ملخص
مقاطع "تيك توك" تكشف انقساماً طبقياً حاداً في لندن، حيث تتجاور رفاهية المقاهي العصرية مع واقع أحياء مهمشة. التجربة اليومية تختلف باختلاف الطبقة، مما يعمق الشعور بعدم الانتماء ويبرز صراع الهوية في مدينة يعيش سكانها واقعين متوازيين.
"لندن مدينة طريفة بطريقتها التقليدية"، كما يصفها موسيس كومب.
انتشر على تطبيق "تيك توك" مقطع فيديو يتناول كيفية قضاء "السبت المثالي" في شمال لندن. ووفقاً لصاحبة الفيديو، وهي شابة في العشرينيات من عمرها تتنزه في شارع أنيق تغمره الخضرة، فإن هذا هو ما تفعله "فتيات شمال لندن" خلال عطلات نهاية الأسبوع: يتناولن المعجنات في "جولين" Jolene، ثم يجلن في سوق "دالستون" الشعبي ويتناولن القهوة في "غيلز" Gail’s قبل أن يتوقفن عند مأكولات "دي بوفوار" De Beauvoir Deli الجاهزة لشراء الضرورات.
كل ذلك يأتي بإضاءة ناعمة وكرواسون مغلف بعناية، يوم يبدو مكلفاً [باهظ الثمن] من دون أن يذكر، ولو تلميحاً، كم تبلغ كلفته. ثم ينقطع الفيديو ليظهر كومب وهو يقول متعجباً فيما يحدق في الكاميرا: "أهذا شمال لندن الذي أعرفه؟ خلال كل السنوات التي قضيتها في شمال لندن، لم أسمع قط عن "جولين". ما هذا أصلاً؟!"
ويقرر كومب - وهو صانع محتوى يبلغ من العمر 21 سنة تتركز فيديوهاته على محال الدجاج ومطاعم الشاورما وما يسميه "قسم الاستكشاف الميداني للأحياء" - تجربة هذه الأماكن بنفسه. ما هو شمال لندن هذا الذي لا يعرف عنه شيئاً، على رغم أنه عاش هناك طوال حياته؟
وجهته الأولى هي "جولين"، المخبز والمطعم الواقع في شارع هورنسي، إزلنغتون. افتتح المخبز أبوابه للمرة الأولى في نيوينغتون غرين عام 2018، أما فرع هورنسي - المعروف باسم "بيغ جو" - فقد افتتح خلال فترة الجائحة، ويضم مطحنتين وفرناً للخبز وفرناً للبيتزا ومختبراً للتخمير، ويقوم على فلسفة تستند إلى مصطلحات مثل "الزراعة المتجددة" و"اقتصاد الحبوب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول كومب "يفاجئني بعض الشيء أن يكون هذا هو المكان الذي تقصده فتيات شمال لندن كل صباح". وذلك بسبب "موقعه. وحقيقة أنه يقع بجوار مجمع أندوفر السكني ومركز شرطة هولواي".
إنه محق. يقع مطعم "جولين" هذا في "الحارة": مقابله متجر مغلق بألواح خشبية، وبجواره مطعم "بيشي" للمأكولات الإثيوبية Yeshi Ethiopian Cuisine، وفوقه مجمع سكني تابع للسلطات المحلية. إنه ليس من نوع الأماكن التي تتوقع أن تجد فيها كعكة قرفة ثمنها 4.20 جنيه استرليني. لكن الأجواء تختلف داخل المكان. يقول كومب "هذا المكان أشبه بنسخة فائقة عن غيلز. كنت أنوي شراء شطيرة، لكنني رأيت السعر. شطيرة بـ11 جنيهاً استرلينياً؟! الحري بهذه الشطيرة أن تأخذني إلى الجنة".
لكنه يطلب الطعام على أي حال: كوباً من الشوكولاتة الساخنة ولفافة سجق وقطعة كعكة تيراميسو. 14.20 جنيه استرليني. "هذا لا يشبه مطاعم "غريغز" Gregg’s بأسعارها المعقولة. أتراهم سرقوني أم ماذا؟"
في لحظة ما، يتبدد جو الدعابة قليلاً. ينظر كومب حوله، ويفكر في ما إذا كان سيبقى أم لا. ويقول "لديهم خيار الجلوس في الداخل، لكنني أشعر هناك أنني أبدو غريباً عن المكان تماماً".
وبدلاً من ذلك، يقرر المغادرة، ويلجأ إلى مقعد في مجمع "أندوفر" السكني المجاور، حاملاً أكياس "جولين" في يديه، إذ يحمل التباين بين المكان والأكياس دلالات كثيرة.
