمساءلة أو العقاب في حال تبين لاحقاً أنها غير صائبة، في ظل غياب الحوافز لاتخاذ قرارات سليمة.

ووثقت الوثيقة أن الجهاز البيروقراطي يميل نتيجة لذلك إلى الجمود، وهو ما قد يفاقم من مشاعر الاستياء الكامنة داخل المجتمع.

 

تشير الوثيقة إلى أن هذه الاعتبارات تنطوي على احتمال تأثير سلبي مهم في النشاط الاقتصادي داخل الاقتصاد التونسي، في ظل تحديات داخلية متزايدة، وأبرزت الوثيقة أن الاتفاق الثنائي الموقع أخيراً بين تونس والاتحاد الأوروبي يمثل مصدر ضغط خارجياً إضافياً على التوازن الاقتصادي.

وأوضحت الوثيقة أن هذا الاتفاق ينص على قيام تونس تدريجاً بإزالة الحواجز الجمركية أمام الصادرات الصناعية الأوروبية خلال فترة تمتد إلى 12 عاماً، في مقابل تعهد الاتحاد الأوروبي بالمساهمة في دعم تحديث الصناعة التونسية وتعزيز قدرتها التنافسية، وتبين من الوثيقة أن هذا الطرح يستند إلى فرضية مفادها أن زيادة المنافسة الأوروبية ستؤدي إلى إعادة تنشيط القطاع الصناعي التونسي وتحسين كفاءته.

غير أن الوثيقة أشارت إلى أن هذا المنطق، على رغم جاذبيته النظرية، لا يطبق بالقدر نفسه على القطاع الزراعي الأوروبي، الذي سيبقى محمياً بدرجة عالية في مواجهة الصادرات الزراعية التونسية المحدودة لكنها ذات أهمية حيوية.

أخطار اقتصادية وانعكاسات إقليمية لتونس

وكشفت الوثيقة أن الأخطار على ميزان المدفوعات التونسي تبدو واضحة، على رغم تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات لتحديث القطاع الصناعي، إذ إن هذا التحول غير المتكافئ في قواعد التجارة قد يفرض أعباءً اقتصادية كبيرة، وذكرت الوثيقة أن التقديرات تشير إلى احتمال تعثر نحو 30 في المئة من المؤسسات التونسية إذا لم تتمكن من التكيف مع معايير المنافسة الأوروبية خلال الفترة المحددة.

ورجحت الوثيقة البريطانية أن هذا الوضع قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مع احتمالات زيادة الهجرة نحو أوروبا، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية وسياسية، بما في ذلك تغذية تيارات التطرف في شمال أفريقيا والعالم العربي.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية مع المملكة المتحدة، أوضحت الوثيقة أن الدور البريطاني في الاقتصاد التونسي يظل محدوداً نسبياً، على رغم استثمار شركة "بريتيش غاز" ما قيمته 620 مليون دولار في حقل الغاز "ميسكار"، وأكدت الوثيقة أن الشركة حققت نجاحاً ملحوظاً في إنجاز مشروعها ضمن الإطار الزمني والموازنة المحددة، مما عزز سمعتها لدى الجانب التونسي، بما في ذلك على أعلى المستويات السياسية.

 

ومع ذلك، أشارت الوثيقة إلى أن هذا النجاح لم ينعكس في شكل توسع واسع للشركات البريطانية الأخرى في السوق التونسية، إذ بقيت المشاركة البريطانية في العقود والمشاريع محدودة، على رغم نمو الصادرات البريطانية إلى تونس بنسبة ملحوظة خلال الأعوام الأخيرة.

وتبين الوثيقة أن ضعف الحضور البريطاني يعزى إلى طبيعة السوق التونسية البيروقراطية، وما يرافقها من تعقيدات إدارية وتأخر في البت في العروض، إضافة إلى المنافسة القوية من تمويلات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وعلى الصعيد السياسي الإقليمي، تشير الوثيقة إلى أن انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى غزة في يوليو (تموز) 1994 أدى إلى إزالة أحد الملفات الحساسة من المشهد التونسي، حيث كانت تونس سابقاً مقراً لقيادة المنظمة. وأوضحت الوثيقة أن الفترة بين 1992 و1994 شهدت تحولاً كبيراً في مكانة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها، إذ انتقلت من موقع يتعرض لانتقادات حادة إلى شريك معترف به في عملية السلام في الشرق الأوسط.

وتبين من الوثيقة أن ياسر عرفات أصبح لاعباً رئيساً في المفاوضات مع إسرائيل، في حين لم يتبق في تونس سوى عدد محدود من مسؤولي المنظمة، الذين يتضاءل دورهم تدريجاً مع تقدم مسار التسوية السياسية.

تراجع شروط الخدمة والإدارة في السلك الدبلوماسي

وورد في الوثيقة أنه يسمح في التقارير الوداعية بأن يتجاوز كاتبها أحياناً حدود المهام المحلية الضيقة، وقد اختار كاتب التقرير تقديم ملاحظتين في هذا السياق.

