Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تعثرت تجربة الإسلاميين في تونس التسعينيات

تكشف برقية دبلوماسية كيف تعامل نظام بن علي مع التيارات الأصولية وطريقة إدارة المشهد الداخلي وسط تصاعد الهواجس الأمنية إقليمياً

تحديات أمنية داخلية وإقليمية هائلة واجهته تونس خلال "الكارثة الجزائرية" أو ما يسمى "العشرية السوداء" (اندبندنت عربية)

ملخص

 تشير الوثائق البريطانية إلى أن نظام بن علي تمكن عام 1994 من السيطرة على التيارات الأصولية داخلياً، حيث كانت مظاهر التعاطف مع الأصوليين شبه معدومة بفضل الرقابة الصارمة، وتذكر أن فرنسا أصبحت المصدر الرئيس للأصولية التونسية خارج البلاد، نظراً إلى وجود جالية كبيرة وشبكات أصولية راسخة، وأبرز التقرير حرص تونس على الاستقرار السياسي والاقتصادي في مواجهة التهديدات الإقليمية، بخاصة من الجزائر خلال "العشرية السوداء".

تكشف وثائق بريطانية جرى رفع السرية عنها أخيراً عن تقييمات بريطانية للمشهد السياسي داخل تونس عام 1994، وهو العام الذي أجريت فيه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وسط تحديات أمنية داخلية وإقليمية هائلة ليس أقلها ما وصفته الوثائق بـ "الكارثة الجزائرية" مشيرة إلى "العشرية السوداء"، لكنها تفيد بتمكن نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من السيطرة على الوضع والتيار الأصولي بصورة جنبت البلاد أي توتر سياسي، وفي الوقت نفسه اتبع سياسة اقتصادية ناجحة بصورة عامة، مع الإشارة إلى إمكان تطور المسار الديمقراطي مستقبلاً.

 وتُعد الوثيقة المصنفة تحت المرجع FCO 93/8467)) تقريراً سنوياً شاملاً حول أوضاع تونس لعام 1994، أعدّه السفير البريطاني في تونس آنذاك ميمان تايت، ووجّهه إلى وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد في الـ 16 من يناير (كانون الثاني) 1995، قبل أن يُفتح السجل رسميا في الـ 23 من يناير 2026.

وتتناول الوثيقة تقييماً عاماً للأوضاع السياسية والاقتصادية في تونس، مسلطة الضوء على توازن دقيق بين الاستقرار السياسي والتحديات المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وتتناول التهديدات الإقليمية وبخاصة تأثير الأوضاع في الجزائر وليبيا، إضافة إلى قضايا التطرف الديني والسياسة الداخلية وأداء الاقتصاد، وتشمل كذلك تحليلاً للسياسة الخارجية التونسية والتعاون الدفاعي والدور الثقافي البريطاني، إضافة إلى تأثير مغادرة ياسر عرفات و"منظمة التحرير الفلسطينية" بعد 10 أعوام من الإقامة في تونس.

فرنسا مصدر الأصولية

وفق الوثيقة فإن مظاهر التعاطف مع التيارات الأصولية في تونس كانت شبه غائبة تماماً في ظل الرقابة الصارمة، وتشير إلى أن بعض أغطية الرأس النسائية ظهرت أحياناً لكن اللحى الكثيفة أو النقاب لم تُر مع الالتزام الشديد من قبل المتعاطفين مع الأصولية بالتحفظ والحذر، وتؤكد الوثيقة أن نجاح السلطات في فرض النظام داخل البلاد يجعلها منزعجة من حرية الحركة والتعبير التي يتمتع بها الأصوليون التونسيون المقيمون في الدول الغربية، مشيرة إلى أن المصدر الرئيس للأصولية التونسية اليوم هو فرنسا، بسبب وجود جالية تونسية كبيرة وشبكات أصولية راسخة.

