ملخص
لم تكن الولايات المتحدة الأميركية الدولة الوحيدة في العالم التي لجأت إلى سياسة الحصار البحري كأحد الأدوات لإخضاع الخصم أو محاولة التأثير في مواقفه واتجاهاته السياسية، ويزخر التاريخ القديم والحديث بكثير من الأمثلة، لكن الأدبيات التاريخية تؤرخ لبداية عصر الحصار البحري الفعال في القرن الـ18 وتحديداً أثناء "حرب الأعوام السبعة" بين بريطانيا وفرنسا بين عامي 1756 و1763.
منذ الساعة الـ 15:00 بتوقيت غرينتش يوم الإثنين (13 أبريل/نيسان)، تفرض البحرية الأميركية حصاراً بحرياً على إيران استناداً إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب "منع جميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته"، وهو الممر المائي الإستراتيجي الذي يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، ويعد نقطة عبور رئيسة لنحو 20 في المئة من نفط العالم.
القرار الأميركي الذي جاء في أعقاب فشل جولة المفاوضات بين طهران وواشنطن في إسلام آباد، وعدم توصلهما إلى اتفاق يضع حداً للحرب بين البلدين، فتح الباب أمام الأسئلة حول كيفية تنفيذه وأهدافه وطبيعته وطول أمده وتبعاته، ولا سيما أن الجيش الأميركي لم يقدم سوي تفاصيل محدودة حول آلية تطبيق هذه العملية، فضلاً عن تأثير الخطوة في مسار المفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي توصل إليه البلدان الأسبوع الماضي.
1 ـ ماذا قال الجيش الأميركي عن الحصار؟
بعد ساعات قليلة من إعلان عدم التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن خلال المحادثات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام أباد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور له على منصة "تروث سوشيال" يوم الأحد إن البحرية الأميركية ستبدأ فوراً إحكام السيطرة على مضيق هرمز، وأنها ستعترض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسوماً لإيران، وستبدأ بتدمير الألغام التي قال إن الإيرانيين زرعوها في المضيق، مشدداً على أن "أي إيراني يطلق النار علينا أو على السفن السلمية فسيلقى به في الجحيم".
ترمب، وفق ما جاء في منشوره، ذكر أنه "في مرحلة ما" سيجري التوصل إلى اتفاق حول حرية المرور، لكن "إيران لم تسمح بحدوث ذلك بمجرد قولها 'قد يكون هناك لغم في مكان ما' وهو أمر لا يعرفه أحد سواها"، معتبراً في منشور آخر أن "إيران وعدت بفتح مضيق هرمز لكنها فشلت عن علم في القيام بذلك".
وبعد ساعات قليلة من منشورات ترمب بدا أن "القيادة المركزية الأميركية" (سنتكوم) التي تشرف على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط ضيّقت نطاق العملية يوم الإثنين، مشيرة إلى أنها ستمنع السفن التجارية من التوجه إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، وجاء في إشعار موجه إلى البحارة في المنطقة أن التفاصيل "قيد التطوير".
وبحسب ما جاء في بيان "سنتكوم" مساء أول من أمس الأحد فقد قالت إنها تعتزم فرض حظر على جميع السفن المتحركة من وإلى الموانئ الإيرانية أمس الاثنين، بداية من الـ 10:00 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تنفيذاً لقرار الرئيس دونالد ترمب، مضيفة أن الحصار "سيفرض بصورة حيادية على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بما في ذلك جميع الموانئ الإيرانية على الخليج العربي وخليج عُمان"، وأن القوات الأميركية لن تعوق حرية حركة السفن المتجهة إلى موانئ غير إيرانية أو القادمة منها، مشيرة إلى أنه سيجري تزويد البحارة التجاريين بمعلومات إضافية عبر إشعار رسمي قبل بدء الحصار.