وتتعلق الملاحظة الأولى، كما ذكرت الوثيقة، بشروط الخدمة داخل السلك الدبلوماسي، وأشارت الوثيقة إلى أنه على رغم تحسن بعض الجوانب، فإن الوضع العام يظهر تراجعاً ملحوظاً، إذ تعرضت الخدمة لسلسلة من التغييرات التي أثرت سلباً في الروح المعنوية.

 

وتضمنت الوثيقة عرضاً لعدد من النقاط الرئيسة، أولاها مسألة الرواتب، إذ أوضحت الوثيقة أن الرواتب مقارنة بالقطاع الخاص تشهد تراجعاً منذ نحو 15 عاماً، في إطار ما يبدو أنه سياسة حكومية تهدف إلى جعل العمل الحكومي أقل جاذبية، وهو ما تحقق إلى حد كبير.

ثانياً، تناولت الوثيقة نظام "الأجر المرتبط بالأداء"، إذ أكدت أن تطبيق نموذج مستمد من بيئات الأعمال التجارية على السلك الدبلوماسي يعد، في هذا التقدير، غير ملائم، وتبين الوثيقة أن العلاقة بين الأداء والمكافأة قائمة أصلاً من خلال نظام الترقية، في حين أن نظام الدفع على أساس الأداء الحالي يعد مرهقاً إدارياً، وضعيف الفاعلية، ويسهم في خلق حال من الانقسام بين الموظفين، فضلاً عن عدم توافقه مع طبيعة العمل القائم على المهنية والشعور بالواجب العام.

ثالثاً، أشارت الوثيقة إلى نظام التعيينات والانتدابات الخارجية، موضحة أن الهدف منه كان تعزيز الشفافية والموضوعية في توزيع المناصب، إلا أنه تحول عملياً إلى عملية طويلة ومجهدة نفسياً، وكشفت الوثيقة أن هذه العملية قد تمتد أشهراً، مع تكرار ترشيح مرشحين أكفاء من دون قبولهم، وهو ما يؤدي إلى تقويض ثقة الأفراد بأنفسهم، فضلاً عن تأثيره السلبي في أسرهم.

وخلصت الوثيقة إلى أن هذا النظام، بصيغته الحالية، لا يخدم مصلحة المؤسسة، ويحتاج إلى مراجعة وإصلاح.

تراجع المعنويات وتحديات السياسة الخارجية

وفي الختام، تشير الوثيقة إلى أنه على رغم استمرار الإقبال القوي على الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، فإن روح الانتماء المؤسسي والمعنويات العامة قد تضررت بصورة واضحة، إلى حد أن عدداً من الدبلوماسيين الحاليين لا يشعرون بالحافز لتشجيع الجيل الجديد على اتباع المسار المهني ذاته.

وتتعلق الملاحظة الثانية، كما ورد في الوثيقة، بالسياسة الخارجية، إذ تبين من الوثيقة أن الأداء العام كان معقولاً في كثير من الأحيان على مدى العقود الماضية، على رغم العمل في ظروف صعبة، غير أن القلق تزايد في الأعوام الأخيرة بسبب الميل إلى الانتظام في التزامات سياسية من دون متابعة كافية أو وضوح في آليات التنفيذ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت الوثيقة إلى أن من أبرز الأمثلة على ذلك المسار المرتبط بعملية السلام في الشرق الأوسط، إذ تضمنت الالتزامات انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وإعادة الانتشار في الضفة الغربية ضمن جدول زمني محدد. وأوضحت الوثيقة أن هذه الالتزامات كانت صعبة التنفيذ بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، مما أدى إلى تأخيرات امتدت لنحو عامين، أعقبها إعادة التفاوض على بعض بنود اتفاقات أوسلو، بما أسفر عن تعديلها وتليينها.

وكشفت الوثيقة أن هذا التطور أفضى إلى وضع هش وغير مستقر في الضفة الغربية، يتسم بطابع موقت وغير متماسك، ويبدو عرضة للتفكك مع مرور الوقت نتيجة صعوبة تطبيقه عملياً، وتبين الوثيقة أن هذا الوضع يعزى بدرجة كبيرة إلى التأخيرات التي أعقبت سبتمبر (أيلول) 1993، التي أسهمت في تعزيز مواقع التيارات المتشددة لدى الجانبين.

ورجحت الوثيقة البريطانية أنه كان من الممكن أن يؤدي موقف أكثر وضوحاً وحزماً من الدول الغربية تجاه إسرائيل، في ما يتعلق بتنفيذ التزاماتها من دون تأخير، إلى دعم القوى داخل إسرائيل الساعية إلى تسوية حقيقية مع الفلسطينيين، إلا أن الوثيقة ذكرت أن الموقف الغربي اتسم بالحذر والصمت، خشية إثارة حساسيات سياسية في تل أبيب أو واشنطن، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى ضياع فرصة تاريخية كان يمكن أن تسهم في دفع عملية التسوية قدماً بصورة أكثر استقراراً.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق