ملخص
تقول وثائق بريطانية سرية إن صحيفة "الأنصار" التي كانت تنطق بلسان "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" خلال تسعينيات القرن الماضي، أثارت قلق حكومة لندن بسبب تحريضها على العنف من جهة وتعريضها العلاقات بين المملكة المتحدة والجزائر للتوتر في ذلك الوقت.
تكشف وثائق بريطانية رفعت عنها السرية أخيراً أن صحيفة "الأنصار"، الناطقة باسم "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" خلال ما يعرف بـ"العشرية السوداء" في الجزائر، كانت تصدر من لندن خلال تسعينيات القرن الماضي.
ووفق الوثائق فقد مثلت الصحيفة أداة إعلامية لنقل مواقف الجبهة وخطابها السياسي إلى الخارج، مستفيدة من هامش الحرية الإعلامية في بريطانيا، في وقت كانت الساحة الجزائرية تشهد صراعاً عنيفاً بين الجماعات المسلحة وقوات الدولة.
وتثير الوثائق تساؤلات حول طبيعة النشاط الإعلامي والسياسي للجماعات المرتبطة بالنزاع الجزائري داخل أراضي بريطانيا، ومدى تأثير ذلك في العلاقات الدبلوماسية والأمنية، بخاصة في ظل تنامي الاهتمام الدولي بملفات الإرهاب والتطرف خلال تلك المرحلة.
وتشكل الوثائق ملفاً يحمل الرقم المرجعي (FCO 93/8211) ويتناول العلاقات بين الجزائر والمملكة المتحدة خلال عام 1995، وقد أصبح متاحاً للجمهور اعتباراً من الـ 23 من يناير (كانون الثاني) 2026، فسلط الضوء على التفاعلات السياسية والأمنية بين البلدين خلال مرحلة حساسة.
ومن بين الوثائق مذكرة يعود تاريخها للثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1995 أُرسلت عبر "وحدة أبحاث الشرق الأوسط" في قسم البحث والتحليل بوزارة الخارجية البريطانية إلى الدبلوماسي البريطاني أندرو فليمنغ غرين، اطلع كاتب المذكرة في شأن "الأنصار" على تقارير أمنية فرنسية ومقالات منشورة في صحيفتي "التايمز" و"صنداي تلغراف"، إضافة إلى الترجمات الخاصة للمقالات التي لفت إليها السفير الجزائري الانتباه.
وأجرى كاتب المذكرة مشاورات واسعة في أروقة الحكومة البريطانية، وبعد رصد حقائق وأفكار عدة أقر بأن ما توصل إليه قد لا يضيف كثيراً إلى المعرفة القائمة حول الموضوع، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه لم يعرض هذه الورقة على المستشارين القانونيين، وكان يسعى إلى الاطلاع على أعداد أحدث من "الأنصار" بغية استكمال تقريره، لكن الأمر سيستغرق منه وقتاً، إذ إنه لا يجيد العربية ويعتمد على نسخ مترجمة.
وأشارت المذكرة إلى أن التقرير الفرنسي يتضمن سلسلة من الادعاءات غير المدعومة بالأدلة، ولا سيما في ما يربط "الأنصار" بمدينة لندن و"الجماعة الإسلامية المسلحة"، استناداً إلى محتواها وتوجهها، لكن في ظل غياب معلومات استخباراتية حاسمة يرى الكاتب أن الربط ليس سوى احتمال واحد من احتمالات عدة، ومن بينها احتمال تورط أجهزة الأمن الجزائرية.
