ملخص
بدا تأثير حسن الترابي على الصعيد الدولي محدوداً، مما يعكس تراجع حجم المؤتمر وتقليص موازنته مقارنة بالسنوات السابقة. ويأتي ذلك في إطار صورة أوسع تبرز الصعوبات التي يواجهها الترابي في تعزيز حضوره ونفوذه على الساحة الدولية، على رغم محاولاته المتكررة لتوسيع نطاق تأثيره. وثائق بريطانية تكشف تفاصيل اجتماع المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في الخرطوم عام 1995.
شهدت العاصمة السودانية الخرطوم خلال الفترة من الـ30 من مارس (آذار) إلى الثاني من أبريل (نيسان) 1995 انعقاد الدورة الثالثة من المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي، الذي يعد المنصة الرئيسة التي استخدمها حسن الترابي لإبراز دوره السياسي والفكري، باعتباره أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في النظام السوداني خلال تلك المرحلة.
وتحت عنوان "اجتماع المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي (PAIC)، الخرطوم، مارس - أبريل 1995"، في ملف مراسلات وزارة الخارجية البريطانية برقم مرجعي FCO 93/8465 الذي جرى رفع السرية عنه رسمياً في الـ23 من يناير (كانون الثاني) 2026، تأتي تفاصيل ما جرى خلال ذلك الاجتماع، التي انتهت إلى أن حسن الترابي لم يحقق النجاح المتوقع في توسيع نطاق حضوره ونفوذه على الساحة الدولية، إضافة إلى أن اجتماع ذلك العام جاء أقل حجماً مقارنة بالدورات السابقة. بحسب ما أكدت إحدى مراسلات الملف الصادرة في الـ12 من أبريل (نيسان) 1995.
بين النفوذ الخفي والتمويل المثير للجدال
وأكدت الوثيقة أن الترابي يركز على تعزيز ما يسميه بالقضية الإسلامية الدولية، والسعي إلى توسيع نطاق نفوذه على المستوى العالمي، إذ يرى أن السودان يمثل مساحة محدودة لا تتناسب مع طموحاته السياسية والفكرية، ولذلك يعمل على توسيع تأثيره خارج البلاد، ويعد المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي أحد أبرز الأدوات لتحقيق هذا الهدف.
وأشارت الوثيقة إلى أن الترابي يؤكد أن تمويل المؤتمر يأتي من اشتراكات أفراد ومنظمات إسلامية، غير أن هناك شكوكاً قوية حول وجود مصادر تمويل غير رسمية يجري تمريرها عبر الدولة السودانية.
حضور متواضع
عقدت الدورة الحالية من المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في أجواء أقل زخماً من الدورة السابقة التي أقيمت في ديسمبر (كانون الأول) 1993، حيث كان عدد المشاركين آنذاك أكبر بكثير، إذ قدر رسمياً بأكثر من 300 مندوب يمثلون نحو 85 دولة، على رغم أن هذه الأرقام تبدو مبالغاً فيها إلى حد ما.
أما في الدورة الحالية فقد بدا المؤتمر أصغر حجماً وأكثر محدودية، إذ يقدر عدد المشاركين بنحو 200 مندوب من نحو 50 دولة، وفق تقدير الحضور في حفل الافتتاح. وإلى جانب هؤلاء، حضر عدد من السودانيين، فضلاً عن مشاركة واسعة من وفود "مؤتمر المهندسين العرب" الذي كان منعقداً تزامناً في الخرطوم، مما أسهم في اختلاط الحضور بين الفعاليتين.
وشهدت هذه الدورة تقليصاً واضحاً في الموازنة المخصصة للمؤتمر، وهو ما انعكس على مختلف جوانب التنظيم، فلم تعد نفقات الصحافيين الأجانب مغطاة كما في السابق، كما غابت المظاهر الدعائية المكثفة التي كانت تزين شوارع الخرطوم خلال المؤتمر السابق، إلى جانب تقليص الترتيبات البروتوكولية الخاصة باستقبال الوفود في المطار، مما أعطى انطباعاً بأن حجم المؤتمر وتأثيره قد تراجع مقارنة بالدورات السابقة.
لم يكن بين المشاركين في المؤتمر شخصيات بارزة ذات ثقل دولي لافت، إذ غابت "النجوم" السياسيون الكبار، وحل محلهم عدد من الشخصيات ذات الحضور المحدود أو الإقليمي. ومن بين أبرز الحاضرين مصطفى مشهور، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، الذي قيل إنه لم يكن راضياً عن طريقة تعامل المنظمين، وعلى رأسهم حسن الترابي، معه خلال المؤتمر.
وشارك قاضي حسين، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وأحمد عبيدات، رئيس الوزراء الأردني السابق، إلى جانب نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ"حزب الله"، وأحمد شاه أحمد زيد، نائب رئيس وزراء أفغانستان، وشمس الدين يوسف، وزير خارجية الشيشان، إضافة إلى علي مهدي محمد، زعيم "التحالف الوطني الصومالي".
