Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا لو انتهت الحرب الإيرانية من دون حسم؟

باحثون يرون أن النتيجة الحتمية ليست إسقاط النظام بل إضعافه وتحجيمه فيما يذهب آخرون إلى أن إسرائيل الخاسرة إذا لم تفرض أهدافها

يبيع المسابح في أحد شوارع بيروت في الأول من أبريل عام 2026 (أ ف ب)

ملخص

ماذا لو انتهت هذه الحرب قبل أن تُحسم؟ ومن هو الطرف الأكثر تضرراً؟ وهل بقاء النظام في إيران يعني بقاء التهديد للدول العربية، وخسارة إسرائيل لـ"سياسة الردع" التي كانت تتفاخر بها في الإقليم؟ أم أن المعادلة تختلف بخسارة إيران لأبرز أوراقها المتمثلة بالأسلحة النووية والصواريخ الباليستية والجماعات المسلحة المرتبطة بها في العراق واليمن ولبنان؟

بعد أيام من بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، خرجت النتائج على خلاف التوقعات، فعلى رغم مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي من الضربة الأولى، إلا أن النظام في إيران صمد أكثر مما كان متوقعاً، بل ووسع رقعة الحرب حتى شن اعتداءات على دول الخليج العربي والأردن وتركيا، ووصل التهديد إلى سوريا، فماذا لو انتهت هذه الحرب قبل أن تُحسم؟ ومن هو الطرف الأكثر تضرراً؟ وهل بقاء النظام في إيران يعني بقاء التهديد للدول العربية، وخسارة إسرائيل لـ"سياسة الردع" التي كانت تتفاخر بها في الإقليم؟ أم أن المعادلة تختلف بخسارة إيران لأبرز أوراقها المتمثلة بالأسلحة النووية والصواريخ الباليستية والجماعات المسلحة المرتبطة بها في العراق واليمن ولبنان؟

مفهوم الحسم

يرى البرلماني الأردني عمر عياصرة، أن الإجابة عن سؤال: ماذا لو انتهت الحرب قبل أن تُحسم، ترتبط أولاً بتعريف معنى الحسم نفسه، فإذا كان المقصود به سقوط النظام الإيراني فإن الاحتمال كبير أن تنتهي الحرب قبل الوصول إلى هذه النتيجة. موضحاً "مفهوم الحسم، ليس المفهوم المركزي أو الوحيد الذي يجب اعتمادُه لتقييم نتائج الحرب أو مآلاتها، بل إن المعيار الأهم يتمثل في حجم التغييرات التي ستطرأ على البيئة الاستراتيجية في المنطقة، وفي موازين القوى الإقليمية، أكثر من اقتصار الأمر على مسألة إسقاط النظام أو بقائه".

ويضيف عياصرة، لـ"اندبندنت عربية" أن الحرب إذا انتهت قبل أن تحقق ما يصفه بـ"الحد الأدنى" من الأهداف الأميركية، أو ما يقترب من تلك الأهداف، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام عودة الحرب مرة أخرى في وقت لاحق، ومن هنا فإن مسألة انتهاء الحرب قبل حسمها لا يمكن مقاربتها إلا بعد تحديد المقصود فعلاً بالحسم. ومع ذلك، فهو يرجح أن تنتهي الحرب وقد أفضت إلى تغيير كبير في موازين القوى بالمنطقة، ولا سيما في ما يتعلق بإيران نفسها.

 

ويشرح عياصرة أن "إيران، في حال انتهت الحرب من دون إسقاط النظام، ستخرج منها أضعف على أكثر من مستوى: عسكرياً من حيث قدراتها النووية، وأضعف في قدراتها الباليستية، وأيضاً في تأثيرها ونفوذها على أذرعها الإقليمية، فضلاً عن أنها ستصبح أكثر هشاشة اقتصادياً، مما سيدفعها إلى الارتداد نحو الداخل الإيراني والدخول في أزمة داخلية جديدة مع المجتمع نفسه، وبذلك، فإن ما سيحدث هو نوع من تحييد إيران مرحلياً، أو في الأقل إضعافها إلى حد كبير. لكنه يلفت إلى أن مدة استمرار هذا "التحييد" أو الإضعاف ستعتمد على حجم ما تحقق من الحسم أو الضغط العسكري والسياسي.

وفي ما يتعلق بالنتائج التي قد تترتب على نهاية الحرب الجارية في إيران من دون حسم كامل، يرى عياصرة أن "تلك النتائج ستكون كبيرة ومؤثرة للغاية، ليس فقط على إيران، بل على مجمل المنطقة". ويعيد التأكيد على أن إيران ستخرج في هذه الحال من دائرة الصراع المباشر أو من مركز الثقل الإقليمي الذي كانت تشغله في السنوات الماضية، وهو ما قد يفتح المجال أمام إسرائيل لكي تنفرد في كثير من الملفات الإقليمية، سواء أمنياً أو سياسياً أو استراتيجياً. موضحاً أن "سلوك الدول العربية، ونشاطها في المرحلة التالية، سيتوقف إلى حد كبير على الفراغات التي ستتركها إيران في المنطقة، وعلى الطريقة التي ستسعى بها العواصم العربية إلى ملء هذا الفراغ أو التعامل معه".

أما في ما يخص الطرف الأكثر تضرراً من نهاية الحرب من دون حسم، فيرى عياصرة أن إيران وأذرعها الإقليمية ستكونان ذلك الطرف بشكل واضح وكبير. مضيفاً أن "بعض الدول العربية، وخصوصاً في الخليج، قد تتأثر مرحلياً نتيجة اضطرابات الحرب وانعكاساتها اقتصادياً، لكن هذا الضرر يبقى أقل من الضرر البنيوي الذي سيلحق بإيران، كذلك الضرر الواقع على الولايات المتحدة سيكون الأقل، وكذلك الحال بالنسبة إلى إسرائيل، قياساً بما ستتكبده إيران".

ولكن ما إذا كان انتهاء الحرب من دون حسم يعني أننا أمام هدنة موقتة فقط؟ يجيب عياصرة بأنه لا يعتقد أن المعركة ستنتهي على شكل هدنة موقتة بالمعنى المباشر، بل يرجح أن تنتهي، سواء في الوقت القريب أو بعد أشهر، عبر جلوس الأطراف إلى طاولة التفاوض. ويرى أن نتائج المعركة ستُترجم على الطاولة السياسية، وأن الاتفاق الذي قد يخرج لاحقاً سيعكس حجم التنازلات التي ستقدمها الأطراف بحسب حجم خسائرها. مشدداً على أن جميع الأطراف خسرت في هذه الحرب، بالتالي فإن الجميع سيضطر إلى تقديم تنازلات، ولكن حجم هذه التنازلات سيختلف من طرف إلى آخر تبعاً لحجم ما تكبده من كلفة وخسائر.

 

وفي شأن ما إذا كان عدم انتصار إسرائيل يعني كسر "سياسة الردع" لديها، يوضح أن عدم تحقيق إسرائيل كامل أهدافها قد يجعلها أقل قدرة على الاندفاع والتوسع بحرية في المنطقة. لكنه في المقابل يعتقد أن إسرائيل، بعد انتهاء المعركة، ستسعى إلى الذهاب باتجاه النصر عبر السردية السياسية والإعلامية، حتى لو لم تحقق جميع أهدافها العسكرية بشكل مباشر. بمعنى آخر، قد تعمل إسرائيل على إنتاج رواية نصر تعوض بها النقص في الأهداف المتحققة ميدانياً، بما يمنحها شعوراً بفائض القوة، وقد يدفعها ذلك، بحسب تقديره، إلى مزيد من التوحش أو التشدد في ملفات أخرى، سواء في سوريا أو لبنان أو الضفة الغربية.