واختتمت وحدة الأبحاث مذكرتها تلك بالإشارة إلى أنه لم تتوافر حتى ذلك الحين أدلة قانونية كافية ضد "الأنصار"، إلا أن محتوى المطبوعة "بغيض ومضر بالمصالح، ويفرض ضرورة لمراقبتها عن كثب، والنظر في مختلف الخيارات التي قد يتيحها القانون للتعامل معها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقرير سري آخر وثّق وفقاً لقانون السجلات العامة عام 1958، خاض في طبيعة "الأنصار" وانتشارها ومحتواها، مع إبراز القلق المتزايد إزاءها في الأوساط الرسمية والعامة، وأشار التقرير إلى أن المقالات التي نُشرت في صحيفة "التايمز" في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، وفي "صنداي تلغراف" يومي 22 و29 من الشهر ذاته، قد سلطت الضوء على نشر وتوزيع "الأنصار" في لندن بوصفه دليلاً على تحول العاصمة إلى مركز للمتطرفين الإسلاميين، وعلى رغم أن تلك المقالات وصفت بأنها مثيرة ومشحونة بنبرة معادية للمسلمين، فإنها عكست في الوقت ذاته قلقاً حقيقياً قائماً لدى الجهات الرسمية والرأي العام.
وكانت "الأنصار" من أكثر المنشورات تأييداً للتيارات الإسلامية المتطرفة بين المطبوعات المتداولة في لندن حينها، وازداد القلق في شأنها نظراً إلى كونها نتاجاً للصراع العنيف في الجزائر، وهو صراع بدأت تداعياته العنيفة تمتد إلى أوروبا.
ويوضح التقرير ذاته أن "الأنصار" التي تتألف غالباً من 16 صفحة من الحجم الصغير تنسخ بحسب الحاجة انطلاقاً من نسخة أصلية أُعدّت باستخدام نظام النشر المكتبي، تُصدر الصحيفة غالباً بشكل أسبوعي، وتُوزع على المتعاطفين داخل المملكة المتحدة وخارجها، وأحياناً عبر المساجد، ولا يمكن شراؤها أو الاشتراك فيها، فيما يُشكل الجزائريون غالبية قرائها، وربما يكون جميعهم من أنصار "الجماعة الإسلامية المسلحة".
ويذكر التقرير أن للصحيفة عنواناً في السويد أيضاً، ويبدو أن عملية الإنتاج كانت موزعة بين المملكة المتحدة والسويد مع وجود تواصل منتظم بين الأفراد في البلدين، ويرجح وجود نسخة واحدة فقط الأصلية منها تُطبع في المملكة المتحدة، كما يعتقد التقرير أن عبدالكريم دنّيش، المطلوب لدى فرنسا على خلفية تفجير قطار الضواحي السريع، وكانت لديه حجة غياب قبلتها المحاكم السويدية، أدى دوراً رئيساً في إنتاج "الأنصار" داخل السويد.
وترجّح الوثيقة أن النسخ المطبوعة في المملكة المتحدة تُرسل إلى أوروبا والجزائر ومصر وباكستان بينما تُوزع نسخ أخرى من السويد إلى شمال أوروبا وتونس، والتوزيع يدوي أو عبر البريد والفاكس، مع احتمال نشر بعض المواد عبر البريد الإلكتروني وشبكات الإنترنت.
وفيما يخص المحتوى فإن ما يُنشر في "الأنصار" يعتمد على وسائل الإعلام الجزائرية وغيرها كمصادر وقائعية، إضافة إلى شهادات مباشرة من داخل الجزائر وروايات منقولة من دون وجود ما يدل على اتصال مباشر بالجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر أو أوروبا، ويبدو أن معظم المواد يكتبها جزائريون مقيمون في بريطانيا والقارة العجوز عموماً، على رغم استخدام بعض الأسماء العربية غير الجزائرية.
كانت "الأنصار" تركّز في كثير من المقالات على الشأن الجزائري، إضافة إلى قضايا أخرى تهم المسلمين مع حضور بارز لانتقاد الغرب والمجتمعات الغربية، وعلى رغم احتواء المنشور على إشارات إسلامية فإنه لا يبدو معنياً بالدعوة الدينية المباشرة كما هو متوقع من بعض أجنحة "الجبهة الإسلامية للإنقاذ".