وتشير الوثيقة إلى أن الإجراءات الحازمة التي اتخذتها السلطات الفرنسية بقيادة شارل باسكوا ضد الأصوليين الجزائريين اُعتبرت صحوة متأخرة لكن مرحب بها، ومؤشراً على استعداد فرنسا لاتخاذ خطوات مماثلة ضد التونسيين الذين يسعون إلى إثارة الاضطرابات.

وتتحدث الوثيقة عن المقارنة مع موقف المملكة المتحدة عام 1993 حين مُنح اللجوء السياسي لراشد الغنوشي الذي يُنظر إليه كأخطر الأصوليين في التصور التونسي، وما رافق ذلك من عدم مراقبته أو متابعة أتباعه، وهو ما شكل مصدر استياء مستمر، موضحة أن هذه السياسة قد تؤدي إلى مزيد من المقارنات غير المواتية مع فرنسا وانتقادات أشد إذا جرى اتباع النهج نفسه مع أصوليين تونسيين آخرين، خصوصاً مع استمرار طلبات لجوئهم قيد الدراسة.

وتناولت الوثيقة الوضع الديمقراطي في تونس مشيرة إلى أن الأولوية التي يمنحها التونسيون للاستقرار جعلت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مارس (آذار) 1994 تحت السيطرة الكاملة للحكومة، إذ حصد الرئيس زين العابدين بن علي نسبة غير محتملة بلغت 99.7 في المئة من الأصوات، مشيرة إلى أن مجلس النواب شهد للمرة الأولى انتخاب عدد محدود من ممثلي أحزاب سياسية غير الحزب الحاكم بلغ 19 من أصل 163، بما يضمن الحفاظ على السيطرة المطلقة للحكومة.

وتحدثت الوثيقة عن أن انقسامات المعارضة وعدم وضوح برامجها وقلة مواردها ومحدودية وصولها إلى وسائل الإعلام جعلت من الصعب عليها تعزيز موقعها في المستقبل القريب، لكنها لفتت إلى أن تجربة الحكومة في السماح ببعض المعارضة تُعد فريدة في العالم العربي، وقد تمثل بداية نحو نشوء مجتمع أكثر ديمقراطية.

الكارثة الجزائرية

تناولت الوثيقة قلق تونس من اندلاع صراع دموي بين السلطة والجماعات الإسلامية المسلحة، ما يعُرف بـ"العشرية السوداء"، عقب إلغاء الانتخابات، والذي أدى إلى حال عدم استقرار أمني وانتشار العنف مما أثار قلق الدول المجاورة مثل تونس، ودفعها إلى تعزيز إجراءاتها الدفاعية على الحدود تحسباً لتسلل المسلحين وتأثيرات الأزمة، وتشير إلى أن الكارثة الجزائرية أدت إلى تحقيق فائدة غير متوقعة للبعثة البريطانية، تمثلت في وجود ملحق دفاعي دائم بدوام كامل، وهو أمر مفيد للغاية في وقت تبحث فيه القوات المسلحة التونسية عن تعزيز دفاعاتها على الحدود مع الجزائر، موضحة أن تونس تدرس شراء معدات مراقبة إلكترونية للحدود وزوارق دورية بحرية من مصادر بريطانية، وتشير إلى أن المناورات العسكرية في الخريف، والتي شملت قوات جوية وبرية مع إطلاق ذخيرة حية، مثلت مؤشراً آخر على تزايد القلق في شأن تطورات الأوضاع داخل الجزائر.

وتقول الوثيقة كذلك إن تمركز قوات الحرس الوطني في الصحراء الجنوبية والقيام بدوريات نشطة من قبل وحدات المظليين في المناطق الجبلية الشمالية يعكس هذا القلق أيضاً، ومع ذلك تؤكد أن القوات المسلحة التونسية تظل صغيرة بموازنة لم تتجاوز 148 مليون جنيه إسترليني (222 مليون دولار أميركي) عام 1994، مع زيادة مقررة لا تتجاوز ستة في المئة عام 1995، مشيرة إلى أن هناك أملاً في زيارة رئيس أركان البحرية وتوقيع مذكرة تفاهم مشتركة، وهو ما قد يفتح مناطق التدريب التونسية أمام القوات البريطانية.