وحول بقاء النظام الإيراني وما إذا كان ذلك يعني استمرار التهديد لأمن الدول العربية، يقدم عياصرة مقاربة مختلفة نسبياً، إذ يقول إنه يفضل بقاء النظام الإيراني على سيناريو الفوضى، ويبرر ذلك بأن الفوضى في إيران ستكون لها انعكاسات شديدة الخطر على الدول العربية، بينما الخيار الأفضل للدول العربية، في رأيه، هو بقاء نظام إيراني أقل قدرة وأضعف، وأقل قابلية على إيذاء جيرانه.

لا طرف منتصراً

لكن الباحث السياسي أحمد قربي، يذهب في مقاربته إلى أن انتهاء الحرب قبل حسمها هو في الأصل السيناريو الأكثر ترجيحاً، مشيراً إلى أنه من غير المرجح أن يكون هناك منتصر كامل بنسبة مئة في المئة. ويوضح أن ذلك يعود إلى أن الأهداف المعلنة أو المفترضة للحرب، ولا سيما من الجانب الإسرائيلي، مثل تدمير البرنامج الصاروخي بعيد المدى، ووقف البرنامج النووي الإيراني، وإيقاف المشروع الإقليمي الإيراني، بل وحتى الحديث الذي طُرح في البداية عن تغيير نظام الحكم، كلها أهداف يصعب تحقيقها بالكامل، ومن هنا يرى أن كلمة "حسم الحرب" نفسها إشكالية ومحل نقاش.

ويضيف قربي، أن الخطاب المتداول حالياً بات يركز أكثر على ملفات محددة مثل البرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة، وإيقاف المشروع الإيراني العابر للحدود عبر الميليشيات، أكثر من الحديث عن إسقاط النظام، ولذلك فهو يعتقد أن انتهاء الحرب بهذه الصيغة، أي من دون حسم نهائي وشامل، هو السيناريو المرجح فعلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالنتائج التي قد تترتب على انتهاء الحرب بهذه الطريقة، يرى قربي أن هناك نتائج كبيرة ومتشعبة على أكثر من مستوى، على مستوى الداخل الإيراني، ومستوى سياسة النظام الإيراني، والإقليم ككل، وأيضاً على مستوى الولايات المتحدة، بل وعلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة. ويشير إلى أن عدم حسم الحرب وإطالة أمدها قد يكون، في الواقع، أحد الأمور التي تعول عليها إيران حالياً، ولا سيما على المدى المتوسط.

ويشرح الباحث السياسي، أن استمرار الحرب أو التوتر في المنطقة، مع بقاء احتمال إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة، وتراجع إمدادات النفط، كلها عناصر تمثل أوراق ضغط مهمة لإيران، لأنها قادرة على التأثير في الأسواق العالمية والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، ولذلك فإن طهران، قد ترى في إطالة أمد الأزمة عاملاً يصب في مصلحتها، على عكس الولايات المتحدة التي يبدو، من خلال تصريحات مسؤوليها، أن عامل الوقت ضاغط عليها. ويشير في هذا السياق إلى أن الخطاب الأميركي أوحى بأن الحرب لن تطول كما حدث في العراق، وأنها قد تبقى في إطار أسابيع محدودة، وهو ما ظهر في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تحدث فيها عن إمكان الوصول إلى حلول قريبة.

ويتابع قربي أن من أبرز النتائج المترتبة على عدم حسم الحرب استمرار عدم الاستقرار الاقتصادي، لا سيما في ما يتعلق بأسعار النفط والطاقة. وعلى المستوى السياسي، يرى أنه قد يكون هناك احتمال لدخول بعض الدول التي حافظت حتى الآن على موقف حيادي في الحرب، من أجل الإسهام في حسم بعض الملفات أو حماية مصالحها، ومن نتائج عدم الحسم أيضاً التصعيد وكسر قواعد الاشتباك الحالية، بما قد يعني الانتقال إلى استهداف خطوط الطاقة والبنية التحتية بصورة أوسع.