كثيراً ما كان مجمع "أندوفر" السكني رمزاً لكل مشكلات نظام الإسكان في لندن - من نقص التمويل إلى الحرمان، والإهمال المتكرر. خلال عام 2007، أقامت النائب السابقة عن حزب المحافظين آن ويدكومب ثلاثة أيام هناك من أجل تصوير فيلم وثائقي لقناة "آي تي في" ITV، ووصفت المكان لاحقاً بأنه "مكب نفايات" و"مقرف للغاية وخطر للغاية"، وهي تعليقات أثارت ردود فعل غاضبة من السكان، الذين اتهموا البرنامج بالإساءة لصورة مجتمعهم.
بعد مرور ما يقارب عقدين، لم يعد هذا التباين يبدو صورة مضخمة ومشوهة بقدر ما أصبح بمثابة تصادم، إذ لديك على أحد جانبي الطريق: خبز الساوردو وأطباق صغيرة وشوكولاتة ساخنة بسعر 4.80 جنيه استرليني، فيما على الجانب الآخر: مجمع سكني لا يزال يقترن بأنواع القضايا الاجتماعية التي نادراً ما تظهر في مقاطع "تيك توك"، "الأنثوية"، الخاصة بأسلوب الحياة في شمال لندن. ولا ننسى أيضاً مطعم "دي بوفوار" الشهير الذي قرر زيارته، والذي يقدم وجبة إفطار تزيد قيمتها على 20 جنيهاً استرلينياً، ويقع بجوار مجمع دي بوفوار السكني الذي اشتهر بكونه مصدر الإلهام الواقعي لمجمع هاكني السكني الحكومي الذي يعج بالجرائم، والذي تُصُوِّر في المسلسل الدرامي "توب بوي: سمرهاوس" Top Boy: Summerhouse.
يجلس كومب بين هذين المشهدين المتناقضين، حاملاً كعكة التيراميسو في يده. وهو يقول إن فطيرة السجق "جيدة جداً". أما التيراميسو، فـ"رائعة". لكن الشوكولاتة الساخنة لم تكن على المستوى نفسه: فهي تشبه طعم "مسحوق (كاكاو) عادي خلطوه بالماء الساخن. أعني، 4.80 جنيه استرليني...".
لكن ما يبقى عالقاً في الذهن هو شيء يصعب تحديده. إنه ليس السعر فحسب، بل الشعور بعدم الانتماء إلى المنطقة التي ولدت فيها.
بعد ذلك، يتوجه إلى متجر الزاوية لشراء زجاجة من مشروب "كاي أي" KA الغازي ويلخص الأمر ببساطة بقوله إنها "عودة إلى الجذور. عودة إلى الواقع. عودة إلى إيزي [إزلنغتون]".
لا يوجد مكان يجسد التباين الاقتصادي والاجتماعي الموجود في نفس المنطقة بصورة أوضح من إيزي، أي إزلنغتون. يبلغ عدد سكان المنطقة نحو 216 ألف نسمة، وهي واحدة من المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في إنجلترا، وتتميز بما يصفه مجلس البلدية بـ"التناقضات الصارخة"- حيث تتجاور مناطق من "الثراء الفاحش" مع مناطق تعاني حرماناً شديداً.
يعيش نحو واحد من كل ثلاثة سكان فيها حالاً من الفقر، على رغم أن المنطقة تجذب مهنيين شباباً ومبدعين ومستأجرين في العشرينيات من أعمارهم. ويشكل أفراد الأقليات العرقية ما يقارب 38 في المئة من سكانها، مما يجعلها أكثر تنوعاً من إنجلترا ككل.
هذا التشنج ليس بالأمر الجديد. فمثل عدد من أحياء لندن، كثيراً ما تأرجحت إزلنغتون بين الثراء والتدهور: فقد كانت في يوم من الأيام ملاذاً ريفياً للأثرياء، ثم ارتبط اسمها لاحقاً بالاكتظاظ والفقر، قبل أن يتغير شكلها مجدداً اعتباراً من ستينيات القرن الماضي مع انتقال أسر الطبقة الوسطى وقيامهم بإعادة ترميم مبانيها من الطراز الجورجي.
لكن الجديد في الأمر هو مدى وضوح هذه الصورة الآن. والإحساس بأن تلك النسخ المتوازية لنفس المكان يجري الآن رصدها ومقارنتها ومناقشتها في آن واحد على وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا بالذات تتنازع مختلف الأطراف الفاعلة على هوية الحي الحقيقية، وهنا تتباعد مسارات حياتهم الواقعية. المؤثرون الوافدون من شمال لندن (الذين يطلق عليهم غالباً اسم دورست إميليز) ممن يتحولون إلى أدلاء محليين يرشدون الناس إلى أماكن لا يعلم بها من عاشوا هناك طوال حياتهم، بل ويجدونها غريبة.