واتسمت لغة "الأنصار" بعداء شديد تجاه المسيحيين واليهود، إذ تتضمن دعوات صريحة إلى العنف ضدهم دون مبرر، وتعرض روايات تمجد أعمال قتل على نحو فج، ويرى التقرير أن هذه اللغة المتطرفة قد لا تُقنع من لا يتبنون هذا التوجه، لكنها قادرة على تأجيج مشاعر المتعاطفين معها، وفي الوقت ذاته تُسبب صدمة وإساءة بالغة للقراء من مختلف الأديان، وتتناول وثيقة أخرى العلاقة المعقدة بين صحيفة "الأنصار" و"الجماعة الإسلامية المسلحة"، فتشير المعطيات إلى أن مقالات الصحيفة تدعم أنشطة هذه الجماعة في الجزائر وفرنسا إلا أنها لا تحمل شعار الجماعة، وترى معظم المصادر أنها واحدة من منشورات عدة تتبنى خطاً مؤيداً للجماعة، وربما يعكس ذلك وجود فصائل مختلفة داخلها، كما تشير إلى أن الجماعة في الجزائر لا تعترف بـ "الأنصار" بوصفها منشوراً رسمياً تابعاً لها.
وتبرز صعوبة تحديد وضع "الأنصار" من كونها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفهم طبيعة الجماعة الإسلامية المسلحة نفسها، إذ إن الجماعة لا تعد تنظيماً موحداً بل تمثل ظاهرة داخل المجتمع الجزائري تتجسد فيها مجموعة من الجماعات المسلحة التي تمارس أعمالاً عنيفة، بزعم خدمة قضية إسلامية راديكالية.
وضمن هذه الظاهرة قد تدين بعض المجموعات بالولاء لقيادة وطنية فضفاضة، ولكن مع احتفاظها بقدر كبير من الاستقلالية، وغالباً ما تتنافس هذه الجماعات مع "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، الجناح المسلح لـ "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، على النفوذ الإعلامي والسيطرة الميدانية وكسب التأييد حدّ وقوع مواجهات مسلحة بين الطرفين، ومع ذلك قد يتعايش بعض القادة الميدانيين (الأمراء) من الطرفين في مناطق معينة لأسباب براغماتية.
ويزداد المشهد تعقيداً بسبب طبيعة العلاقات بين الجماعة الإسلامية المسلحة وحكومة الجزائر، إذ توجد اتهامات قوية تفيد بأن أجهزة الأمن ربما كانت متورطة في إنشاء بعض مجموعات هذه الجماعة، ومن الواضح أن الحكومة ركزت على إبراز قوة ونجاحات الجماعة مع التقليل من أهمية الجيش الإسلامي للإنقاذ، وذلك بهدف تصوير التحدي الإسلامي على أنه إرهاب محض، وإظهار أن "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" لم تعد قوة فاعلة، ويُحتمل كذلك أن تكون الأجهزة الأمنية قد اخترقت خلايا الجماعة أو استخدمتها غطاء لعملياتها الخاصة، بخاصة وأن كثيراً من أعمال الجماعة تصب في مصلحة الحكومة وتضر بقضية "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، ويمتد هذا الغموض إلى تفجيرات وقعت في فرنسا، حيث لم يثبت بصورة قاطعة عدم تورط أجهزة الأمن الجزائرية في تلك الحملة.
في ضوء هذا التعقيد يخلص التقرير إلى أن "الأنصار" قد تكون نتاجاً لاحتمالات عدة، فقد تكون صادرة عن قيادة مركزية للجماعة الإسلامية المسلحة أو أحد فصائلها، أو عن مجموعة متعاطفة معها، أو عن مجموعة مخترقة من قبل الأجهزة الأمنية الجزائرية أو تعمل لمصلحتها أو حتى عن هذه الأجهزة نفسها، ويُحتمل أن تكون لها صلات بأفراد أو جماعات إسلامية غير جزائرية إذا ما أُخذ في الاعتبار الادعاءات المتعلقة بهوية بعض الكتّاب ومواضيع المقالات، ويؤكد التقرير أن تحديد الانتماء الحقيقي لـ "الأنصار" سيظل أولوية مستمرة.
