Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب وتأمين مونديال 2026... مهمة تتجاوز الملاعب

يعكس الاختيار الأميركي تنامي الثقة في قدرات المملكة ويكرس انتقالها من حليف تقليدي إلى شريك وظيفي في شبكات الأمن الغربية

تمثل مشاركة المغرب في تأمين ملاعب المونديال فرصة إضافية لتعزيز التعاون الأمني بين واشنطن والرباط (رويترز)

ملخص

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق ما كشف عنه موقع البيت الأبيض، قراراً يقضي بتشكيل الفريق الأمني الذي سيعمل على تأمين تنظيم مونديال 2026، الذي ستجرى أطواره في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويضم المغرب إلى جانب دول قليلة أخرى.

لم يعد حضور المغرب في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى مجرد مساهمة تقنية عابرة، بل بات يعكس تحولاً أعمق في تموقعه داخل منظومة الأمن الدولية، فاختيار الولايات المتحدة للرباط ضمن الفريق الأمني المكلف تأمين نهائيات كأس العالم 2026 لا يندرج فقط في سياق التعاون الثنائي، بل يشي بانتقال نوعي نحو إدماج المغرب في هندسة أمنية متعددة الأطراف، تقوم على تقاسم الأدوار وإدارة الأخطار العابرة للحدود.

ففي هذا السياق، أعلن البيت الأبيض وسفارة واشنطن لدى الرباط انضمام المغرب رسمياً إلى هذا الفريق الأمني، إلى جانب عدد محدود من الدول، الشيء الذي يعكس تنامي منسوب الثقة في القدرات الأمنية المغربية، ويكرس انتقال المملكة من موقع الحليف التقليدي إلى شريك وظيفي داخل شبكات الأمن الغربية.

مراقبة التجارب المغربية

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق ما كشف عنه موقع البيت الأبيض، قراراً يقضي بتشكيل الفريق الأمني الذي سيعمل على تأمين تنظيم مونديال 2026، الذي ستجرى أطواره في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويضم المغرب إلى جانب دول قليلة أخرى.

وتشارك فرق أمنية متخصصة تمثل أجهزة أميركية سيادية، مثل وزارة الأمن الداخلي، وهي وزارة فيدرالية مسؤولة عن حماية الأمن الداخلي للولايات المتحدة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، في تأمين هذه التظاهرة الكروية العالمية.

ومن جهتها، أوردت سفارة واشنطن لدى الرباط هذا الاختيار الأميركي للمغرب، معلقة على ذلك بأن "هذه المشاركة تمثل فرصة إضافية لتعزيز التعاون الأمني بين البلدين، فضلاً عن تقاسم الشغف المشترك بالرياضة عموماً وكرة القدم على وجه الخصوص".

ويبدو أن الجانب الأميركي استند في قراره اختيار المغرب للمساهمة في تأمين مجريات وأطوار كأس العالم، التي ستقام جزئياً في الولايات المتحدة، إلى تجارب دولية سابقة للرباط، من قبيل المشاركة في تأمين ملاعب قطر لمناسبة كأس العالم عام 2022، والمساهمة أيضاً في تأمين تنظيم أولمبياد باريس لعام 2024، من خلال متخصصين في تحليل المعلومات وضباط اتصال.

وحظيت التجارب المغربية في تنظيم هذه التظاهرات الرياضية العالمية الكبرى بإشادة البلدان المستضيفة، مثل قطر وفرنسا، وحضر مسؤولون أمنيون واستخباراتيون أميركيون فعاليات كأس أفريقيا الأخيرة التي نظمتها المملكة، لمراقبة جودة وسير تنظيم هذه البطولة القارية من الناحية الأمنية واللوجيستية من كثب.

ومن المرتقب أن تتوزع المساهمة المغربية في تأمين "مونديال أميركا" بين تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الخبرات في إدارة الحشود الجماهيرية داخل الملاعب وخارجها، إلى جانب الدعم العملياتي والتقني في مجالات محددة.

رأسمال أمني

يطرح حضور المغرب في تأمين تظاهرة عالمية بحجم كأس العالم، تقام على الأراضي الأميركية، تساؤلات حول طبيعة وعمق هذه المشاركة، هل هي مساهمة تضطلع بأدوار مؤثرة في هندسة الأمن العام لهذا الحدث الرياضي الكبير، أم هي مجرد مشاركة تقنية عابرة من دون تأثير داخل المنظومة الأمنية والاستخباراتية الأميركية؟

يجيب الباحث في الدراسات الأمنية، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، محمد الطيار، بالقول إن اختيار الولايات المتحدة للمغرب يعد منعطفاً استراتيجياً يتجاوز مجرد التعاون التقني الرياضي.