وشهد المؤتمر أيضاً حضور عبدالمجيد الزنداني من اليمن، وسلطات تمثيلية مرتبطة بحركات إسلامية من إريتريا، فضلاً عن مشاركة ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية، وحركة "طالبان"، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر وحركة النهضة. وشاركت إيران عبر ممثلين رسميين، مما عكس تنوعاً واسعاً في الانتماءات السياسية والفكرية للحاضرين، وإن كان دون وجود شخصيات دولية وازنة على مستوى عالٍ.
أما التمثيل البريطاني فكان محدوداً للغاية، واقتصر على حضور داوود بيدكوك، وهو من المعجبين بحسن الترابي وسبق له المشاركة في مؤتمرات مشابهة. وقد أثار بيدكوك بعض الجدال بتصريحاته التي ذهب فيها إلى القول إن نابليون كان مسلماً، وأن المواجهة البريطانية مع ما سماه "الصحوة الإسلامية الحديثة" تعود جذورها إلى معركة واترلو، وهو ما عكس الطابع غير الرسمي والمثير للجدال لبعض المداخلات في المؤتمر.
بين تبرير العنف وتصعيد المواجهة
في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، لم تتضمن الكلمات التي أُلقيت كثيراً من الأفكار الجديدة أو الطروحات المبتكرة، إذ غلب عليها الطابع التقليدي المتكرر. غير أن المداخلة الأكثر لفتاً للانتباه جاءت من أستاذة سويدية اعتنقت الإسلام، وشاركت في المنصة بصفتها المرأة الوحيدة تقريباً في هذا السياق الرمزي.
وقد قدمت هذه المتحدثة رؤية مختلفة نسبياً، إذ دعت المسلمين إلى عدم الانشغال المفرط بما وصفته بالتهديد القادم من الغرب، مؤكدة أن جزءاً كبيراً من التحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية لا يعود إلى عوامل خارجية فحسب، بل ينبع أيضاً من داخلها. وقد قوبلت هذه المداخلة بصمت واضح داخل القاعة، دون أي تفاعل يذكر، مما عكس حساسية الطرح وعدم تقبله في ذلك السياق.
لم يكن خطاب حسن الترابي في هذا المؤتمر من أقوى خطاباته، إذ غلب عليه الطابع الانفعالي أكثر من البلاغة التي عرف بها عادة. فقد استهل كلمته بالتعبير عن أمله في أن ينتقل المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الفعل، مؤكداً ضرورة تحويل الشعارات إلى سياسات وممارسات واقعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثم وجه انتقادات حادة إلى الأمم المتحدة، معتبراً أنها لا تمثل الجميع، وتعاني انحيازاً ضد الإسلام، وهاجم الغرب متهماً إياه بالتعالي وتشويه صورة الإسلام، وإظهار قدر كبير من العداء تجاهه. وفي سياق حديثه عن الصراع، برر ما وصفه بـ"الجهاد العنيف" في مواجهة "الحاكم المعادي الذي يسعى لحماية قوته وامتيازاته بالقوة"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا الجهاد يجب أن يكون متزناً ومنضبطاً، لا مجرد رد فعل غاضب أو عنيف بلا هدف.
ومع ذلك، لم يغلق الترابي الباب أمام الحوار، إذ أكد أهمية استمرار التواصل مع الغرب، وكذلك مع الأديان والثقافات الأخرى، باعتبار أن الحوار يظل جزءاً ضرورياً من مقاربة العلاقات الدولية على رغم حدة الخلافات.
واصل الترابي في خطابه توجيه انتقادات شديدة لعملية السلام في الشرق الأوسط وأنصارها في العالم العربي، بما في ذلك بعض الفلسطينيين الذين اتهمهم بالتخلي عن القضايا الفلسطينية والإسلامية. وعبر عن استيائه من أوضاع الأقليات المسلمة في الغرب وفي مناطق أخرى، مشيراً إلى ما وصفه بمعاناتها وتعرضها للتمييز.
وتطرق كذلك إلى ضرورة استمرار دعم المؤتمر للحركات الإسلامية في الجزائر، على رغم وجود اعتراضات من بعض الأطراف التي دعت إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إضافة إلى إشارته إلى معاناة المسلمين في الصومال والبوسنة، باعتبارها أمثلة على التحديات التي تواجه العالم الإسلامي آنذاك.
وفي جانب آخر من خطابه، هاجم استخدام مفهوم حقوق الإنسان كأداة ضد الإسلام، منتقداً المنظمات غير الحكومية التي اتهمها بالعمل ضد الإسلام تحت غطاء العمل الخيري. ورداً على ذلك، دعا إلى إنشاء مجموعات عمل داخل المؤتمر لدراسة قضايا حقوق الإنسان من منظور يأخذ في الاعتبار البعد الديني، مع تعزيز تنسيق العمل الدعوي الإسلامي، والسعي نحو تحقيق الأهداف الخيرية.
