ملخص
في أواخر الثمانينيات، وضع مهندس النظم الأميركي هارفي بارنارد، مقترحاً يقدم مجموعة من الأفكار الاقتصادية المتماسكة والمبنية على المنطق لإصلاح النظام المالي الأميركي، يقوم المقترح على 3 محاور تقنية هي: الضرائب والعملة والديون، إذ تضمن استبدال ضريبة الدخل بضريبة مبيعات وطنية وإلغاء الفائدة المركبة على القروض المضمونة والعودة إلى عملة ثنائية المعدن تؤدي إلى تضخم بنسبة صفر في المئة واقتصاد أكثر استقراراً.
ماذا لو استيقظت يوماً واكتشفت أن أعباءك الاقتصادية بكاملها سقطت عن كاهلك؟
لا ديون ولا ضرائب ولا فوائد، وأنك أضحيت تعيش على أرض يعم العدل أرجاءها؟
ألا يبدو هذا الكلام أقرب إلى الهلوسة منه إلى الواقع؟
في السطور التالية قصة ربما تنقلك إلى عالم أقرب إلى ضرب الخيال، في وقت ينذر كل ما حولنا بخراب قريب وانهيارات اقتصادية.
استقرار وإصلاح
في أواخر الثمانينيات، وضع مهندس النظم الأميركي هارفي بارنارد، مقترحاً يقدم مجموعة من الأفكار الاقتصادية المتماسكة والمبنية على المنطق لإصلاح النظام المالي الأميركي، يقوم المقترح على 3 محاور تقنية هي: الضرائب والعملة والديون، إذ تضمن استبدال ضريبة الدخل بضريبة مبيعات وطنية وإلغاء الفائدة المركبة على القروض المضمونة والعودة إلى عملة ثنائية المعدن تؤدي إلى تضخم بنسبة صفر في المئة واقتصاد أكثر استقراراً.
وبحسب المعلومات المتداولة طبع بارنارد ألف نسخة من مقترحه، الذي حمل عنوان "تجفيف المستنقع: إصلاح السياسة النقدية والمالية"، وأرسل نسخاً منه إلى أعضاء الكونغرس في عام 1996، معتقداً أنه سيُقر سريعاً نظراً لمزاياه.
وانطلق بارنارد من نظرية مفادها أن الدين يعيق نمو الاقتصاد وأن الفائدة المركبة هي شر أخلاقي وسبب الدين، فاستبدال ضريبة الدخل بضريبة مبيعات وطنية تقدَر بـ 14 في المئة على السلع غير الأساسية، وإلغاء الفائدة المركبة على القروض المضمونة، والعودة إلى عملة ثنائية المعدن.
إلا أن هذه المقترحات لم تُعتمد رسمياً، ولم تُطرح قط في الكونغرس، وبعدما فشلت جهود بارنارد في الحصول على الدعم السياسي، قرر في عام 2000 إتاحة مقترحه للجمهور ونشره على الإنترنت، ثم أسس معهد نيسارا في عام 2001، ونشر الطبعة الثانية من كتابه، وأعاد تسميته بعنوان "تجفيف المستنقع: قصة نيسارا- إصلاح السياسة النقدية والمالية"، ويرمز "نيسارا" (NESARA) إلى قانون التعافي والأمن الاقتصادي الوطني.
من مقترح إلى قانون
بدأ المقترح ينتشر على الإنترنت ضمن سردية ارتكزت على ادعاءات تتحدث عن إقراره بصورة سرية، روجت لها شخصية على الإنترنت زعمت أن مشروع قانون "نيسارا" ظل حبيس الأدراج في الكونغرس قبل أن يقر أخيراً في جلسة سرية في مارس (آذار) 2000 ويوقّعه الرئيس السابق بيل كلينتون.
وتفترض السردية أنه كان من المقرر تطبيقه في تمام الساعة العاشرة صباحاً من يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وادّعت أن الرئيس السابق جورج دبليو بوش دبّر هجمات 11 سبتمبر وحرب العراق لصرف الأنظار عن مشروع قانون "نيسارا"، إذ دُمِّر مقر العمل على هذا القانون في الطابق الثاني من أحد برجي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك خلال الهجمات الإرهابية.