وأمس الثلاثاء، قالت القيادة المركزية (سنتكوم)، في بيان لها، إن أكثر من 10 ألاف من البحارة ومشارة البحرية وأفراد القوات الجوية الأميركية، مدعومين بأكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية وعشرات الطائرات "ينفذون مهمة فرض حصار على السفن التي تدخل الموانئ الإيرانية أو تغادرها"، مضيفة في بيان لها أنه "خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، لم تتمكن أي سفينة من اختراق الحصار الأميركي، فيما امتثلت 6 سفن تجارية لتوجيهات القوات الأميركية بالعودة أدراجها والدخول مجدداً إلى أحد الموانئ الإيرانية الواقعة على خليج عُمان".
وذكرت (سنتكوم) أنه "يجري تطبيق هذا الحصار بشكل محايد على السفن التابعة لجميع الدول التي تدخل الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو تغادرها، بما في ذلك كافة الموانئ الإيرانية الواقعة على الخليج العربي وخليج عُمان"، مشيرة إلى أنه في المقابل "تدعم القوات الأميركية حرية الملاحة للسفن التي تعبر مضيق هرمز في طريقها من وإلى الموانئ غير الإيرانية".
2 ـ كيف يمكن تنفيذ الحصار البحري؟
يشير تعريف الحصار وفق العقيدة الأميركية إلى أنه "عملية قتالية تهدف إلى منع السفن أو الطائرات التابعة لجميع الدول، سواء كانت معادية أو محايدة، من دخول أو مغادرة موانئ أو مطارات أو مناطق ساحلية محددة تعود لدولة معادية أو تخضع لاحتلالها أو لسيطرتها"، ووفق مراقبين عسكريين وأمنيين فإن تطبيق الحصار البحري على إيران يجري عبر مراقبة وحصار الموانئ الإيرانية من خلال المدمرات البحرية باستخدام الرادارات لتتبع السفن الداخلة والخارجة، معتبرين أن الأمر يتطلب انتشاراً واسعاً للسفن الأميركية على طول الساحل الطويل لإيران، وعليه فقد تختار القيادة المركزية نشر مجموعة من المدمرات على جانبي مضيق هرمز لاعتراض السفن، مع استخدام طائرات مسيّرة لمراقبة الموانئ.
وعن آلية التنفيذ تقول صحيفة "نيويورك تايمز" إنه "عندما تصنف سفينة على أنها هدف محل اهتمام فيمكن إرسال مدمرة لاعتراضها، وبعد الاقتراب منها والدخول في مدى الرؤية ستتواصل المدمرة معها عبر جهاز اللاسلكي البحري، وتسألها وفق نموذج محدد عن وجهتها وآخر ميناء توقفت فيه، ونوع الحمولة التي تنقلها وعدد أفراد الطاقم، وفي خطوة لاحقة قد تطلب السفينة الحربية بعد ذلك السماح لفريق تفتيش بالصعود على متنها، أما في حال الرفض وتجاهل السفينة النداءات ومحاولة الهرب، فقد افرض عليها خطوات أخرى من قبل طواقم البحرية الأميركية".
وتذكر الصحيفة الأميركية أن فريق التفتيش يمكنه الاقتراب من السفينة المستهدفة باستخدام زورق صغير وربط سلم على جانبها، لكن العملية تصبح أكثر صعوبة وخطورة في البحر الهائج أو ليلاً أو إذا حاولت السفينة المناورة لتفادي التفتيش، موضحة أنه في مثل هذا الحال قد يكون اللجوء إلى استخدام المروحيات خياراً أفضل، إذ يجري إنزال الفريق بواسطة حبال سميكة إلى سطح السفينة، وهي طريقة أكثر أماناً وسرعة إذا توافرت الإمكانات والتدريب.
واستخدمت فرق من مشاة البحرية وخفر السواحل هذه الطريقة سابقاً للصعود إلى ناقلات نفط في البحر الكاريبي كانت تحمل نفطاً فنزويلياً، لكن احتجاز هذه السفن كلّف الولايات المتحدة ملايين الدولارات، وما يشير إلى مدى صعوبة التنفيذ السريع للحصار البحري على إيران تصريحات الرئيس ترمب التي نقلتها عنه شبكة "فوكس نيوز" الأميركية، عندما قال إن الحصار "سيستغرق بعض الوقت لكنه سيصبح فعالاً قريباً جداً"، واصفاً إياه بسياسة "إما الكل أو لا شيء"، ومشيراً إلى أن دول أخرى قد تشارك في فرض الحصار على المضيق، وذلك بعد أن ذكر أن البحرية الأميركية ستبدأ عملية فرض الحصار على المضيق بأثر فوري.