والمحطة التالية التي يقف عندها كومب هي مطاعم "غيلز" في منطقة آرشواي Archway - أو آرشي- المجاورة، وقد أصبحت سلسلة المطاعم هذه رمزاً لصورة من صور التطوير الحضري.
هذه المرة، هو برفقة "الرفاق" the mandem - صديقين لاحظا التغيير على الفور. يقولان إن هذا المكان كان في السابق متجراً صغيراً كانا يشتريان منه حلوى "جاليتوس" Jalitos و"ميلكي بار" Milky Bars، وكان بجواره مطعم "صب واي" يمكنهما المرور من خلاله. وفي الداخل، كانت الأسعار صادمة بالقدر نفسه. "8.3 جنيه استرليني مقابل هذا؟!" اشتريا طعامهما، لكنهما، كالعادة، حملاه مباشرة إلى الخارج.
يعلن كومب قائلاً "مرحباً بك في مجمع إلثورن Elthorne السكني يا رجل!" وقد شهد المجمع نفسه تغييرات خاصة به خلال السنوات الأخيرة، إذ حصل على تمويل إضافي استخدم لتحويل المساكن الجديدة من مساكن للبيع الخاص إلى مساكن إيجار اجتماعي، مما زاد من عدد المساكن ذات الإيجارات الميسرة حقاً للسكان المحليين. وبعبارة أخرى، إنها نسخة أكثر هدوءاً وعملية تجديد حضري أقل جاذبية لعرضها على "إنستغرام" لكنها لا تقل أهمية عنها.
لكن هنا، الأمر أبسط. "لدينا الوجبة الخفيفة... ثم لديك هذه الشوكولاتة الساخنة التي لا تستحق الذكر". بعد ذلك، يزور مورليز Morley’s - سلسلة مطاعم الدجاج المقلي التي نشأت في جنوب لندن وأصبحت معلماً ثقافياً شهيراً في جميع أنحاء المدينة - ويظهر محتويات كيسه. طعام أكثر وكمية أكبر بثمن أقل. "كان علي العودة إلى جذوري. مورليز السريع، إنهم يفهمونني. وبالتأكيد تحصل على قيمة أفضل مقابل ما تدفعه أيضاً".
لا يسعى كومب إلى أن يصبح ناقداً جديداً للمطاعم على منصة "تيك توك". ما يقوم به أقرب إلى مسح ثقافي، وهو يحظى بمتابعة واسعة بفضل ذلك.
تشكل محطاته الأساس - مثل "ديز كيتشن" D’s Kitchen و"دبي شاورما" Dubai Shawarma و"بي أف سي" PFC وملعب أرسنال - صورة مختلفة عن شمال لندن مقارنة بتلك التي تظهر في أدلة "فتيات شمال لندن". نفس الحي ونفس الشوارع، لكن معاني مختلفة تماماً للأشياء المهمة. لا توثق مقاطع الفيديو الخاصة به اختلافاً في الذوق فحسب، بل اختلافاً في التجربة - من يشعر بالراحة وأين.
والعكس صحيح أيضاً. فلا تقوم كل "فتاة من شمال لندن" برحلة أسبوعية إلى "جولين" و"غيلز" و"دي بوفوار". هذه فقط الصورة التي تظهر على "إنستغرام". أما الواقع فهو أكثر تعقيداً. فالأشخاص أنفسهم الذين يشترون الكرواسان صباح يوم السبت قد يشترون وجبة من "مورليز" في وقت لاحق من تلك الليلة، أو يتناولون زجاجة من "كا" من متجر الزاوية في طريقهم إلى المنزل.
ما يصفه كومب حقيقي - نسخة من شمال لندن لا تعترف تماماً بالمنطقة التي نشأ فيها. لكن هذا لا يجعلها كاذبة. فالكرواسان وبيع الأغراض المستعملة من السيارات ومحلات الأطعمة الجاهزة: كلها موجودة أيضاً. لكنها لا تمثل الصورة الكاملة.
تتجول "فتيات شمال لندن" و"الرفاق" في الشوارع نفسها، بل يرتادون أحياناً المتاجر نفسها، لكن ليس دائماً بالدرجة نفسها من الراحة. فبعضهم يوثق المدينة كما يروج لها، وبعضهم الآخر يوثقها كما تُعاش.
إن لندن مكان قديم وغريب.
© The Independent