ويقول الطيار "هذا القرار يضع الأجهزة الأمنية المغربية، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني، في قلب المنظومة الاستخباراتية التي ستدير أمن أضخم حدث كروي عالمي، إلى جانب الأجهزة الأمنية الأميركية".

ووفق المحلل نفسه، فإن هذا الاختيار يعكس ثقة سيادية أميركية في المدرسة الأمنية المغربية التي أثبتت نجاعتها في إدارة التظاهرات الرياضية الكبرى، وآخرها مونديال قطر 2022 وأولمبياد فرنسا، مما جعل الخبرة المغربية تعد بوصلة دولية في مجال الأمن الاستباقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتجلى الأبعاد الاستخباراتية لهذا التعاون، وفق الطيار، في رغبة واشنطن في الاستفادة من المخزون المعلوماتي المغربي في تتبع المسارات الرقمية للتهديدات العابرة للحدود وتفكيك الخلايا الإرهابية، لضمان مسارات آمنة لهذا الحدث الرياضي العالمي.

واستطرد الباحث بأن "الشراكة بين البلدين، التي تمتد إلى 250 عاماً، تتجدد اليوم من خلال نموذج الأمن التشاركي، إذ تعول الولايات المتحدة على القدرة المغربية في إدارة الحشود والتحكم في الأخطار المعقدة"، مضيفاً أن "هذا التكامل يعزز موقع الرباط كحليف استراتيجي موثوق خارج حلف الناتو، وقادر على المساهمة الفعالة في حماية الأمن القومي للشركاء الدوليين".

وذهب إلى أن "حضور المغرب في هذا الفريق الأمني النخبوي هو اعتراف بقدرته على الدمج بين الصرامة الميدانية والابتكار التكنولوجي في منظومات المراقبة، وبذلك يتحول المغرب من لاعب إقليمي إلى شريك مركزي في صياغة استراتيجيات الأمن العالمي، مما يمنح مونديال 2026 ضمانة أمنية إضافية تعزز فرص نجاحه وتألقه".

إدارة الأخطار العابرة للحدود

من جهته، رأى المحلل المتخصص في الشؤون السياسية والدولية مولاي هشام معتضد، أن اختيار المغرب ضمن دائرة محدودة من الشركاء للمساهمة في تأمين وتنظيم كأس العالم يمثل إشارة دقيقة إلى إعادة تموضع الرباط داخل هندسة الثقة الأمنية الغربية.

وأوضح معتضد أن القوى الكبرى لا تفوض مهام تأمين التظاهرات العالمية، حيث تتقاطع الأخطار الإرهابية والسيبرانية واللوجيستية، إلا للدول التي أثبتت قدرتها على الجمع بين الكفاءة العملياتية والموثوقية السياسية، وبهذا المعنى، يعكس القرار الأميركي اعتبار المملكة شريكاً مستقراً وقابلاً للاندماج في منظومات الأمن المتعددة الأطراف، وليس مجرد حليف تقليدي على الهامش.

وبخصوص الدلالات الدبلوماسية لهذا الاختيار، أورد معتضد أنها تعكس انتقال العلاقات المغربية - الأميركية من مستوى التعاون الثنائي إلى مستوى "التكامل الوظيفي" داخل شبكات الأمن الدولي، إذ إن واشنطن، التي تعيد توزيع أعباء الأمن في ظل بيئة دولية مضطربة، تبحث عن شركاء قادرين على تحمل جزء من إدارة الأخطار العابرة للحدود.

وأضاف أن المغرب، بفضل موقعه الجيوسياسي وخبرته المتراكمة في مكافحة التهديدات غير التقليدية، يقدم نفسه كفاعل إقليمي قادر على تصدير الاستقرار، وهو ما يفسر إدماجه في آليات تنسيق أمنية حساسة تتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر.

أما بخصوص الدلالات السياسية، وفق معتضد، فيعزز هذا الاختيار صورة المغرب كـ"مزود للأمن" في الفضاء المتوسطي - الأطلسي، ويمنحه رأسمالاً رمزياً إضافياً في علاقاته مع الشركاء الأوروبيين والأفارقة، ويندرج ضمن استراتيجية أميركية أوسع تقوم على بناء شبكات مرنة من الحلفاء بدل الاعتماد الحصري على التحالفات الصلبة التقليدية.

وخلص المحلل إلى أن "الاختيار الأميركي لا يعكس مجرد تقارب ظرفي، بل اعتراف ضمني بأن المغرب بات جزءاً من البنية الوظيفية لإنتاج الأمن الدولي، وهو تحول نوعي في تموقعه داخل توازنات القوة المعاصرة."

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير