Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عائدات النفط العراقية في مهب الحرب ومخاوف من أزمة رواتب

تمثل نحو 85 إلى 90٪ من إيرادات الدولة وصعوبة التصدير من خلال مضيق هرمز تعمق الأزمة

قد تلجأ الحكومة العراقية إلى خفض قيمة الدينار لحل أزمة الرواتب لكنه بالمقابل سيرفع نسبة التضخم (اندبندنت عربية)

ملخص

تمثل العائدات النفطية المورد الرئيس للعراق سواء في تمويل الموازنة أو في تحريك كل الأنشطة الاقتصادية إذ يسهم النفط في 90 في المئة من الإيرادات العامة وتشكل صادرات النفط الخام والأسود 99 في المئة من إجمال الصادرات العراقية، فاقتصاد البلاد يعتمد على الريع الخارجي، ولا يتحكم في الإنتاج النفطي ولا في أسعار النفط التي تحددها الأسواق العالمية.

متى ستنتهي الحرب وكيف ستنتهي؟ أسئلة يرددها العراقيون حالياً وهم يتزاحمون على شراء المواد الغذائية التي لا تتعرض للتلف كالبقوليات والطحين والشاي والزيوت والمواد المعلبة، وعادت ونشطت في الأسواق تجارة الإنارة التي تعمل على النفط ومن بينها الفوانيس وتلك التي تعرف محلياً بـ"اللاله" وكذلك الطباخات النفطية خشية من غياب الغاز المنزلي.

يعرف العراقيون جيداً ماذا تعني الحروب، إذ خبروها لعقود طويلة وهم يعيشون الخوف والترقب وينتظرون نتائجها التي لا تخلف إلا الرماد، ومع تحول البلاد إلى ساحة حرب مزدوجة، نسمع التساؤل المستمر "هل استعددتم للحرب؟" والاستعداد هنا يعني أن تكدس المواد الغذائية قدر ما تستطيع وأن تشتري الدواء خشية انقطاعه مع توقف الاستيراد، وأن تملأ البيت بالمنتجات النفطية فعندما يغيب الغاز تجد النفط بديلاً عنه للاستخدام المنزلي.

وفي بلد مثل العراق يعتمد على الاقتصاد الريعي ويستورد كل منتجاته، تزداد المخاوف من نتائج الحرب الدائرة الآن في المنطقة، فتوقف عمليات تصدير النفط وغلق المنافذ الحدودية وتوقف وصول المنتجات والبضائع المستوردة تعني أن الحركة التجارية ستصاب بالشلل ومن ثم تتراجع الواردات وتنخفض السيولة النقدية وتغيب الرواتب، وتكبر المخاوف من عزلة العراق الاقتصادية، بخاصة مع تعثر الملاحة في مضيق هرمز وهو المنفذ الذي تعتمد عليه البلاد في تصدير نفطها.

هل ستختفي العائدات النفطية؟

يمثل حقل الرميلة أكبر حقل نفط في العراق بطاقة تقارب 1.4 مليون برميل يومياً، وتسببت عوائق التصدير الناجمة عن صعوبات الملاحة في مضيق هرمز برفع المخزونات النفطية ضمن الموانئ الجنوبية، خصوصاً في البصرة، إلى مستويات وصفت بالحرجة، مما أجبر الشركات على تقليص الضخ لتفادي اختناقات تخزينية، إذ جاء في بيان شركة نفط البصرة موجهاً إلى إدارة تشغيل حقل الرميلة "نظراً إلى الأحداث السياسية الدولية وتوقف التحميل وارتفاع التخزين في مستودعات النفط إلى مستويات حرجة، يرجى تقليص الإنتاج والضخ بمقدار 100 في المئة من حقل الرميلة الجنوبي".

وفي هذا السياق يوضح الباحث في مجال الطاقة دريد عبدالله أن "الخفض في إنتاج النفط سيمثل قرابة 30 في المئة من الإنتاج، وعليه فإن عائدات العراق النفطية لن تتوقف بالكامل لكنها ستنخفض قرابة 1.2 مليون برميل يومياً من حقلين رئيسين في الجنوب، بينما يبلغ إنتاج العراق نحو 4 ملايين برميل يومياً".

ويقول "إذا احتسبنا سعر البرميل بنحو 70 دولاراً فإن توقف 1.2 مليون برميل يومياً يعني انخفاض الإيرادات نحو 84 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب 2.5 مليار دولار شهرياً، لذلك لن تختفي العائدات النفطية لكنها من الممكن أن تتراجع بنحو ثلث الإيرادات اليومية تقريباً إذا ما استمر خفض الإنتاج أو تعطل جزء من الصادرات".

 

ويضيف عبدالله أن "النفط يمثل نحو 85 إلى 90 في المئة من إيرادات الدولة، وأي انخفاض في الصادرات ينعكس مباشرة على دخل الموازنة، ففي حال استمرار هذا الوضع غير المستقر فإن الحكومة غالباً ستلجأ إلى الاستدانة من الداخل لتغطية النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب عبر الاقتراض من المصارف المحلية أو أدوات الدين الداخلية".

العراق يختنق مالياً

وتمثل العائدات النفطية المورد الرئيس للعراق سواء في تمويل الموازنة أو في تحريك كل الأنشطة الاقتصادية، إذ يسهم النفط في 90 في المئة من الإيرادات العامة وتشكل صادرات النفط الخام والأسود 99 في المئة من إجمال الصادرات العراقية، فاقتصاد البلاد يعتمد على الريع الخارجي، ولا يتحكم في الإنتاج النفطي ولا في أسعار النفط التي تحددها الأسواق العالمية.

ويوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل نبيل المرسومي أن تحديات الملاحة في مضيق هرمز وصعوبة تصدير النفط تزامنتا مع الشحة المالية التي يعانيها العراق حالياً بسبب الإفراط في الإنفاق العام وعدم قدرة الإيرادات العامة بما فيها الإيرادات النفطية على تغطية متطلبات الإنفاق العام، قائلاً "وجدنا في موازنة عام 2025 أن الإنفاق الفعلي وليس التخطيطي ارتفع إلى 23 تريليون دينار عراقي وهو المبلغ الأكبر في تاريخ الموازنات العراقية، ومع صعوبة تصدير النفط عبر مضيق هرمز ستختنق البلاد مالياً".

خفض قيمة الدينار العراقي

لا تقتصر المخاوف من تداعيات الحرب على العراق من توقف تصدير النفط عبر مضيق هرمز، بل تتعداه إلى الشلل الذي من الممكن أن يصيب عجلة الاقتصاد العراقي، المرسومي فإن هناك توقفاً شبه كلي في استيرادات العراق، ولا سيما في ميناء أم قصر وهو أهم منفذ بحري، ثم إن إغلاق المنفذين البرّيين عبر إيران وهما حاج عمران في السليمانية والشلامجة في البصرة أضاف عبئاً اقتصادياً آخر يتمثل في فقدان العراق الإيرادات الجمركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتزداد المخاوف من أن يتسبب تدني الإيرادات النفطية في خفض قيمة الدينار العراقي، مما يستبعده الباحث في مجال الطاقة دريد عبدالله، إذ يرى أنه من غير المتوقع حدوث خفض رسمي سريع في قيمة الدينار لأن البنك المركزي يمتلك احتياطات نقدية كبيرة تسمح له بالتدخل في السوق والحفاظ على الاستقرار النقدي، لكن انخفاض الإيرادات النفطية يضغط على تدفق الدولار إلى الاقتصاد لأن النفط يمثل نحو 85 إلى 90 في المئة من موارد العملة الصعبة في البلاد.

ماذا يعني استمرار الأزمة

ويرى المرسومي أن تداعيات الأزمة يحددها طول أمدها، فكلف الأضرار مع أنها قد تكون هائلة لكن العراق قد يتحملها إذا لم يتجاوز مدى الأزمة شهراً، أما أكثر من ذلك فيعني تضرره مالياً وفي مجال الطاقة أيضاً، موضحاً أن "توقف إنتاج الحقول النفطية عن العمل سيرفع الضغوط التقنية للحقل ولإزالتها تحتاج الحقول إلى الاستثمار مجدداً لإعادة الإنتاج ورفعه، ثم إن إيقاف إنتاج النفط يعني انخفاض الغاز المصاحب وتحويله إلى غاز جاف يستخدم كوقود في محطات الطاقة الكهربائية، مما سيزيد من ساعات قطع التيار الكهربائي، ومع إغلاق شركة ’دانا غاز‘ لحقل كورمور في قضاء جمجمال في محافظة السليمانية فقدت المنظومة الكهربائية بإقليم كردستان قرابة 300 ميغاواط".