3 ـ لماذا لجأت واشنطن إلى هذه الخطوة؟
من وجهة نظر أميركية يمثل الحصار البحري الشامل على إيران أداة إستراتيجية لخنق اقتصادها وتعديل موقفها التفاوضي، وزيادة الضغط عليها لدفعها إلى إبرام اتفاق وفق الشروط الأميركية من خلال منع تصدير نفطها وشلّ موانئها باستخدام قدرات تقنية متقدمة، فضلاً عن تكثيف الضغط عليها لفك سيطرتها على مضيق هرمز الذي أغلقته أمام حركة الملاحة منذ اندلاع الحرب الأميركية والإسرائيلية ضدها أواخر فبراير (شباط) الماضي، وخلال الأسابيع الماضية تمكنت إيران من استخدام مضيق هرمز والتأثير في حركة الملاحة عبره كورقة ضغط على الاقتصادي العالمي، بعد أن منعت السفن بصورة انتقائية من المرور وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، فضلاً عن فرضها مبالغ مالية ضخمة على بعض السفن للسماح لها بالعبور، ومن خلال إغلاق المضيق قد يتمكن الرئيس الأميركي بسياسته من قطع مصدر مهم من إيرادات الحكومة الإيرانية، وفي تصريحاته عقب إعلان الحصار البحري على إيران، شدد الرئيس ترمب على أن بلاده لن تسمح لطهران "بجني الأموال من بيع النفط لأطراف تختارها وحرمان أطراف أخرى"، مشيراً إلى أن الهدف هو اعتماد مبدأ "إما الكل أو لا شيء" في المرور عبر هذا الممر البحري الحيوي.
وفي المقابل بدت الردود الإيرانية متشددة تجاه الخطوة معتبرة إياها "غير ذات جدوى"، فحذر مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي من أن أي محاولة أميركية لفرض حصار بحري على إيران محكوم عليها بالفشل، مثلما فشلت واشنطن في محاولة فتح مضيق هرمز، وأن القوات المسلحة لبلاده تمتلك أوراق قوة كبيرة لم تستخدم بعد، ولن تسمح لواشنطن بفرض أي حصار، على حد وصفه. وقال قائد القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني، شهرام إيراني، إن القوات البحرية ترصد جميع تحركات الجيش الأميركي في المنطقة وتبقيها تحت المراقبة، واصفاً التهديدات الأميركية بأنها "سخيفة ومثيرة للضحك".
4 ـ ماذا نعرف عن الوضع الراهن في المضيق؟
وفق ما تضمنه اتفاق وقف إطلاق النار الموقت الذي توصلت إليه كل من واشنطن وطهران في السابع من أبريل (نيسان) الجاري لمدة أسبوعين، فقد شُرط على إيران "إعادة فتح المضيق وضمان حرية المرور الأمن للسفن عبره من دون أية قيود"، ولكن مع تتبع حركة السفن المارة في هرمز خروجاً ودخولاً، والتي لم يتجاوز عددها بضع سفن، فقد أشارت تقارير عدة إلى أن السفن البحرية في المنطقة تلقت تحذيرات بصورة مستمرة تفيد بأنها ستستهدف وتدمر إذا حاولت عبور المضيق من دون إذن من الجانب الإيراني، فضلاً عن لجوء بعد السفن إلى دفع رسوم لطهران نظير العبور، وعلى مدى الأيام الثلاثة التي تلت وقف إطلاق النار، لم يجر رصد سوى 19 سفينة عبرت المضيق، وفقاً لتحليل أجرته "بي بي سي فيريفاي" لبيانات تتبع السفن من موقع "مارين ترافيك"، مشيرة إلى أن من بين هذه السفن أربع ناقلات تحمل النفط أو الغاز أو المواد الكيماوية، فيما صُنفت بقية السفن على أنها ناقلات بضائع سائبة أو سفن حاويات بمختلف أنواعها، وذلك مقارنة بمتوسط يبلغ 138 سفينة كانت تعبر المضيق يومياً قبل اندلاع الحرب.