وشدد على أهمية تناول قضايا اجتماعية أوسع داخل العمل الإسلامي، مثل قضايا الشباب والنساء وكبار السن والعمال، معتبراً أن الاهتمام بهذه الفئات يمثل عنصراً أساساً في نجاح الحركة الإسلامية واستمراريتها.
شكل خطاب حسن الترابي الإطار العام لأجواء المؤتمر، إذ أسهم في تحديد نبرة النقاشات التي تلت ذلك خلال أيامه الثلاثة، التي طغت عليها حماسة أيديولوجية واضحة. وفي ختام أعمال المؤتمر، صدرت مجموعة من التوصيات التي عكست هذا التوجه العام.
وكان من أبرز هذه التوصيات اقتراح حذف كلمة "العربي" من اسم المؤتمر، ليصبح مقتصراً على البعد الإسلامي فحسب، وهو ما نقل أن الترابي لم يكن راضياً عنه بالكامل، على رغم أنه ظل في الوقت نفسه من الداعمين للقضايا العربية، وله علاقات مع شخصيات فلسطينية مسيحية أيضاً. وبعد اتخاذ هذا القرار، شدد الترابي على أن المؤتمر سيظل منفتحاً على غير المسلمين الذين ينظر إليهم باعتبارهم جزءاً من حضارة الإسلام الواسعة.
ودعا المؤتمر إلى إنشاء تنظيمات إسلامية دولية متخصصة تعنى بفئات مختلفة، مثل الشباب والنساء والعمل الدعوي في دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، إضافة إلى مجالات العمل الخيري والعمل التطوعي وقضايا حقوق الإنسان، فضلاً عن تنظيمات مهنية متعددة.
سياسياً، جدد المؤتمر رفضه اتفاق أوسلو، وأعلن دعمه للقوى العربية والإسلامية المعارضة له، ودان ما اعتبره انحيازاً غربياً لمصلحة إسرائيل. وفي المقابل، أوصى بفتح قنوات الحوار مع التيارات الغربية التي تقبل بالإسلام، والدعوة إلى التعاون مع المسيحيين وأتباع الديانات الأخرى في مواجهة ما وصفه بالمادية، متى ما أمكن ذلك.
وتضمن البيان الختامي للمؤتمر دعوات إلى إصلاح الأمم المتحدة، وتعزيز وحدة الأمة الإسلامية، وتكثيف الدعم للأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، إلى جانب اقتراح التفاوض حول ميثاق دولي يهدف إلى حماية الأقليات الدينية.
مؤتمر محدود التأثير بخطاب أيديولوجي وتصادمي
ودعا المؤتمر الحكومات العربية والإسلامية إلى إدانة ما وصفه بالعدوان الروسي على الشيشان، وحثها على ضمان الحريات العامة داخل مجتمعاتها، وتحقيق المصالحة مع شعوبها، والعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية.
وأعرب المؤتمر عن تقديره للجهود المبذولة من بعض الدول التي سعت إلى رفع الحصار عن العراق، مشيداً بصمود شعوب ليبيا وإيران وكشمير والبوسنة والسودان في مواجهة ما وصفه بالحصار والضغوط.
ودعا أيضاً إلى إنهاء الصراعات الداخلية الدامية في كل من الصومال وأفغانستان، وحث السلطات الجزائرية على اعتماد الحوار مع التيارات الإسلامية هناك، باعتباره سبيلاً لتجاوز الأزمة الداخلية وتحقيق الاستقرار.
وتختتم الوثيقة بتعليق محررها والموقع، ج. ب. ويلكس، في شأن المؤتمر، إذ أشار إلى أنه لم يطرح خلاله قدر كبير من الأفكار الجديدة، بل طغى عليه طابع الانتقادات، لا سيما تجاه بعض الحكومات العربية التي دعمت عملية السلام في الشرق الأوسط. وأضاف أنه في حال كتب للمؤتمر النجاح، فإن ذلك قد يعتمد على مدى تحويل المقترحات المتعلقة بإنشاء منظمات إسلامية دولية جديدة إلى واقع ملموس.
ومع ذلك، يرى ويلكس أن المؤتمر مثل فرصة نادرة لتلاقي القوى الإسلامية وتنسيق جهودها فيما بينها، وهو ما يمكن اعتباره أحد أبرز وظائفه العملية. في المقابل، بدا تأثير حسن الترابي على الصعيد الدولي محدوداً، مما يعكس تراجع حجم المؤتمر وتقليص موازنته مقارنة بالسنوات السابقة. ويأتي ذلك في إطار صورة أوسع تبرز الصعوبات التي يواجهها الترابي في تعزيز حضوره ونفوذه على الساحة الدولية، على رغم محاولاته المتكررة لتوسيع نطاق تأثيره.