ملخص
تشكل الهدنة التي دخلها لبنان بعد حرب استمرت 46 يوماً محطة مفصلية في مسار الصراع على القرار السيادي، إذ لم تعد مجرد إجراء لوقف العمليات العسكرية، بل مدخلاً لمسار تفاوضي ترعاه واشنطن يهدف إلى إعادة تثبيت الدولة اللبنانية مرجعية وحيدة في إدارة الملف الأمني والعسكري. وترتبط هذه المرحلة بتوجه أميركي واضح لربط تثبيت وقف إطلاق النار بالتقدم في حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش، بالتوازي مع فتح باب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ومعالجة ملفات عالقة وفي مقدمها ترسيم الحدود البرية.
بعد 46 يوماً من الحرب التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) الماضي، يدخل لبنان هدنة لمدة 10 أيام برعاية أميركية مباشرة، في تطور لا يمكن قراءته كاستراحة عسكرية موقتة بقدر ما يشكل تحولاً سياسياً عميقاً في موقع الدولة اللبنانية داخل معادلة القرار الإقليمي. فهذه الهدنة، وفق بيان وزارة الخارجية الأميركية، لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل تقوم على تهيئة الظروف السياسية والأمنية للوصول إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل، مع اعتراف واضح بالتحديات التي تواجه الدولة اللبنانية نتيجة وجود جماعات مسلحة خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وتأكيد أن الجهة الوحيدة المخولة حمل السلاح داخل لبنان يجب أن تبقى القوات المسلحة اللبنانية. وفي هذا السياق، للمرة الأولى منذ أعوام طويلة، لا يأتي وقف إطلاق النار عبر قنوات "حزب الله" أو عبر الوساطة التقليدية التي كان يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، بل عبر مسار تفاوضي أعلنته واشنطن نفسها بعد اتصالات مباشرة أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مؤشر واضح إلى انتقال الملف اللبناني من مستوى الوساطة غير المباشرة إلى مستوى القرار الرئاسي الأميركي.
هذا التحول يكتسب أهمية استثنائية إذا ما قورن بمحطات وقف إطلاق النار السابقة منذ عام 2006، حين كان القرار السياسي يدار من خارج المؤسسات الرسمية اللبنانية قبل أن يعاد إدخاله لاحقاً إلى الحكومة لتوقيعه. أما اليوم، فإن الهدنة الحالية ترتبط بمقاربة أميركية مختلفة تقوم على إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمرجعية تفاوضية وحيدة، وربط تثبيت وقف النار بمسار سياسي يتضمن مفاوضات مباشرة وبحسن نية بين لبنان وإسرائيل للتوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين، بالتوازي مع تقدم فعلي في تنفيذ القرارات المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ومنع أي أنشطة عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار الشرعية، وهو ما تضعه واشنطن في صلب التصور السياسي للمرحلة المقبلة.
ولا تبدو هذه المقاربة مجرد إطار موقت لإدارة التهدئة، بل جزءاً من تصور أميركي أوسع لإعادة إدخال لبنان في هندسة الاستقرار الإقليمي الجديدة، حيث ينظر إلى وقف النار بوصفه مدخلاً لمسار تفاوضي قد يقود إلى أول اتصال مباشر بين قيادتي لبنان وإسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود، في ظل ربط واضح بين المسار اللبناني والتحولات الإقليمية الأوسع، ولا سيما المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية، إضافة إلى فتح ملفات عالقة منذ أعوام طويلة، وفي مقدمها ترسيم الحدود البرية الدولية، ضمن إطار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة مع إمكان تمديد وقف إطلاق النار إذا تحقق تقدم فعلي في هذا المسار.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الوقائع الميدانية التي ترافق هذه الهدنة، إذ لم تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان، بل كرست وجودها في شريط أمني بعمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع حديث واضح عن احتمال توسيعه شرقاً، مما يشير إلى أن الترتيبات الأمنية الجديدة تبنى على ميزان قوى فرضته العمليات العسكرية، وليس على العودة إلى ما قبل الحرب، على رغم التزامها وفق التفاهم بعدم تنفيذ عمليات هجومية ضد أهداف لبنانية براً أو جواً أو بحراً، مع احتفاظها بحق الدفاع عن النفس وفق تفسيرها الخاص للاتفاق.
"سرقة" الانتصار
وعلى رغم ذلك، يسعى "حزب الله" منذ اللحظة الأولى إلى تقديم الهدنة بوصفها نتيجة "الصمود في الجنوب" وربطها بالمفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، في محاولة لإدراج ما جرى ضمن سياق تفاوضي إقليمي تقوده طهران، إلا أن هذه الرواية تصطدم بمعطيات سياسية مختلفة، أبرزها أن الحزب لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات التي أنتجت وقف إطلاق النار، وأن الإعلان عنها جاء بعد اتصالات مباشرة بين واشنطن والرئاسة اللبنانية، فيما أظهرت مواقف الحزب نفسها تحفظاً واضحاً على شروط الهدنة بسبب التزام الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوات ملموسة لمنع أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل اعتباراً من لحظة دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
المشكلة الحقيقية التي تواجه الدولة اللبنانية اليوم لا تتعلق فقط بتثبيت وقف إطلاق النار، بل بتثبيت روايته السياسية، فإذا نجح الحزب في فرض تفسيره لما جرى، تتحول الهدنة إلى محطة جديدة في تثبيت دوره الإقليمي داخل لبنان، أما إذا نجحت الدولة في تثبيت نفسها بوصفها الجهة التي انتزعت وقف النار عبر القنوات الدبلوماسية الدولية، فإن ذلك يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقعها في معادلة القرار الأمني للمرة الأولى منذ أعوام طويلة، خصوصاً في ظل تأكيد الاتفاق أن مسؤولية حماية السيادة اللبنانية تقع حصراً على عاتق مؤسسات الدولة، وليس لأي جهة خارجية أو تنظيم مسلح الادعاء بأنه يشكل ضامناً لها أو بديلاً عنها.
لكن استثمار هذه الفرصة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على ترجمة موقعها التفاوضي الجديد إلى خطوات سيادية فعلية، بدءاً من تثبيت حصرية السلاح بيدها، مروراً بإعادة تنظيم الواقع الأمني الداخلي، وصولاً إلى إعادة تعريف علاقتها الإقليمية ضمن إطار سيادة الدولة. في هذا السياق تحديداً، لا تنظر واشنطن إلى وقف إطلاق النار كهدف بحد ذاته، بل كمرحلة انتقالية لإعادة بناء معادلة السلطة الأمنية داخل لبنان، على قاعدة دعم الجيش اللبناني باعتباره الركيزة الأساسية لتنفيذ ترتيبات ما بعد الهدنة وترسيخ الاستقرار في المرحلة المقبلة، تمهيداً للانتقال إلى مفاوضات أوسع قد تشمل معالجة مجمل القضايا العالقة بين لبنان وإسرائيل ضمن إطار تفاوضي مباشر ترعاه الولايات المتحدة.
اندفاعة حاسمة
في السياق كشفت معلومات دبلوماسية مواكبة لمسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن أن ما يجري حالياً لم يكن نتيجة تطور ظرفي أو تزامن عابر، بل مساراً منظماً بدأ داخل الكواليس الأميركية قبل الإعلان الرسمي عن الهدنة، بالتوازي مع اتصالات مباشرة قادتها الإدارة الأميركية على مستويات عدة، من وزارة الخارجية وصولاً إلى البيت الأبيض.
ووفق هذه المعطيات، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع ثقله السياسي الكامل خلف هذا المسار، بعد "محادثات ممتازة" أجراها مع الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، في خطوة اعتبرت داخل الإدارة الأميركية انتقالاً بالملف من مستوى المتابعة الدبلوماسية إلى مستوى القرار الاستراتيجي المباشر.
وبحسب هذه الأوساط، فإن المؤشر الأهم تمثل في كون المبادرة لم تكن إسرائيلية المنشأ، بل اندفعت من واشنطن نفسها، في سياق رؤية أميركية أوسع تتجاوز تثبيت التهدئة إلى إطلاق مسار تفاوضي دائم يقوم على الاعتراف المتبادل بسيادة الدولتين وسلامة أراضيهما، وهو ما يجري تداوله داخل أروقة وزارة الخارجية الأميركية باعتباره أحد السيناريوهات الواقعية المطروحة للمرحلة التالية.
في موازاة ذلك، تربط واشنطن أي انتقال إلى مرحلة الاتفاق السياسي الشامل بجملة التزامات مطلوبة من الدولة اللبنانية، في مقدمها فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية والتقدم في مسار ضبط السلاح خارج المؤسسات الشرعية، باعتبار ذلك شرطاً أساساً لتأمين مظلة الدعم الأميركي السياسي والعسكري والاقتصادي للبنان خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق نفسه، تندرج الدعوة التي وجهها الرئيس الأميركي إلى كل من الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي لزيارة البيت الأبيض ضمن التحضير العملي لمرحلة ما بعد تثبيت الهدنة، على رغم أن توقيت هذا اللقاء لا يزال مرتبطاً باستكمال التحضيرات السياسية والتفاوضية اللازمة لصوغ اتفاق إطار يمكن البناء عليه قبل أي إعلان رسمي.