ويضيف أن مسألة دخول أطراف جديدة لا تقتصر على الجانب الأميركي أو الإسرائيلي، بل قد تشمل أيضاً أطرافاً داعمة لإيران. إذ يرى أن الصين، على سبيل المثال، متضررة بشدة من هذه التطورات، وقد تلجأ، بحسب تقديره، إلى التدخل بشكل غير مباشر من خلال الدعم الاستخباراتي أو اللوجيستي لإيران. كذلك يلفت إلى أن من النتائج المحتملة أيضاً تغير أنماط الأهداف التي قد تستهدفها إيران، ليس فقط في مواجهة إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل ربما أيضاً تجاه دول أخرى في المنطقة.

وعن سؤال: ما إذا كانت نهاية الحرب من دون حسم تعني هدنة موقتة؟ يجيب قربي بأنه لا يتوقع ذلك. ويستند في هذا التقدير إلى أن ما جرى سابقاً من توقف موقت للقتال ثم استئناف الحرب مما يُظهر أن كل طرف سيحاول فرض أكبر قدر ممكن من الشروط قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض النهائية، بالتالي فإن كل طرف سيعمل على توجيه ضربات إضافية تكون حاسمة أو تقلل من أوراق الطرف الآخر قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض، وحتى إذا حدثت هدنة، فإن الولايات المتحدة ستكون الطرف الأكثر تحكماً بها.

 

لكن قربي يخالف عياصرة في تقييمه لمدى تأثر سياسة الردع الإسرائيلية. إذ يرى أن عدم انتصار إسرائيل لا يعني بالضرورة كسر سياسة الردع لديها. ويقول إنه لا يتوقع ذلك أبداً، مبرراً هذا الموقف بأن إسرائيل ما زالت القوة الأكبر على مستوى الإقليم، خصوصاً بعد إضعاف أو إنهاء أدوار أطراف يعتبرها جزءاً من المحور الإيراني مثل "حزب الله" و"الحوثيين" و"حماس"، فضلاً عن سقوط نظام بشار الأسد. ومن ثم فهو يعتبر أن أي نجاح إضافي في مواجهة إيران سيشكل بالنسبة إلى إسرائيل استكمالاً لهيمنتها الإقليمية، وأن المسألة لا تتعلق بسقوط الردع أو بقائه، بل بالفارق بين أن تكون إسرائيل القوة المطلقة أو أن تبقى قوة إقليمية معتبرة ومهيمنة.

وحول بقاء النظام الإيراني، يرى قربي أن إيران كانت ولا تزال تمثل "البعبع الأكبر" في المشروع الإقليمي، وخصوصاً من خلال برنامجها النووي ومشروعها العسكري. لكنه يشير إلى أنه إذا جرى التخلص من هذين العنصرين أو تحييدهما، فإن التهديد الوجودي الذي تمثله إيران على الدول العربية سيتراجع كثيراً. مع ذلك يستدرك بالقول إن هذا التقدير يصح إذا جرى النظر إلى إيران بوصفها قوة عسكرية وأمنية فقط، أما إذا نظرنا إليها بوصفها مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود يقوم على ولاية الفقيه، فإن الأمر يختلف. وفي هذا الإطار، يرى أن إيران، بغض النظر عن نتيجة الحرب، لن تستكين بسهولة، لأن المشروع الأيديولوجي الذي تحمله لن يتوقف بمجرد انتهاء المعركة أو تراجع بعض قدراتها.

كارثة الكوارث

أما الباحث اللبناني نضال السبع، فيتخذ موقفاً أكثر حدة وتشاؤماً، إذ يرى أن انتهاء الحرب من دون حسم سيكون بمثابة "كارثة الكوارث". ويستحضر في هذا السياق النموذج السوري، مشيراً إلى أن عدم الحسم في سوريا في 2011 و2012 أدى إلى تمديد المعركة لسنوات طويلة حتى انتهت بسقوط النظام عام 2024، ومن هنا يخلص إلى أن عدم الحسم يعني عملياً تمديد الأزمة واستمرارها، وليس إنهاءها.