التقارب مع إسرائيل

وقالت الوثيقة إن تونس حاولت تعزيز موقعها العسكري والديموغرافي الضعيف من خلال إبراز حضورها الدولي، ومع ذلك تقول إن فترة رئاستها لاتحاد المغرب العربي انتهت من دون إنجازات، مع تدهور العلاقات مع المغرب إثر ترحيل مئات من المغاربة، وتوتر العلاقات مع ليبيا بسبب معارضة الأخيرة تقارب تونس مع إسرائيل، مما أدى إلى إغلاق موقت للحدود، كاشفة عن أن محاولة تونس، ربما بدفع أميركي، للتقارب مع الدول العربية المتقدمة في علاقاتها مع إسرائيل أظهرت بعض الارتباك وسوء التقدير، مما أدى إلى غياب تقدم ملموس وظهور انتقادات، لكنها أكدت أن مساهمة تونس بالقوى البشرية في جهود الأمم المتحدة في كمبوديا ورواندا دلّت على نيات إيجابية.

رحيل ياسر عرفات

تتناول الوثيقة نهاية حقبة مهمة، فقد أدى رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ومعظم موظفي "منظمة التحرير الفلسطينية" الداعمين له، باستثناء الدائرة السياسية"، إلى إنهاء جانب مثير للاهتمام على الصعيدين السياسي والتنموي للسفارة، موضحة أن عرفات وطاقمه ظلوا دائماً متاحين للنقاش حتى في أصعب أيام الاحتلال الإسرائيلي، وأن خبرة الموظفين معه مدة عامين أظهرت تقديرهم لباقته واستعداده لمناقشة جميع القضايا والتزامه بقضيته، على رغم أن التركيز على عيوبه كان شائعاً سابقاً.

وتذكر الوثيقة أن فترة الضيافة التي قدمتها تونس لياسر عرفات ومعظم أعضاء "منظمة التحرير" انتهت في يوليو (تموز) بعد 10 أعوام من دون وقوع حوادث، مشيرة إلى أن هذا يُعد إنجازاً بحد ذاته بالنظر إلى التاريخ المضطرب للفلسطينيين في المنفى داخل الأردن ولبنان، حيث لم يسجل أي تعبير عن الفوضى أو سفك الدماء بأيدي عربية في تونس خلال هذه الفترة، وتؤكد الوثيقة أن التوديع لم يكن مصحوباً بالفرح أو الأسف إلا أن غياب الاضطرابات كان ملاحظاً.

وتذكر الوثيقة التهديدات التي واجهت استقرار تونس، بما في ذلك الإمكانات التي قد يمثلها الوجود الفلسطيني لزعزعة الاستقرار والطبيعة الغريبة وغير المتوقعة للزعيم الليبي معمر القذافي، والحرب العنيفة بين الحكومة والجماعات الأصولية في الجزائر المجاورة، ومع ذلك تؤكد الوثيقة أن تونس بقيت هادئة طوال العام، وأُجريت انتخابات الربيع دون تسجيل أية حادثة إرهابية، مشيرة إلى أن الحكومة التونسية كانت قلقة من تأثير الاضطرابات في الجزائر وعملت على تعزيز الحواجز على الحدود لمنع التسلل، مع إحكام السيطرة على كل من قد ينتقدها داخل البلاد، سواء كانوا من الأصوليين أم غيرهم.

وتؤكد الوثيقة أنه في ظل هذه الظروف خُنق النقاش السياسي إلى حد كبير، وأصبحت أي مواقف مخالفة تعامل بسرعة وقسوة، وتذكر الوثيقة بعض الأمثلة ومنها طرد مراسل "هيئة الإذاعة البريطانية" بسبب تغطيته السلبية للوضع في تونس، وملاحقة صحافيين تونسيين فقدوا وظائفهم بعد انتقادات معتدلة للسياسة الاقتصادية، ومنع منصف المرزوقي من الترشح خلال الانتخابات وسجنه لأشهر عدة، وحظر صحيفة "لوموند" بسبب مقالة نقدية تجاه النظام.