5 ـ ما هي التبعات المحتملة للحصار على الاقتصاد العالمي؟
تتعدد وتتباين آراء المراقبين والخبراء في شأن مدى تأثير الحصار البحري في إيران وتبعاته، ولا سيما في الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة حول العالم، ففي وقت يرى بعضهم أن التأثير السريع لقرار الرئيس الأميركي فرض حصار على مضيق هرمز سيكون محدوداً جداً أمام قلة عدد السفن التي لا تزال تبحر في الممر المائي، فإن ذلك يعني أن الأمور لم تتغير كثيراً ولا سيما أن إيران تمنع الحركة في المضيق منذ أسابيع، فيما يرى آخرون أن تأثيرات عالمية سيشهدها الاقتصاد العالمي جراء الخطوة الأميركية وتتعلق بمزيد من أزمات الطاقة بفعل الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، ومنع أي سفن من الدخول إليه أو الخروج منه.
وفي اتجاه آخر، ووفق ما ذكره تحليل لوكالة "بلومبيرغ"، فإن قرار واشنطن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز "يقحم المنطقة والعالم في مرحلة جديدة وخطرة من المواجهة"، مرجحة أن تكون لها تبعات تدميرية على الاقتصاد العالمي، واستندت الوكالة الأميركية في قراءتها تلك إلى ما قالت إنه "حال من الارتباك الفوري شهدتها أسواق الطاقة العالمية عقب نشر أنباء الحصار الأميركي، إذ قفزت أسعار خام "برنت" تسعة في المئة لتصل إلى 104 دولارات للبرميل، فيما سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً قياسياً بـ 18 في المئة، وأكد خبراء اقتصاديون للوكالة أن أي تعثر في حركة الملاحة داخل المضيق الذي يمر خُمس إمدادات النفط العالمية عبره سيؤدي إلى موجة تضخم غير مسبوقة وشلل في نمو الاقتصاد العالمي.
6 ـ إلى أي مدى يمكن أن يحقق الحصار أهدافه؟
على رغم أنه حتى اللحظة لا يزال من الباكر الحديث عن مدى قدرة الجيش الأميركي على تحقيق الأهداف المرجوة من فرض الحصار البحري على إيران، وهو ما يعني أن نجاحه من فشله، سيبقي رهن التطورات وطبيعة تفاعل الأطراف الإقليمية والدولية معه، إضافة إلى الطرف الإيراني، خلال الأيام المقبلة، وفي تحليل نشرته "نيوزويك" حول الحصار على إيران، تقول المجلة الأميركية إن "خيار الحصار البحري وعلى رغم ما يحمله من ثقل عسكري وسياسي، فإنه يصطدم في الحال الإيرانية بواقع ميداني معقد يجعل تنفيذه أقرب إلى التحدي شبه المستحيل"، مشيرة إلى أن المشكلة لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة العسكرية بل بطبيعة البيئة التي تسعى إلى العمل فيها، فمضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 20 ميلاً قد يمنح إيران أفضلية جغرافية نادرة، ويرى مراقبون ومحللون عسكرين أن نجاح الحصار البحري يتطلب في المقام الأول عنصرين بارزين هما قوة وقدرة القوات البحرية للدول صاحبة القرار، ومدى خضوع الدولة المستهدفة بالحصار وحجم الدعم التي قد تتلقاه خارجياً، مما قد يؤدي دوراً بارزاً في تخفيف أو مواجهة الآثار الفورية للحصار.