ويضيف السبع أن النظام الإيراني، إذا خرج من الحرب من دون إسقاطه أو حسمها ضده، فسيشعر بأن رأسه ما زال مطلوباً، وأنه لا يزال مهدداً وجودياً، مما سيدفعه إلى أن يصبح أكثر عدوانية وأشد ميلاً إلى الرد والارتداد على دول الجوار، ولا سيما دول الخليج العربي، بالتالي فإن النتيجة المتوقعة ليست الاستقرار، بل مزيد من التوتر الإقليمي.

وفي معرض حديثه عن النتائج التي قد تترتب على انتهاء الحرب من دون حسم، يشير السبع إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضع ثلاثة أهداف رئيسة: الأول يتعلق بملف التخصيب النووي، إلى درجة أنه يلمح إلى احتمال إنزال قوات خاصة بغرض الوصول إلى مواقع التخصيب أو السيطرة عليها. أما الثاني فهو توجيه ضربات إلى البرنامج الصاروخي الإيراني، وخصوصاً الصواريخ بعيدة المدى. والهدف الثالث السيطرة على مضيق هرمز.

 

لكن الباحث اللبناني، يلفت إلى أنه حتى لو نزلت قوات إلى مضيق هرمز أو جرت محاولة للسيطرة عليه، فإن مجرد امتلاك إيران للصواريخ يجعل أية سيطرة من هذا النوع هشة وغير مضمونة، لأن سقوط صاروخ واحد فقط في المضيق قد يكون كافياً لمنع السفن من الاقتراب، وهو ما يعني تمديد الأزمة في الخليج ومعها أزمة الطاقة عالمياً. من هنا فهو يرى أن أية نهاية للحرب من دون حسم واضح ستبقي المنطقة والعالم أمام أزمة مفتوحة.

وفي تقييمه للطرف الأكثر استفادة أو تضرراً، يقول السبع إن "الرابح الأول، في حال جرى تسويق نتائج الحرب سياسياً، قد يكون بنيامين نتنياهو، الذي سيتمكن من تقديم نفسه للإسرائيليين على أنه الرجل الذي غيّر وجه الشرق الأوسط، سواء عبر ضرباته في غزة، أو استهدافه لـ(حزب الله)، أو تقليم أظافر إيران". ويرى أن نتنياهو قد يوظف هذه السردية في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. لكن في المقابل، يعتبر السبع أن الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، ستكون من بين الأكثر تضرراً، لأنها تقع في منطقة تماس مباشر مع إيران، وستكون الأكثر تعرضاً لارتدادات معركة طويلة واستنزافية في الخليج.

وفي ما يتعلق بسؤال الهدنة الموقتة، لا يعتقد السبع أننا نتجه فعلاً إلى هدنة بالمعنى المستقر، خصوصاً إذا كانت هناك قيادة إيرانية جديدة أو متشددة تحكم بدوافع الانتقام والثأر، سواء لرمزية القيادة أو للنظام نفسه. ويرى أن إيران في هذه الحال ستعمل أولاً على إعادة لملمة وضعها الداخلي، لكنها ستعود بعد ذلك لتكون أكثر عدوانية تجاه دول المنطقة، لذلك فهو يرجح أن يبقى التوتر قائماً في الخليج ما لم يحصل اتفاق واضح أو حسم حقيقي.

وفي ما يخص سياسة الردع الإسرائيلية، يذهب السبع إلى أن الردع الإسرائيلي في المنطقة يفتقر أصلاً إلى خصم إقليمي متكافئ. إذ يرى أنه بعد التحولات التي شهدتها المنطقة لم يعد هناك جيش إقليمي قادر على فرض عامل ردع حقيقي على إسرائيل، لذلك فإن الحديث عن "كسر الردع" الإسرائيلي ليس مطروحاً بقوة في ظل المعادلات الحالية، لأن إسرائيل لا تزال قادرة على استباحة الأجواء والمجالات الإقليمية من دون وجود توازن عسكري فعلي يردعها.

أما عن بقاء النظام الإيراني، فيؤكد السبع أن ذلك يعني استمرار التهديد لأمن الدول العربية، لأن إيران منذ عام 1979، وإن رفعت شعارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية أو "جيش القدس" أو "يوم القدس العالمي"، فإنها لم تتخلَّ لحظة واحدة عن فكرة تصدير الثورة وقلب الأنظمة. ويستعرض في هذا السياق النشاط الإيراني في العراق واليمن وغيرهما.

نصر عسكري أم استراتيجي؟

أما الباحث في مركز "عمران" للدراسات فاضل خانجي، فيقدم قراءة أكثر تركيزاً على الفارق بين النصر العسكري والانتصار الاستراتيجي. إذ يرى أن مسألة حسم الحرب ترتبط بشكل لصيق بالهدف الأميركي – الإسرائيلي منها. ويقول إن تحقيق تفوق عسكري ميداني على إيران، أو تكبيدها خسائر ميدانية كبيرة في المعركة الجارية، لا يعني بالضرورة ترجمة ذلك فوراً إلى انتصار استراتيجي شامل.

ويضيف خانجي أن عدم سقوط النظام الإيراني تحت وقع الضربات العسكرية غير المسبوقة لا يقلل من أهمية الخسائر الاستراتيجية الكبيرة التي تكبدتها إيران مثل انهيار أو تراجع استراتيجية "الدفاع الأمامي" عبر الميليشيات، وكذلك إضعاف مشروع تطوير القدرة النووية، وبذلك فإن هناك تمييزاً بين بقاء النظام من جهة، وتآكل ركائز قوته الإقليمية والاستراتيجية من جهة أخرى.

ويشرح أن الولايات المتحدة تراهن في هذه الحرب على سياسة الضغط العسكري الأقصى، وعلى التهديد بتدمير المنشآت الحيوية الكهربائية والنفطية، بهدف إخضاع النظام الإيراني ودفعه إلى القبول بـ"سلام أميركي الصنع". في المقابل طهران تراهن على رفع كلفة استمرار الحرب إقليمياً ودولياً، من خلال إغلاق ممر هرمز أو استهداف دول الخليج العربي، من أجل دفع واشنطن إلى إيقاف العمليات العسكرية.

ويخلص خانجي إلى أن استهداف النظام الإيراني لدول الخليج العربي سيؤدي إلى إعادة رسم مفهوم الأمن القومي الخليجي، بحيث يتمحور بصورة أوضح حول التهديد الإيراني المباشر. ويرى أن الحرب الحالية أوضحت حدود الوساطات والعلاقات الدبلوماسية والروابط الاقتصادية في إدارة العلاقة مع إيران، مما يعني أن المقاربات الأمنية التقليدية للدول الخليجية ستكون أمام مراجعة جدية.

 

أستاذ العلوم السياسية والأكاديمي هايل ودعان الدعجة، يرى أن طبيعة الحرب ذاتها، وأدواتها وأساليبها القتالية، تجعل من الصعب أن تنتهي بـحسم واضح ونهائي. ويقول لـ"اندبندنت عربية"، إنه لا يتوقع أن تنتهي الحرب بالحسم، خصوصاً أن أهدافها متقلبة ومتبدلة، بما يتيح لكل طرف أن يدعي في النهاية أنه حسمها لمصلحته. ويضيف أن هذه الحرب مهما طالت لن تخرج عن الإطار القتالي القائم حالياً، حتى لو خاضت الولايات المتحدة حرباً برية محدودة، لأن مثل هذه الحرب ستبقى محصورة في مواقع محددة قد لا تتمكن واشنطن من تعزيز سيطرتها عليها مستقبلاً، ولو احتلتها موقتاً، لأسباب ترتبط بقدرات إيران العسكرية، واتساع مساحتها الجغرافية، وتعقيد بيئتها الداخلية.