أما على المستوى الإقليمي الأوسع فتربط أوساط القرار في واشنطن بين تقدم المسار اللبناني – الإسرائيلي والتطورات في ملف التفاوض الأميركي – الإيراني، خصوصاً في ظل مؤشرات تتحدث عن اقتراب تفاهمات أوسع قد تهيئ بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لدفع مسارات التسوية، وفي مقدمها المسار اللبناني – الإسرائيلي الذي تصفه مصادر البيت الأبيض بأنه مرشح للانتقال خلال الأيام العشرة المقبلة إلى مستوى تفاوضي أعلى قد يفتح الباب أمام اتفاق تاريخي إذا نجحت بيروت في ترجمة التزاماتها السياسية ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار.
تفجير الداخل؟
وتتخوف أوساط سياسية لبنانية من أن يؤدي المسار الذي فتحته السلطة اللبنانية بعد تثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل إلى انتقال التوتر من الجبهة الجنوبية إلى الداخل اللبناني، خصوصاً في ظل الالتزامات السياسية التي بدأت الدولة السير بها تحت مظلة التفاهمات التي رعتها واشنطن، وما رافقها من فتح باب التفاوض المباشر مع إسرائيل. وبحسب هذه الأوساط، فإن "حزب الله" وحلفاءه ينظرون إلى هذا التحول بوصفه انتقالاً استراتيجياً في موقع الدولة اللبنانية، وليس مجرد خطوة تفاوضية ظرفية، إذ يعتبرون أن السلطة ذهبت بعيداً في خيارات سياسية تتعارض مع تموضع لبنان السابق ضمن المحور الإيراني.
وتشير هذه الأوساط إلى أن مؤشرات التوتر الداخلي كانت قد بدأت تظهر بالفعل خلال مرحلة الحرب الأخيرة، من خلال احتكاكات شبه يومية بين البيئات المستضيفة للنازحين والنازحين أنفسهم، إضافة إلى تصاعد الاعتراضات السياسية والشعبية على تحميل لبنان كلفة خيارات إقليمية مفتوحة. وترى أن هذه المؤشرات قد تتحول إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع إذا انتقلت الدولة اللبنانية إلى ترجمة التزاماتها المرتبطة بحصرية السلاح بيدها، أو إلى خطوات عملية تفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني الذي عمل "حزب الله" على تثبيته طوال العقود الماضية.
وتلفت هذه الأوساط إلى أن ربط لبنان بالمحور الإيراني لم يكن نتيجة تطور ظرفي، بل حصيلة مسار امتد لأكثر من 40 عاماً من العمل السياسي والعسكري والمالي الذي استثمر فيه الحزب دعماً إيرانياً واسعاً لترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة وبنيتها الأمنية والسياسية، لذلك فإن أي انتقال للدولة اللبنانية نحو خيارات استراتيجية مختلفة ينظر إليه داخل هذا المحور باعتباره تحولاً وجودياً لا مجرد اختلاف سياسي، مما يفسر تصاعد المخاوف من احتمال انتقال المواجهة إلى الداخل اللبناني إذا ترافقت الضغوط الدولية مع خطوات تنفيذية تتصل بتنظيم ملف السلاح وإعادة تعريف موقع لبنان الإقليمي.
بيروت منزوعة السلاح
في هذا السياق، يضع النائب فؤاد مخزومي وقف إطلاق النار الأخير ضمن مسار سياسي أوسع كان قد بدأ عملياً منذ إعلان رئيس الجمهورية خلال زيارته إلى القاهرة قبل نحو عام ضرورة الانتقال إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً أن "ما جرى اليوم يشكل استكمالاً لهذا التوجه السيادي وليس خطوة ظرفية فرضتها التطورات العسكرية". ويرى مخزومي أن "تجربة اتفاق الهدنة عام 1949 تقدم نموذجاً واضحاً على قدرة لبنان على حماية حدوده عندما يكون القرار الأمني بيد الدولة"، مشيراً إلى أن "الاستقرار استمر لعقود قبل أن يتحول لبنان لاحقاً إلى ساحة صراع إقليمي بفعل التدخلات الفلسطينية ثم السورية وصولاً إلى الدور الإيراني عبر 'حزب الله'".