وبذلك أعادت تلك الشخصية صياغة "نيسارا" بالكامل وحولته إلى قانون سري مع سردية كاملة، ليتجاوز وصفها لـ "نيسارا" اقتراح بارنارد بكثير، إذ ينص على إلغاء جميع الديون الشخصية وحلّ دائرة الإيرادات الداخلية وفرض انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة.
لكن ما كتبه بارنارد فعلاً كان ضريبة مبيعات وطنية بديلاً لضريبة الدخل وإلغاء الفائدة المركبة على القروض المضمونة وعملة مدعومة بالمعادن الثمينة، ووثيقة سياسات مفتوحة للنقاش العام ولم تُطرح قط كمشروع قانون رسمي.
"جيسارا"
تُرجمت تلك الوثيقة رسائلها إلى عدة لغات، وحظيت بمتابعة واسعة على الإنترنت، وفي منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، استخدم أنصار هذه النظرية اسم "جيسارا" (GESARA) كـ "نسخة عالمية"، لتوسيع نطاق إصلاحات "نيسارا" المقترحة خارج الولايات المتحدة لتشمل بقية أنحاء العالم، مع تقديم مزاعم كثيرة لا أساس لها من الصحة.
وانطلاقاً من مزاعم أنصار "جيسارا" لن تقتصر التغييرات المزعومة على الولايات المتحدة فقط، بل ستشمل جميع دول العالم، ويُروّج لذلك اليوم على أنه خطة سرية عالمية تهدف إلى إلغاء الديون الشخصية والحكومية وإعادة توزيع الثروات عالمياً وإنهاء الضرائب أو تقليلها والعودة إلى نظام مالي مدعوم بالذهب وإسقاط النخب المالية أو الدولة العميقة وإدخال عصر من السلام والازدهار.
الصحوة الكبرى
انتشرت هذه النظريات خلال فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى بين أتباع حركات متطرفة، وأشيع عن مساعي ترمب لكشف نظام مالي جديد أو إعادة العملة الأميركية إلى معيار الذهب، وهي مزاعم تتداخل مع أفكار "نيسارا" و"جيسارا".
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ظهرت حركة مؤامرة يمينية متطرفة باسم "كيو أنون" (QAnon)، وطرحت على الإنترنت مجموعة من المزاعم عن دولة عميقة تُسيطر على العالم وزمرة سرية من النخب العالمية المتورطة في استغلال الأطفال، وعن دور ترمب في ما أسمتها "الصحوة الكبرى" و"يوم حساب قادم" يقوده الأخير. والجدير بالذكر أن هذه الحركة أثرت كثيراً في الخطاب عبر الإنترنت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هنا نجد أن "نيسارا" و"كيو أنون" تشتركان بالعدو ذاته وتتفقان على البطل ذاته وكذلك على النهاية ذاتها.
إذاً ما يروَّج له اليوم مختلف تماماً عن الطرح الأول، مع إضافة وعود وهمية بتحقيق العدالة في الثروة للناس جميعاً وتحريرهم من عبودية الديون للبنوك وتوفير الطاقة المجانية والأسرار الطبية المحجوبة للجميع وتنتهي بإعلان السلام العالمي.
وعود تبيع الوهم
لا بد أن نعلم في النهاية أن طروحات كهذه لا تعدو كونها أدوات للتلاعب يحركها استغلال حالة اليأس الشائعة بين الناس، إذ تستهدف أشخاصاً يعانون من ضائقة مالية ومصابين بخيبة أمل من الأنظمة الحالية، يظنون بأن هذا النوع من الوعود ربما يفتح لهم مخرجاً من واقع بالغ البؤس، لكنه في النهاية لا يمنحهم سوى أملاً زائفاً يجعلهم عرضة للاستغلال، إذ سُجلت عمليات احتيال مالي عدة ارتبطت ارتباطاً مباشراً بـ "جيسارا".
والحقيقة أن هذا النوع من المحتوى هو في العمق مرآة لحالة مؤلمة من عدم الثقة بالمؤسسات وشعور واسع النطاق بالظلم، كذلك فإن تصديق هذه الوعود يعكس رغبة إنسانية محقة للعيش في عالم أفضل وأكثر عدلاً.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم هو: ما الذي أستطيع فعله الآن بوسائلي الحالية ضمن محيطي القريب تجاه الواقع الاقتصادي الحالي؟