ويطرح الدعجة تصوراً مختلفاً للنتائج. إذ يرى أن من بينها عدم قيام حرب أخرى بين الأطراف نفسها مستقبلاً، وكذلك احتمال تراجع أو انتهاء قدر من الغطرسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. كذلك يذهب إلى احتمال أن نشهد بروز قوة إقليمية عربية – إسلامية، ربما في شكل محور يضم دول الخليج ومصر والأردن وباكستان وتركيا، نتيجة الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج والأردن على رغم وجود مظلة أمنية أميركية يفترض أنها تحميها. ويشرح أن هذا الواقع قد يدفع تلك الدول إلى إعادة النظر في منظومتها الأمنية والردعية، والبدء بالتفكير في الاعتماد على الذات، وربما الانضمام إلى تحالفات أخرى خارج الأطر التقليدية التي حكمت الأمن الإقليمي لعقود.

وفي ما يتعلق بالطرف الأكثر تضرراً، يخالف الدعجة عدداً من الباحثين الآخرين، إذ يرى أن الكيان الإسرائيلي قد يكون الأكثر تضرراً إذا لم يحقق أهدافه من الحرب التي خاضها إلى جانب الولايات المتحدة. ويعتبر أن مثل هذه الفرصة أو الحرب قد لا تتكرر له مستقبلاً في الظروف نفسها، بخاصة إذا برزت في الإقليم أطراف جديدة تمتلك قدرات عسكرية متطورة ونوعية للدفاع عن نفسها ضد التهديدات الإسرائيلية أو الإيرانية. ويضيف أن الدول العربية متضررة هي الأخرى، ولكنها ليست وحدها التي تدفع الثمن.

وفي ملف الردع الإسرائيلي، يقدم الدعجة موقفاً مغايراً لكل من قربي والسبع. إذ يرى أن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران و"حزب الله"، تمكنت بالفعل من اختراق المنظومات الدفاعية الإسرائيلية واستنزافها، بما جعل مختلف المناطق الإسرائيلية تحت رحمة هذه الصواريخ والنيران بدرجات متفاوتة، ومن هنا فإن هذه التطورات أضعفت بالفعل منظومة الردع الإسرائيلية واخترقتها.

أما في شأن بقاء النظام الإيراني، فيرى الدعجة أن خروج إيران من هذه الحرب من دون هزيمة واضحة، يعني أنها ستخرج أقوى وأكثر ثقة بنفسها وبقدراتها العسكرية، وهو ما سيشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، ومن هذه الزاوية فإن بعض الدول العربية ستبدأ التفكير في امتلاك قدرات عسكرية متطورة وغير تقليدية، أي الدخول في سباق تسلح إقليمي، أو في الأقل البحث عن قدرات لم تكن متاحة في السابق بفعل الضغوط الأميركية والغربية التي كانت تهدف إلى حماية أمن إسرائيل.

في المحصلة، لا يختلف الباحثون كثيراً حول أن سيناريو انتهاء الحرب من دون حسم كامل يبدو الأقرب، لكنهم يختلفون بحدة حول معنى ذلك ومآلاته. فبينما يرى بعضهم أن النتيجة الأهم ليست إسقاط النظام الإيراني بقدر ما هي إضعافه وتحجيمه، يذهب آخرون إلى أن الحرب أصلاً غير قابلة للحسم الكامل بحكم طبيعة أهدافها المتشعبة، في حين يرى طرف ثالث أن إسرائيل نفسها قد تكون من أبرز الخاسرين إذا لم تنجح في فرض نتائج الحرب كما تريد.

المزيد من تقارير