ويخلص تقرير سري آخر إلى أن صحيفة "الأنصار" تُحرّض على الكراهية العرقية والعنف، وإن لم يكن ذلك قد استهدف المملكة المتحدة بصورة مباشرة حتى الآن، غير أن استمرارها على النهج ذاته مع ارتباطها بمدينة لندن ينطوي على خطر واضح يتمثل في الإضرار بالعلاقات العرقية داخل المملكة المتحدة، من خلال التأثير في مواقف قرائها تجاه فئات دينية مثل اليهود والمسيحيين، وذلك من شأنه أن يعقد المهمة الحساسة التي تضطلع بها بريطانيا في بناء علاقات بناءة مع الإسلام بل وحتى مع التيارات الإسلامية المعتدلة وغير العنيفة، وهي الجهات التي تتضرر بخاصة من منشورات مثل "الأنصار"، ويؤكد التقرير أن السلطات البريطانية تدرك جدية هذا التهديد وستواصل التعامل معه على هذا الأساس.
وفي ما يتعلق بادعاءات صحيفة "التايمز" فيلاحظ التقرير أنها جاءت عامة وغير محددة ولا تشير إلى مقالات بعينها في "الأنصار"، ومع ذلك يلفت التقرير إلى احتمال أن يكون أسلوب الخطاب في الصحيفة قد شهد تغيراً مما يجعل من المفيد اعتماد مراقبة أكثر منهجية لمحتواها، أما الأعداد التي لفت إليها السفير الجزائري انتباه وزارة الخارجية البريطانية، فقد رأت الجهات القانونية التابعة لشرطة العاصمة وفق التقرير أنها لا تشكّل أساساً لاتخاذ إجراءات قانونية وفق القوانين السارية، فعلى رغم تطرفها فإنها لا ترقى إلى مستوى التحريض المباشر على الكراهية العرقية أو العنف داخل المملكة المتحدة أو ضد مواطنيها، ومع ذلك يطرح التقرير احتمالاً قانونيا آخر، إذ يجرم "قانون قمع الإرهاب" لعام 1978 المنشور الذي يصدر من داخل المملكة المتحدة، ويروج لأعمال إرهابية في أوروبا، ويستشهد في هذا السياق بما ورد في بيان لوزارة الداخلية في 27 أكتوبر، أشار إلى أن مادة من النوع الذي وصفته صحيفة "التايمز" قد توفر مبرراً للملاحقة القانونية بموجب القانون البريطاني، ومن الأمثلة المحتملة لذلك الصورة التي نشرتها "الأنصار" لبرج إيفل وهو يتعرض للتفجير، كما ورد في مقالة "صنداي تلغراف".
وفي آخر المذكرات المفرج عنها في هذ الملف، وتحديداً المؤرخة في الـ 16 من نوفمبر (تشرين الأول) 1995، أعرب غرين عن شكره على الورقة المفيدة المرفقة بالمذكرة المؤرخة في الثاني من الشهر ذاته، مؤكداً أن المعلومات المقدمة تساعد في متابعة التحقيق، وأشار إلى رغبته في تحديد الإصدارات المذكورة في "التايمز" و"صنداي تلغراف"، بغرض طلب رأي قانوني من محامي شرطة العاصمة، موضحاً أنه بمجرد تحديث الورقة فإنه ينوي تمريرها إلى زملائه في فرنسا وألمانيا.
وختم غرين كلامه بسؤال حول مسألة قانونية حساسة، مستفسراً عما إذا كان التحريض على الكراهية العنصرية والعنف في الخارج يُعد جريمة بموجب القانون البريطاني؟