أزمة الرواتب

أما في مجال تأثير التداعيات الاقتصادية الحالية في الرواتب، فيوضح المرسومي أن تأثير الأزمة لن يكون آنياً في الرواتب، إذ إن دورة الأصول النفطية في العراق تستكمل لمدة شهرين، بمعنى أن صادرات العراق لديسمبر (كانون الأول) يتسلمها العراق في مارس (آذار) وصادرات فبراير (شباط) يتسلمها في أبريل (نيسان)، وعليه فإن الرواتب لن تتأثر خلال هذه الأشهر بل يبدأ تأثير الأزمة في الرواتب مع مايو (أيار)".

أما الباحث في مجال الاقتصاد والطاقة بلال الخليفة، فيرى أن معظم الإيرادات النفطية تخصص للموازنة التشغيلية وأن نسبة الرواتب والإعانات والتقاعد تأخذ النسبة الأكبر منها وتصل إلى أكثر من 75 في المئة من حجم الموازنة العامة الاتحادية، ويحتاج العراق إلى أكثر من 8 تريليونات دينار شهرياً لتأمين الرواتب، وقد يكون من الصعب تأمينها مع تصاعد حدة الصراع وصعوبة التصدير عبر مضيق هرمز.

ويوضح الخليفة أن الطرق الدبلوماسية قد تسهم في إيجاد حل لهذه الأزمة، قائلاً "قد يتمكن العراق بعلاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة من سحب رصيده من العملة الصعبة بالدولار كما فعلت بغداد أثناء الحرب ضد تنظيم ’داعش‘ وانخفاض أسعار النفط في حينها كي تتجاوز الأزمة".

فقدان الدينار العراقي

ويردف الخليفة أن تأمين ما تحتاج إليه البلاد من أموال بالدولار لا يخلو من تحديات، فسيكون من الصعوبة إيجاد السيولة النقدية بالدينار العراقي، ففي الحالات الطبيعية تحصل الحكومة على الدينار عن طريق بيع العملة للتجار، لكن بعد توقف الحركة التجارية سيقل الطلب عليها، ولهذا ستحتاج بغداد إلى إيجاد حل للأزمة من خلال منح الراتب بالدولار أو إعطاء جزء من الراتب واعتبار الباقي بمثابة ادخار إجباري لحين انتهاء الأزمة.

 

ويتحدث الخليفة عن الحل الذي وصفه بالأصعب متوقعاً أن "يسهم خفض قيمة الدينار العراقي في حل أزمة الرواتب، لكنه في المقابل سيرفع التضخم إلى حد بعيد وسيلحق الضرر بالمواطن وهو خيار صعب، فالتضخم لن تنخفض مستوياته حتى بعد عودة قيمة الدينار". كذلك من الممكن أن تلجأ الحكومة لمعالجة أزمة الرواتب إلى الدين الداخلي أو بيع سندات حكومية وبالتأكيد سيزيد من حجم الدين العام.

مرونة التصدير

لا يمتلك العراق منافذ بديلة لتصدير النفط، فتنوع المنافذ يسهم في التقليل من حجم الخسائر التي قد تطاول منافذ معينة كما يذكر لنا المرسومي، إذ يوضح أن غالبية الدول النفطية تمتلك مرونة في تصدير النفط، كما هي الحال مع السعودية التي تمتلك خط أنابيب إلى البحر الأحمر وتستطيع أن تصدر 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً، وتمتلك الإمارات خط أنابيب عبر الفجيرة ومن ثم إلى عمان.