7 ـ هل يغلق الحصار مسار المفاوضات؟
وفق كثير من المصادر والتقارير فإن باب التفاوض بين واشنطن وطهران لا يزال مفتوحاً، مع ترجيح أن تشهد باكستان أو عاصمة أخرى في الإقليم جولة أخرى من المحادثات بين البلدين خلال الأيام المقبلة، معتبرين أن خطوة الحصار تأتي ضمن إطار المساعي الأميركية إلى دفع طهران للقبول بشروطها وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وتتوافق هذه الاحتمالات مع توجه أميركي باستئناف التفاوض تحت الضغط، وما يشير إلى هو وصف الرئيس ترمب للمفاوضات مع الإيرانيين في باكستان بأنها "كانت ودية للغاية"، فقال في تصريحات لشبكة "فوكس نيوز" أول من أمس الأحد إن "كل النقاط التي كنا نحتاجها تقريباً" حصلت خلال المحادثات، لكنهم تعثروا في نهاية المطاف بعد أن عجزت إيران عن الالتزام بالتخلي عن طموحاتها النووية، مشيراً إلى أنه يتوقع أن تحصل الولايات المتحدة على كل ما تريده من طهران في المستقبل.
وفي الاتجاه ذاته كان إعلان نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس قبيل مغادرته باكستان أن بلاده قدمت لإيران "العرض النهائي والأفضل"، مشيراً إلى أنه سيمهل طهران بعض الوقت لدرس العرض مع التشديد في الوقت ذاته على سعي واشنطن إلى التزام أكيد من إيران بأنها لن تسعى إلى تطوير أسلحة نووية، وهو ما لم يره أثناء الاجتماع الأعلى مستوى الذي عُقد بين الطرفين منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
والثلاثاء، نقلت صحيفة "نيويورك بوست" الأميركية عن الرئيس ترمب، قوله إن جولة ثانية من المحادثات مع إيران قد تُعقد في باكستان "خلال اليومين المقبلين"، ونُقل عن ترمب قوله في مقابلة هاتفية مع مراسل الصحيفة في إسلام آباد "عليكم البقاء هناك، حقا، لأن أمرا ما قد يحدث خلال اليومين المقبلين، ونحن نميل أكثر إلى الذهاب إلى هناك".
وكان ترمب أعلن في مكالمة أولى أنه لن تُعقد محادثات أخرى في باكستان، لكنه عاود الاتصال بالصحيفة بعد دقائق ليقول إن العودة إلى إسلام آباد "مرجحة" لأن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير "يقوم بعمل رائع"، بحسب ما ذكرت الصحيفة.
8 ـ هل نفذت واشنطن حصاراً سابقاً في المنطقة؟
لم تنفذ الولايات المتحدة أي حصار مباشر مع أي من دول المنطقة، ولعل الحال الوحيدة القريبة من حال إيران الراهنة كانت الحالة العراقية بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، إلا أنه وبعكس الوضع الراهن فقد كان حصار العراق بعد عملية تحرير الكويت ضمن نظام للأمم المتحدة عرف بنظام "النفط مقابل الغذاء"، وهو الذي سمح بموجبه لبغداد بتصدير النفط شرط أن تُستخدم العائدات لمصلحة الشعب، وخلال هذه المرحلة لعبت البحرية الأميركية دوراً بارزاً في مراقبة وتفتيش السفن العراقية، وتشير الأدبيات التاريخية إلى أن السفن الحربية الأميركية كانت خلال تلك الفترة تصعد بانتظام إلى ناقلات تحاول تهريب النفط العراقي، وكانت معظم عمليات التفتيش متعاونة، أي أن السفن تمتثل، وكانت فرق صغيرة من البحارة تُنقل إلى السفن المخالفة وتوجهها إلى مناطق احتجاز في الخليج تحمل أسماء رمزية، حيث تُرسى السفن هناك قبل نقلها لاحقاً إلى موانئ يجري فيها بيع النفط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
9 ـ ما هي أبرز عمليات الحصار التي نفذتها واشنطن تاريخياً؟