ويؤكد النائب اللبناني عن بيروت أن "القرار الأخير بوقف إطلاق النار يندرج ضمن لحظة سياسية مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة، نظراً إلى حجم الدعم الدولي والعربي الذي يحظى به لبنان حالياً، ولا سيما من الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا والأردن وقطر"، معتبراً أن "هذا التوافق الخارجي يشكل فرصة تاريخية لمنع استخدام لبنان مجدداً كساحة حروب بالوكالة". وبرأيه، فإن "صمود الهدنة هذه المرة يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على الاستفادة من هذا الإجماع الدولي الداعم للعهد الجديد والحكومة الحالية، في ظل تبدل ميزان القوى السياسي الداخلي مقارنة بالمراحل التي كان فيها القرار الأمني خارج مؤسسات الدولة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في موازاة ذلك، يربط مخزومي بين تثبيت وقف إطلاق النار وضرورة الانتقال سريعاً إلى تنفيذ القرارات السيادية التي اتخذتها الحكومة، وفي مقدمها حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الشرعية، مشدداً على أن "المؤتمر النيابي الذي انعقد في بيروت تحت عنوان حماية العاصمة يشكل رسالة سياسية واضحة بدعم قرارات السلطة التنفيذية، ولا سيما القرار القاضي بتحويل بيروت مدينة خالية من السلاح، باعتبار أن حماية العاصمة تشكل المدخل الطبيعي لاستعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية".
ويطرح مخزومي تصوراً عملياً لترجمة هذه القرارات على الأرض من خلال تعزيز انتشار الجيش اللبناني داخل بيروت، بما في ذلك نشر وحدات عسكرية إضافية في المناطق الحساسة والتنسيق لتنفيذ آليات إزالة السلاح غير الشرعي، مستنداً إلى الصلاحيات التي يتيحها قانون الدفاع الوطني، بما فيها إعلان التعبئة العامة عند الضرورة، بهدف توفير مظلة أمنية تسمح بتطبيق الإجراءات السيادية من دون الانزلاق إلى مواجهات داخلية.
ويعتبر مخزومي أن "اللحظة الحالية تمثل فرصة نادرة للبنان في ظل متابعة مباشرة من الإدارة الأميركية، ولا سيما من الرئيس دونالد ترمب شخصياً، إضافة إلى توافق دولي واسع ضمن إطار اللجنة الخماسية الداعمة للبنان"، مؤكداً أن "هذا الدعم يفتح الباب أمام إعادة تثبيت معادلة الدولة الواحدة والجيش الواحد والسلاح الشرعي الواحد". وفي هذا الإطار، يرفض الطرح القائل إن تنفيذ هذه القرارات قد يقود إلى حرب أهلية، معتبراً أن هذا الخطاب يدخل ضمن سياق التخويف السياسي المستخدم لمنع الدولة من استعادة دورها، ومشدداً على أن الرهان الأساس يجب أن يبقى على المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الفعلي للاستقرار الداخلي إذا توفرت الإرادة السياسية لتنفيذ القرارات المتخذة.
ملف استراتيجي
وفي قراءة موازية للمشهد الدولي المحيط بالهدنة، يرى المتخصص في العلاقات الدولية إدمون غريب أن "ما جرى لا يمكن فصله عن التحول في المقاربة الأميركية تجاه لبنان بعد أعوام طويلة من إدارة الأزمة بدل حلها"، معتبراً أن "دخول واشنطن مباشرة على خط تثبيت وقف إطلاق النار يعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى أعلى من الاهتمام الاستراتيجي داخل الإدارة الأميركية". ويشير غريب إلى أن "الاتصالات التي قادها الرئيس ترمب شخصياً مع القيادتين اللبنانية والإسرائيلية لا تندرج في إطار تهدئة موضعية، بل في سياق محاولة فتح مسار تفاوضي طويل الأمد يعيد تنظيم العلاقة الأمنية على الحدود الجنوبية ويضع لبنان أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف موقعه داخل التوازنات الإقليمية".
ويؤكد أن "ربط وقف إطلاق النار بمسار تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل يعكس توجهاً أميركياً لإدخال بيروت في منظومة ترتيبات إقليمية أوسع، خصوصاً في ظل تزامن هذا المسار مع المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية، مما يوحي بوجود مقاربة شاملة تسعى واشنطن من خلالها إلى تخفيف بؤر التوتر في أكثر من ساحة شرق أوسطية في وقت واحد". وبرأيه، فإن "نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة الالتزامات السياسية التي تعهدتها، ولا سيما في ما يتعلق بتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية وضبط السلاح خارج إطارها، لأن أي اتفاق طويل الأمد لن يكون قابلاً للحياة من دون تثبيت مرجعية الدولة كطرف وحيد في القرارين الأمني والعسكري داخل لبنان".