ملخص
في ظل النقص الحاد في الغذاء والدواء وتراجع الخدمات الحكومية، تعاظم دور الكنائس في كوبا كمصدر أساس للمساعدات الاجتماعية والطبية. وبعد عقود من التهميش، باتت الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية توفر الأدوية والوجبات والاستشارات لكبار السن والأسر الفقيرة، معتمدة على تبرعات محلية وخارجية، وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية.
ينتظر عشرات الكوبيين أمام كنيسة في هافانا للحصول على أدوية لا يتمكن النظام الصحي من توفيرها كما يجب، في مؤشر إلى انتعاش دور الكنائس في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، بعد عقود من تهميشها في ظل الحكم الشيوعي.
وتعيش كوبا أزمة اقتصادية خانقة منذ ستة أعوام نتيجة تضافر آثار العقوبات الأميركية المشددة ومواطن الضعف الهيكلية في اقتصادها، الذي تسيطر عليه الدولة.
ويعاني سكان الجزيرة البالغ عددهم 9.6 مليون نسمة انقطاع التيار الكهربائي ونقصاً في الغذاء والدواء، وارتفاع التضخم. وتفاقم الوضع مع قيود فرضتها واشنطن على استيراد النفط منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.
في هذا السياق، تمثل الكنائس التي همشتها الحكومة الشيوعية لفترة طويلة شريان حياة لجزء من الكوبيين، في ظل عجز الدولة عن تلبية حاجاتهم.
تنامي الفقر
جاءت خوانا إميليا زامورا، وهي متقاعدة تبلغ 71 سنة، لأن "الأدوية التي تحتاج إليها غير متوافرة في صيدلية الدولة" القريبة من منزلها.
وتقول السيدة التي تتقاضى معاشاً قدره ألفا بيزو (نحو أربعة دولارات)، إن "الاحتمال الآخر هو اللجوء إلى الأشخاص الذين يبيعونها (في السوق السوداء)، لكن الأسعار مرتفعة جداً".
تتذكر غريتل أغريلو، وهي من رعايا الكنيسة، أنه عندما بدأ توزيع الأدوية مجاناً عام 2022، كان يأتي شخص أو شخصان كل أسبوع يطلبان المساعدة.
لكن حالياً، يعتمد على الكنيسة ما يصل إلى 300 شخص معظمهم من كبار السن. وتشكو أغريلو من "تفاقم الوضع" خصوصاً أنه "لا نملك ما يكفي من الأدوية" لتلبية الطلب، بحسب قولها.
ويأسف الكاهن لويس بيرناس لأن عدداً متزايداً من الكوبيين يجدون أنفسهم "دون الحد الأدنى للعيش"، في ظل تنامي الفقر وعدم المساواة.
علاقة معقدة
في كوبا، كثيراً ما كانت علاقات الكنيسة الكاثوليكية معقدة مع الثورة الاشتراكية التي قادها فيدل كاسترو، فخلال عام 1961 صادرت الدولة مؤسساتها الاجتماعية، سعياً لإحكام سيطرتها على التعليم والصحة.
إلا أن نهاية الإلحاد الرسمي في التسعينيات والأزمات الاقتصادية عززت على مر الأعوام الأدوار الاجتماعية للمؤسسات الكاثوليكية، فضلاً عن دور الفاتيكان الراسخ كوسيط بين هافانا وواشنطن.
كما أن الكنيسة الكاثوليكية ومنظمتها الخيرية غير الحكومية "كاريتاس" تلقت تكليفاً من واشنطن بتوزيع 9 ملايين دولار من المساعدات الإنسانية الأميركية التي أرسلت منذ يناير إلى ضحايا إعصار "ميليسا" الذي ضرب شرق كوبا عام 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توقف الدعم الحكومي
وفي مواجهة الأزمة، لا تتخلف الأبرشيات البروتستانتية عن الركب.
ثلاث مرات في الأسبوع، يذهب نحو 400 شخص إلى كنيسة الناصرة المعمدانية في حي لا فيبورا في هافانا لحضور الصلوات. ويمكنهم بعد ذلك تناول الغداء هناك والحصول على استشارة طبية.
يقول القس كاريل ليسكاي، وهو طبيب أطفال يبلغ 52 سنة، لوكالة الصحافة الفرنسية إن "الغالبية العظمى من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، أو الذين لا تملك أسرهم موارد كافية".
ويوضح أن فريقه بدأ قبل عامين في إعداد وجبة طعام لـ"90 شخصاً"، لكن عدد المستفيدين ازداد بصورة كبيرة في الأشهر الأخيرة بسبب "الانهيار الاقتصادي" الذي تشهده كوبا.
تقول أليدا رودريغيز البالغة 84 سنة، وهي تنتظر دورها لرؤية الطبيب، "في هذا الوقت العصيب جداً... الكنيسة حاضرة ومتماسكة وقوية". وتشدد أن هذه الاستشارة "تعد مساعدة بالغة الأهمية" في ظل تدهور الخدمات الصحية وخدمات النقل.
وتفوح في الأرجاء رائحة شهية للطعام الذي يشمل الفاصوليا السوداء والرز، واللحم وسلطة الملفوف "كول سلو". ولولا دعم الكنيسة لما استطاع المحتاجون الحصول على مثل هذه الوجبة، وبخاصة أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان "الليفريتا"، وهي السلع الأساس التي تباع للسكان بأسعار مدعومة.
ويوضح القس أن الطعام والدواء المقدمين يأتيان من تبرعات كوبيين مقيمين في الجزيرة، لكنه يؤكد أن استمرار هذا النشاط يمثل "تحدياً كبيراً" في ظل انقطاع التيار الكهربائي والتضخم.