وفي هذا السياق يقول الباحث في مجال الطاقة دريد عبدالله إن العراق يعتمد أساساً على تصدير نحو 3.3 مليون برميل يومياً من موانئ الجنوب عبر الخليج ومضيق هرمز، لذلك فإن أي اضطراب في هذا المسار يؤثر مباشرة في الصادرات، كذلك يجري تصدير حالياً نحو 200 ألف برميل يومياً عبر الأنبوب الكردستاني باتجاه ميناء جيهان في تركيا، إضافة إلى كميات أقل تتجه إلى الزرقاء في الأردن.

عبدالله يشرح أن العراق وبهدف تطوير بدائل للتصدير يسعى إلى إيجاد خطوط جديدة من بينها خط "البصرة–نجف–حديثة" الذي هو في طور الإنشاء وهو مصمم ليمنح إمكاناً مستقبلياً للبلاد لضخ نفط البصرة شمالاً بقدرة إجمالية أكثر من مليوني برميل يومياً يمكن توجيهها إلى جيهان التركية أو إلى أي مسار تصدير آخر.

ويشير إلى أن هناك خطي كركوك–جيهان (القديم والجديد) اللذين تصل قدرتهما معاً إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً باتجاه الأسواق الأوروبية لكنهما متوقفان نسبياً منذ عام 2014، ومع كل أعمال الصيانة لخط كركوك-جيهان (الجديد) فهو متوقف حتى اليوم، إضافة إلى ذلك توجد مشاريع مطروحة مثل خط حديثة–بانياس عبر سوريا أو خط حديثة–العقبة عبر الأردن، وهي مشاريع تهدف إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسار الخليج ومضيق هرمز.

الأسهم النفطية

ويطرح الاقتصادي صفوان قصي الطه حلولاً أخرى تضمن وصول عائدات النفط إلى العراق في حال ارتفاع أسعاره إلى أكثر من 100 دولار أو إذا تطورت دائرة الصراع لتشمل منشآت نفطية، فضلاً عن إعاقة السفن في مضيق هرمز.

الطه يقول إنه "يمكن الاعتماد على فكرة الأسهم النفطية، إذ من الممكن للدول النفطية التي تمتلك حصة إنتاجية لا تستطيع تصديرها كالعراق مثلاً أن تطبع أسهماً نفطية وهي خزين استراتيجي للنفط العراقي في باطن الأرض يُحرر من خلال عقود نفطية على شكل أسهم تُباع إلى الدول التي تستخدم جزءاً من احتياطاتها الاستراتيجية كالصين مثلاً أو الهند أو دول الاتحاد الأوروبي لأن هذه الدول تمتلك مخزونات واحتياطات نفطية، على أن يُنقل الخزين الاستراتيجي من العراق إلى تلك الدول لاحقاً بعد انتهاء الصراع، ويمكن لهذه الأسهم النفطية أن تمول الخزانة العامة للعراق بانسيابية وتضبط أسعار النفط العالمي دون 100 دولار ولا تؤثر في الحصص النفطية لمنظمة ’أوبك‘ في الأقل خلال المراحل المقبلة".

كلفة الفرصة البديلة الإيجابية

يعول بعضهم على النقل البري للنفط كوسيلة لديمومة العائدات النفطية، ويطلق عليه كلفة الفرصة البديلة الإيجابية، إذ يشير المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح إلى أن النقل البري لحاويات النفط يشكل نسبة تراوح ما بين 10 و15 في المئة من متوسط الصادرات المارة عبر المضيق. وعلى رغم محدودية هذه النسبة، فإن ارتفاع أسعار النفط في ظروف الحرب يمنح الاقتصاد ما يمكن تسميته "كلفة الفرصة البديلة الإيجابية"، فزيادة السعر قد تعوض جزئياً انخفاض الكميات، وتحسن القيمة الإجمالية للصادرات حتى مع ارتفاع كلف النقل وتوقف أو تقليص إنتاج بعض الحقول الكبرى.

صالح طرح أيضاً حلولاً مالية للخروج من الأزمة، إذ يرى أنه يمكن للمالية العامة أن تلجأ إلى قروض مساندة قصيرة ومتوسطة الأجل وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وضبط المصاريف غير الضرورية، فضلاً عن تعظيم الموارد غير النفطية.

المزيد من تقارير