على مر التاريخ استخدم الجيش الأميركي سياسة الحصار ضد كثير من خصومه حول العالم، ولا سيما في دول أميركيا اللاتينية كما حدث مع المكسيك خلال الحرب الأميركية المكسيكية (1846 - 1848) حين فرضت واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ المكسيكية مانعة بذلك عمليات التصدير والتوريد، وهو ما عمق في حينه الأزمة الاقتصادية في البلاد، لتقود واشنطن الحرب في النهاية لإجبار المكسيكيين على قبول "معاهدة غوادالوبي هيدالغو" التي جردتهم من ثلث مساحة بلادهم، ومنحت الأميركيين الأراضي التي توجد بها اليوم ولايات نيفادا وكاليفورنيا ويوتا وأريزونا ونيومكسيكو، وبعد أقل من عقدين من الحرب الأميركية - المكسيكية لجأت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى سياسة الحصار البحري لهزيمة الكونفدراليين الجنوبيين خلال الحرب الأهلية الأميركية بين عامي (1861 - 1865)، وهي الحرب التي استمرت أربعة أعوام بين الولايات المتحدة و11 ولاية جنوبية انفصلت عن الاتحاد، وشكلت الولايات الكونفدرالية الأميركية، ساوث كارولينا ومسيسيبي وفلوريدا وألاباما وجورجيا ولويزيانا وتكساس وفيرجينيا وأركنساس وتينيسي ونورث كارولينا، وفي تلك الحرب حاصرت قوات الاتحاد (الشمال) الكونفدراليين (الجنوب) عبر إستراتيجية خنق اقتصادية وعسكرية شاملة عُرفت باسم "خطة أناكوندا"، و تضمنت فرض حصار بحري خانق على الموانئ الجنوبية والسيطرة على نهر مسيسيبي مما أدى إلى استنزاف موارد الجنوب ونقص إمداداته وانهيار قدرته على القتال، وهو ما قاد إلى استسلامهم في النهاية، ، وفق ما تقول "دائرة المعارف البريطانية".
أما في العصر الحديث فكان من أشهر عمليات الحصار التي نفذتها الولايات المتحدة ضد دول أخرى عندما أمر الرئيس الأميركي جون كينيدي بفرض "حجر صحي" استمر لمدة 13 يوماً على كوبا خلال "أزمة الصواريخ" مع الاتحاد السوفياتي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025 نفذت الإدارة الأميركية الحالية حصاراً، وإن كان نفطياً بالدرجة الأولى، على فنزويلا في لتقييد تجارة النفط الفنزويلي، أحد أهم موارد الاقتصاد في البلاد، لتضيق الخناق على الرئيس السابق نيكولاس مادورو الذي نفذت القوات الأميركية عملية للقبض عليه وزوجته أوائل العام الحالي.
10 ـ ما هي أشهر عمليات الحصار في التاريخ؟
لم تكن الولايات المتحدة الأميركية الدولة الوحيدة في العالم التي لجأت إلى سياسة الحصار البحري كأحد الأدوات لإخضاع الخصم أو محاولة التأثير في مواقفه واتجاهاته السياسية، إذ يزخر التاريخ القديم والحديث بكثير من الأمثلة حول الحصار البحري، وعلى رغم أن هذا النوع سلوك قديم لجأت إليه كثير من الإمبراطوريات التاريخية ذات القدرات البحرية الكبيرة، لكن عصر الحصار البحري الفعال بدأ خلال القرن الـ18 وتحديداً أثناء "حرب الأعوام السبعة" بين بريطانيا وفرنسا (1756 - 1763)، حين أغلقت البحرية البريطانية السواحل الفرنسية مما تسبب في أزمة تجارية لباريس، اشتدت حدتها بعد تدمير السفن الفرنسية في المعارك البحرية، لينتهي الأمر بانتصار بريطانيا العظمى وتثبيت هيمنتها البحرية والاستعمارية بموجب "معاهدة باريس" عام 1763، بعد أن تنازلت فرنسا عن مستعمراتها في كندا، بينما خسرت إسبانيا حليفة فرنسا المستعمرات في كوبا والفيليبين بسبب الحصار البحري البريطاني.
وكذلك أدى الحصار البحري دوراً فعالاً خلال "معركة نافارين" عام 1827 بين الدولة العثمانية وأساطيل دول الحلفاء، بريطانيا وفرنسا وروسيا، وهي المعركة التي انتهت بتدمير الأسطول العثماني وتسببت في استقلال اليونان وبدء احتلال الجزائر، وأيضاً نجح الحصار البحري خلال الحرب العالمية الأولى في إخضاع ألمانيا للتوقيع على معاهدة الاستسلام بعد إغلاق بريطانيا لسواحلها.