ملخص
تشهد المالية العامة عالمياً ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع الدين إلى نحو 94 في المئة من الناتج العالمي، وسط توقعات ببلوغه 100 في المئة بحلول 2029.
أطلق صندوق النقد الدولي تقرير "الراصد المالي" في اليوم الثالث من اجتماعاته السنوية مع البنك الدولي في العاصمة واشنطن، بحضور مدير إدارة الشؤون المالية لصندوق النقد الدولي رودريغو فالديس.
وقال البنك الدولي في تقريره إن المالية العامة العالمية تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة تراكم الصدمات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بأزمة الطاقة، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية والحروب.
وقال الصندوق في تقريره إن الحرب في الشرق الأوسط أضافت عبئاً جديداً على اقتصادات العالم، عبر تأثيرها المباشر في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، كذلك هي تشكل ضغوطاً جديدة على المالية العامة عبر قنوات عدة: ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وتشديد الأوضاع المالية العالمية، وزيادة حالة عدم اليقين، وتباطؤ النشاط الاقتصادي وقال التقرير إن الحكومات تواجه ضغوطاً لتقديم دعم للأسر والشركات لمواجهة ارتفاع الأسعار، مما يؤدي إلى زيادة العجز المالي.
تدهور الأوضاع المالية العامة
وأشار تقرير "الراصد المالي" إلى إنه وعلى رغم إظهار الاقتصاد العالمي قدراً من الصمود، فإن أوضاع المالية العامة تدهورت بصورة ملحوظة، مع استمرار ارتفاع مستويات الدين العام وتزايد كلفة خدمته.
وقال إن تأثيرات حرب الشرق الأوسط غير متكافئة حيث تختلف آثار الأزمة بصورة كبيرة بين الدول، فالدول المستوردة للطاقة تتحمل أكبر الأعباء بسبب ارتفاع كلفة الاستيراد، أما الدول منخفضة الدخل فهي الأكثر تضرراً بسبب ضعف الموارد المالية.
ولفت إلى أن الدول المصدرة للطاقة قد تستفيد، لكن بدرجة أقل من الأزمات السابقة بسبب تعطل الإمدادات.
أخطار إضافية تهدد الاستقرار المالي
وأشار تقرير "الراصد المالي" إلى أخطار رئيسة إضافية حذر من أنها تهدد الاستقرار المالي وتشمل استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد الأوضاع المالية العالمية، وتقلبات الأسواق المالية، تصاعد التوترات التجارية، إضافة إلى اضطرابات اجتماعية داخل الدول.
وقال إن تصحيحاً محتملاً في أسواق الأصول، خصوصاً المرتبطة بالتكنولوجيا، قد يزيد من الضغوط على المالية العامة.
ووفق تقرير "الراصد المالي" لم يشهد عام 2025 تحسناً ملموساً في ديناميكيات الدين العام، فقد ارتفع الدين الحكومي العالمي إلى نحو 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بوصوله إلى 100 في المئة بحلول عام 2029، وهو مستوى لم يُسجل منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال التقرير "المشكلة لا تكمن فحسب في ارتفاع مستوى الدين، بل في المسار التصاعدي المتوقع له، نتيجة استمرار العجوزات المالية وارتفاع كلفة الاقتراض".
تغير هيكل أسواق الدين
ورصد تقرير صندوق النقد الدولي تغيراً في هيكل أسواق الدين، إذ أشار إلى أن أسواق الدين تحولات مهمة، من بينها تراجع دور البنوك المركزية كمشترين للسندات، وزيادة دور المستثمرين وصناديق التحوط، وارتفاع أخطار التقلبات المفاجئة، لافتاً إلى أن زيادة إصدار السندات الأميركية تؤثر في الأسواق العالمية وترفع كلفة الاقتراض.
ووفقاً للتقرير شهدت السنوات الأخيرة تآكلاً في الحيز المالي المتاح للحكومات، فقد تقلص الفارق بين العجز الفعلي والعجز المطلوب لاستقرار الدين إلى ما يقارب الصفر، بعد أن كان يوفر هامش أمان يتجاوز 1 في المئة من الناتج قبل عقد من الزمن.
وهذا التراجع يعكس تحولات هيكلية في السياسات المالية، مثل زيادة الإنفاق الدائم أو انخفاض الإيرادات، خصوصاً في الاقتصادات الكبرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذر التقرير من ارتفاع مدفوعات الفائدة بصورة حادة خلال فترة قصيرة، من نحو اثنين في المئة إلى نحو ثلاثة في المئة من الناتج العالمي خلال أربع سنوات فحسب، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وإعادة تمويل الديون بأسعار أعلى.
وقال الصندوق إنه ومع استمرار هذه الظروف، تصبح خدمة الدين عبئاً متزايداً على الموازنات، مما يحد من قدرة الحكومات على الإنفاق في مجالات أخرى.
الأوضاع في الاقتصادات الكبرى
وتعاني الولايات المتحدة من عجز مرتفع يتراوح بين سبعة وثمانية في المئة من الناتج، على رغم عمل الاقتصاد بالقرب من طاقته القصوى، مع توقع وصول الدين إلى 142 في المئة من الناتج بحلول 2031.
أما الصين فهي تتبنى سياسة توسعية لدعم الاقتصاد، مما أدى إلى ارتفاع العجز إلى نحو ثمانية في المئة من الناتج، مع توقع زيادة الدين إلى 127 في المئة، بينما هناك تحسن ديناميكيات الدين نسبياً في اليابان، لكن عوائد السندات ارتفعت إلى مستويات قياسية، إلا أن أوروبا تواجه ضغوطاً مزدوجة من زيادة الإنفاق الدفاعي وشيخوخة السكان، مما يفرض تحديات مالية كبيرة.
أوضاع الأسواق الناشئة والدول الفقيرة
ووفقاً للتقرير فقد استفادت بعض الأسواق الناشئة من تحسن الوصول إلى التمويل، لكن مستويات الدين لا تزال مرتفعة، مع تراجع في إصدارات الديون وارتفاع الأخطار، أما الدول منخفضة الدخل، فتواجه ضغوطاً شديدة مع ارتفاع مدفوعات الفائدة وانخفاض المساعدات الخارجية، مما يخلق فجوات تمويلية خطيرة.
وقال صندوق النقد الدولي في تقريره إن حكومات العالم تواجه تحديات معقدة تتطلب تحقيق التوازن بين دعم الاقتصاد وضبط العجز، وإدارة الدين في بيئة أسعار فائدة مرتفعة، وفي ظل التعامل مع ضغوط الإنفاق على الدفاع والطاقة والتحول الرقمي.
في الختام، أوصى التقرير أن تكون إجراءات الدعم في ظل صدمة الطاقة التي خلفتها حرب إيران موقتة، وأن تكون موجهة للفئات الأكثر تضرراً وأن تكون متوافقة مع سياسات مكافحة التضخم، محذراً من الدعم الشامل للأسعار لما له من كلفة مالية مرتفعة وتأثيرات سلبية في الأسواق.