Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤشرات اقتصادية تعمق الفجوة المالية وتنذر بأزمة رواتب في العراق

يرى متخصصون أن استمرار مستويات كهذه من الإيرادات سيجعل الحكومة مضطرة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو استخدام احتياطاتها

شهد العراق خلال مارس تراجعاً حاداً في مؤشرات الاقتصاد النفطي (أ ف ب)

ملخص

تكمن خطورة مارس في أن الإيرادات النفطية لم تنخفض فقط، بل هبطت إلى مستوى بات يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الأساسية من دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية.

دخل الاقتصاد العراقي اختباراً بالغ الحساسية بعد إعلان وزارة النفط أرقام صادرات مارس (آذار) الماضي، التي كشفت عن تراجع حاد في الكميات المصدرة والإيرادات المتحققة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من انعكاسات مباشرة على قدرة الدولة على تمويل الرواتب والإنفاق العام، وسط اعتماد شبه كامل على العائدات النفطية بوصفها المورد الرئيس للخزينة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية مضطربة، إذ تؤثر التوترات الجيوسياسية في حركة الطاقة العالمية، وتعيد طرح أسئلة قديمة حول هشاشة الاقتصاد العراقي، الذي ظل عقوداً رهينة دورة النفط، صعوداً وهبوطاً، من دون أن ينجح في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على موازنة الأخطار أو امتصاص الصدمات.

فالأرقام التي أعلنتها وزارة النفط لا تقرأ بوصفها مؤشرات شهرية فقط، بل باعتبارها جرس إنذار جديداً في شأن بنية مالية تعتمد على مورد متقلب، فيما تتزايد الالتزامات الثابتة للدولة من رواتب وتقاعد ودعم وتشغيل.

أرقام مارس... صادرات محدودة وإيرادات متراجعة

بحسب بيان وزارة النفط، بلغ مجموع صادرات النفط الخام والمكثفات خلال مارس 18 مليوناً و604 آلاف و951 برميلاً، بإيرادات بلغت ملياراً و957 مليوناً و121 ألف دولار.

وتوزعت الكميات المصدرة بين حقول الوسط والجنوب التي سجلت 14.56 مليون برميل، فيما بلغت صادرات نفط إقليم كردستان العراق عبر ميناء جيهان التركي 1.27 مليون برميل، أما صادرات نفط كركوك عبر المنفذ ذاته فوصلت إلى 2.77 مليون برميل.

وعلى رغم أن الوزارة تقدم هذه البيانات شهرياً في إطار الشفافية، فإن القراءة الاقتصادية للأرقام الحالية بدت أكثر إثارة للقلق، نظراً إلى اتساع الفجوة بين الإيرادات المتحققة وحجم الالتزامات الشهرية للدولة.

لماذا تبدو الأرقام مقلقة؟

الاقتصاد العراقي لا يشبه الاقتصادات المتنوعة التي يمكنها التعويض عبر الضرائب أو الصناعة أو الصادرات غير النفطية، بل يعتمد بصورة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة العامة، إذ تمثل العائدات النفطية النسبة الكبرى من موارد الدولة.

وهذا يعني أن أي تراجع في الأسعار أو الكميات المصدرة لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل ينتقل سريعاً إلى ملفات الرواتب والخدمات والاستثمار والمشاريع العامة.

وتكمن خطورة مارس في أن الإيرادات النفطية لم تنخفض فقط، بل هبطت إلى مستوى بات يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الأساسية من دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية.

خسارة نفطية كبرى

المتخصص الاقتصادي زياد الهاشمي وصف ما حدث بأنه "خسارة نفطية كبرى"، مشيراً إلى أن العراق شهد خلال مارس تراجعاً حاداً في مؤشرات الاقتصاد النفطي.

وقال إن إجمال الصادرات انخفض بصورة كبيرة، فيما تراجعت الإيرادات إلى نحو 1.95 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها المالية العامة إذا استمر هذا المسار خلال الأشهر المقبلة.

ويرى متخصصون أن استمرار مستويات كهذه من الإيرادات سيجعل الحكومة مضطرة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو استخدام احتياطاتها المالية، أو العودة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.

أزمة الرواتب تعود إلى الواجهة

أكثر ما يثير القلق في العراق ليس تراجع الإيرادات بحد ذاته، بل ارتباط ملايين الأسر مباشرة بإنفاق الدولة، سواء عبر الرواتب أو التقاعد أو الرعاية الاجتماعية أو العقود الحكومية.

المتخصص المالي محمود داغر حذر من أن الاقتصاد العراقي أصبح أقرب إلى "اقتصاد رواتب"، أي أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب لتغطية الأجور والنفقات التشغيلية، لا لبناء مشاريع إنتاجية أو استثمارات طويلة الأمد.

وقال داغر إن الدولة تحتاج شهرياً إلى نحو 8 تريليونات دينار عراقي ما يقارب (6.15 مليار دولار شهرياً)، أي أن إيرادات مارس البالغة 1.95 مليار دولار لا تغطي سوى جزء محدود من فاتورة الرواتب والالتزامات الأساسية، مما يعني وجود فجوة تقديرية تقارب 4.2 مليار دولار في شهر واحد فقط، إذا استمرت الإيرادات عند هذا المستوى.

ماذا يعني ذلك عملياً؟

إذا لم ترتفع الإيرادات أو تستأنف الصادرات بمستويات أعلى، فإن الحكومة ستكون أمام خيارات صعبة، أبرزها الاقتراض الداخلي عبر المصارف الحكومية أو أدوات الدين، والسحب من الاحتياطات لتغطية النفقات العاجلة، وتأجيل المشاريع الاستثمارية لصالح الإنفاق التشغيلي، إلى جانب تقنين المصروفات العامة وتأجيل بعض الالتزامات، أو الاستمرار في التمويل النقدي بما قد يخلق ضغوطاً تضخمية لاحقاً.

خلل مالي مزمن

أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي يرى أن ما يحدث لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمة موقتة فقط، بل هو نتيجة تراكمات طويلة في البنية المالية العامة.

ويقول إن المشكلة الجوهرية تتمثل في أن التزامات الدولة ثابتة ومتزايدة، بينما المورد الأساس متقلب بطبيعته، فالرواتب والتقاعد والدعم لا تنخفض تلقائياً حين يهبط النفط، في حين أن الإيرادات قد تتراجع خلال أسابيع قليلة.

ويضيف أن العراق انتقل تدريجاً من مرحلة إدارة الوفرة النفطية إلى مرحلة إدارة العجز، وهو تحول بالغ الحساسية إذا لم يرافقه إصلاح حقيقي في هيكل الإنفاق ومصادر الدخل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خسائر بمليارات الدولارات

بالتوازي مع أرقام مارس، تحدثت تقديرات اقتصادية عن خسائر عراقية تقارب 8 مليارات دولار خلال 40 يوماً نتيجة تعطل أو تراجع الصادرات النفطية عبر بعض المسارات الحيوية.

ولو صحت هذه التقديرات، فإنها تعكس حجم الكلفة التي يمكن أن يتحملها بلد يعتمد على التدفق اليومي للصادرات النفطية لتمويل التزاماته الشهرية.

أين تكمن الأزمة الحقيقية؟

ليست الأزمة في مارس وحده، بل في مجموعة اختلالات تراكمت عبر أعوام، من أبرزها الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الأهم للإيرادات العامة وتضخم القطاع العام وضعف الإيرادات غير النفطية وتوجيه الجزء الأكبر من الإنفاق إلى المصروفات الجارية بدلاً من المشاريع، فضلاً عن محدودية التنويع الاقتصادي.

كيف يمكن الخروج من الحلقة المفرغة؟

يرى متخصصون أن معالجة الأزمة تتطلب مسارين موازيين، الأول عاجل يقوم على إدارة السيولة بحذر وتأمين الرواتب والخدمات الأساسية وتقليل الإنفاق غير الضروري والحفاظ على استقرار سعر الصرف.

أما المسار الثاني فهو استراتيجي، ويشمل إصلاح القطاع العام وتوسيع القاعدة الضريبية ودعم الصناعة المحلية وتنشيط الزراعة وجذب الاستثمار الخاص وتطوير قطاعات الطاقة والبتروكيماويات وبناء صناديق سيادية للطوارئ.

أثر اجتماعي وسياسي محتمل

في العراق، لا يبقى الملف الاقتصادي شأناً مالياً خالصاً، لأن الدولة هي المشغل الأكبر والممول الأوسع، لذلك فإن أي ضغوط على الرواتب أو الخدمات قد تتحول سريعاً إلى قضية اجتماعية وسياسية.

إضافة إلى أن تراجع الإنفاق الاستثماري يعني تأجيل مشاريع الطرق والمدارس والمستشفيات والإسكان، وهو ما ينعكس على فرص العمل ومستوى الخدمات العامة.

هل يمتلك العراق هامش مناورة؟

يمتلك العراق بعض عناصر القوة، منها الاحتياطات النقدية، وامتلاكه واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، وإمكان استعادة مستويات التصدير في حال تحسن الظروف.

لكن المشكلة، وفق اقتصاديين، أن هذه الهوامش تمنح الوقت فقط، ولا تقدم الحل النهائي، فكل أزمة نفطية جديدة تعيد طرح السؤال ذاته، إلى متى يبقى اقتصاد بحجم العراق مرتبطاً بمصدر واحد؟

تكشف أرقام صادرات مارس أن العراق لا يواجه تراجعاً شهرياً عابراً، بل اختباراً جديداً لنموذج اقتصادي قائم على الريع النفطي والإنفاق التشغيلي المرتفع، فحين تحتاج الدولة إلى أكثر من 6 مليارات دولار شهرياً لتغطية التزاماتها الأساسية، بينما لا تحقق سوى أقل من ملياري دولار في شهر واحد، تصبح الفجوة أكثر من مجرد رقم محاسبي.

اقرأ المزيد