وتوضح الوثيقة أن العراقيل الإدارية تُوضع في طريق كل من يتصادم مع الحكومة، وأن سجل تونس في مجال حقوق الإنسان يحتاج إلى تحسين مقارنة بمعايير أوروبا الغربية، لكنها تؤكد أن النظام لا يُعتبر قمعياً من منظور غالبية التونسيين، بل يُقارن إيجابياً مع معظم الحكومات الأخرى في أفريقيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تونس بين الاستقرار والتحديات

رأت الوثيقة أن عام 1994 في تونس كان يستحق إشادات عدة، الأولى للحفاظ على الاستقرار السياسي في بيئة إقليمية غير مستقرة، والثانية لمواصلة اتباع سياسة اقتصادية ناجحة بصورة عام، مشيرة إلى أن الإشادة الثالثة المتعلقة بالتقدم نحو مجتمع أكثر ديمقراطية لم تكن ممكنة لأن الدلائل على ذلك لم تكن كافية، وتوضح أن الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي واصل تأكيد أن الاستقرار السياسي شرط مسبق للتقدم الاقتصادي الذي يوفر بيئة مواتية للتطور الديمقراطي، وأكدت الوثيقة أن التجربة الجزائرية تمثل تذكيراً بعدم حكمة محاولة عكس هذا الترتيب، وأن أي أعمال إرهابية ستكون ضارة بتونس التي يعتمد ازدهارها النسبي بنحو 1600 دولار للفرد، وهو من بين الأعلى في أفريقيا، بدرجة كبيرة على السياحة والاستثمار الأجنبي، وهما قطاعان شديدا الحساسية تجاه مؤشرات عدم الاستقرار السياسي.

وتبين الوثيقة أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة أدت إلى نمو محترم في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.4 في المئة، وهو أقل من نسبة 6.1 في المئة المتوقعة بسبب ضعف الأداء الزراعي نتيجة قلة الأمطار، موضحة أن الصادرات ارتفعت بـ 25.5 في المئة خلال الأشهر الـ 11 الأولى، بينما ارتفعت الواردات بـ 6.8 بالمئة فقط مما أدى إلى ارتفاع نسبة تغطية الواردات إلى حوالى 71 في المئة، وانخفاض العجز التجاري بـ 21.6 في المئة.

وأشارت الوثيقة إلى أن معظم القطاعات التصديرية حققت زيادات باستثناء قطاع الطاقة الذي انخفضت صادراته خمسة في المئة خلال 10 أشهر، مؤكدة أن نمواً بنسبة 4.4 في المئة يعكس تزايد أهمية قطاعات الصناعة والخدمات والسياحة.

وتؤكد الوثيقة أن الاستثمارات ركيزة أساس في الإستراتيجية الاقتصادية للحكومة، ومن المتوقع أن تبلغ نحو 4.2 مليون دينار من أصل 4.3 مليون متوقعة، وأن فرص العمل الجديدة لبّت 95 في المئة من الزيادة في الطلب مع توفير 60 ألف وظيفة جديدة، مبينة أن معدل التضخم حافظ على مستوياته بين 4.6 و4.8 في المئة، وأن سياسة التحرير الاقتصادي ستستمر خلال عام 1995 مع السعي إلى تسهيل الوصول للأسواق الأوروبية من خلال مفاوضات بطيئة ومتحفظة مع الجماعة الأوروبية.

وأخيراً تؤكد الوثيقة أن معدل المواليد الذي بلغ 1.9 في المئة عام 1993 لا يزال في انخفاض مستمر وأقل بكثير من معدل النمو الاقتصادي، وهو ما يعكس التحديات الديموغرافية الطويلة الأمد لتونس.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير