Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تغير مفهوم الصحافة في غزة

دمرت المعارك أكثر من 150 مقراً ومؤسسة إعلامية لوكالات أنباء وإذاعات وقنوات تلفزيونية

أصبح الهاتف المحمول هو الكاميرا وجهاز المونتاج ووسيلة البث الوحيدة المتبقية (أ ف ب)

ملخص

في غزة سقطت تعريفات كليات الصحافة العتيقة، غرفة الأخبار لم تعد ذلك المبنى المحصن بالأبراج والزجاج العاكس والشاشات العملاقة، لقد دفنت تلك المكاتب تحت أطنان من الركام.

تبقى "1 في المئة فقط" من بطارية هاتف الصحافي إسحاق، شريط الرفع (Upload) على شاشة هاتفه المهشمة يعمل ببطء كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، تماماً كحال المصاب الذي صوره قبل قليل في قسم الاستقبال داخل المستشفى. يقول "الهواء من حولي مشبّع برائحة البارود وغبار الأسمنت، وطنين طائرة الاستطلاع الإسرائيلية في السماء لا يفارق السمع، هذه ظروف الحرب، أما قبل القتال فكنت أجلس في غرفة الأخبار لأرسل تغطيتي".

يعتلي إسحاق أعلى درج داخل حرم مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يرفع يده بالهاتف نحو السماء، يبحث عن إشارة ضائعة خلف الغيوم أو خلف البيوت المدمرة، ويدعو ألا تنطفئ الشاشة قبل أن يرى العالم ما حدث.

فجأة، تسود الشاشة، ليس بسبب القصف هذه المرة، بل لأن البطارية استسلمت. في هذه اللحظة، يشعر الصحافي إسحاق أن العالم كله انقطع عنه وأن الحقيقة التي يحملها هاتفه باتت سجينة في جهاز ميت بين يديه، يضيف "بدل أن أجلس خلف مكتب وشاشة جهاز حاسوب متصل بالكهرباء والإنترنت، أعمل الآن في غرفة أخبار شكلها مختلف".

سقوط تعريف غرفة الأخبار

هنا في غزة سقطت تعريفات كليات الصحافة العتيقة، غرفة الأخبار لم تعد ذلك المبنى المحصن بالأبراج والزجاج العاكس والشاشات العملاقة، لقد دفنت تلك المكاتب تحت أطنان من الركام. يقول إسحاق "اليوم غرفتنا هي الخيمة رقم 4 في ساحة المستشفى، وأحياناً نعمل في المقعد الخلفي لسيارتنا المتهالكة التي تحولت إلى وحدة مونتاج، ولإعادة شحن أجهزتنا نجلس على رصيف بارد بالقرب من مقبس كهرباء، يشهد تصارع مئات الهواتف للحصول على دقيقة شحن".

بسبب القتال العسكري البري بين "حماس" وإسرائيل، خسر قطاع الإعلام والصحافة في غزة جميع مقدراته، إذ تدمر أكثر من 150 مقراً ومؤسسة إعلامية لوكالات أنباء وإذاعات وقنوات تلفزيونية، ودمر نحو 140 منزلاً لصحافيين بشكل كامل أو جزئي، كذلك فقدت مئات الكاميرات وأجهزة البث الفضائي ومعدات المونتاج، هذه الخسائر التقنية غيرت تعريف غرفة الأخبار في القطاع.

كذلك لم يعد التعريف التقليدي لغرفة الأخبار هو مكتب مجهز وشاشات عملاقة وفريق تقني، قابل للتطبيق في غزة، بل فرضت الحرب واقعاً جديداً حول مفهوم العمل الصحافي من وظيفة إلى معركة بقاء، إذ تحول الكادر الصحافي إلى نازحين في الخيام، وهذه الأقمشة هي مصنع التقرير والخبر والقصة، حتى باتت تعد غرفة الأخبار في القطاع نموذجاً استثنائياً وغير مسبوق في تاريخ الصحافة الحديثة.

يوضح إسحاق، "الحرب أعادت تعريف أدواتنا، فالديسك أصبح حقيبة ظهر تضم بقايا وصلات شحن مهترئة، ووحدة البث اختصرت في شريحة إلكترونية (eSIM) نشتري بها دقائق من التواصل لنخبر العالم أننا لا نزال نتنفس. الصحافي هنا هو المؤسسة الشاملة، هو المراسل الذي يمسح غبار الأنقاض عن وجهه قبل أن يطل على الكاميرا، وهو الفنّي الذي يصلح أسلاك الشحن بما توفر، وهو المنهك الذي يحتار كيف يكتب تقريره بضمير الضحية أو بحياد المشاهد".

قسوة شديدة

لقد أعادت الحرب تعريف غرفة الأخبار في غزة بقسوة شديدة، يقول عضو الأمانة العامة لنقابة الصحافيين الفلسطينيين وسام زغبر، "عندما اختفت غرف الأخبار المركزية نتيجة القصف والإخلاء القسري، أصبحت خيام الصحافيين في ساحات المستشفيات هي غرف الأخبار الفعلية، استبدلت الحواسيب المكتبية بالهواتف المحمولة والبطاريات المتنقلة وأصبح اللودج وهو مكان شحن الهواتف، ويعد أهم ركن في العمل".

في غرف الأخبار التقليدية، هناك فاصل بين الصحافي والحدث، لكن زغبر يضيف "داخل غزة هذا الفاصل تلاشى تماماً، اليوم يكتب الصحافي الخبر وهو نازح أو فاقد لأحد أفراد عائلته أو جائع. أيضاً غيرت الحرب مفهوم السرعة في نقل الحدث في ظل انقطاع الاتصالات المتكرر، والاعتماد على الشريحة الإلكترونية لتجاوز قطع الإنترنت أصبح مهارة أساسية داخل غرفة الأخبار".

أيضاً لم تعد كلمة "العاجل" تعني اللحظة، بحسب زغبر، وإنما تعكس لحظة الحصول على إشارة الإنترنت، مما غير ديناميكية التنافس الصحافي، وبسبب استهداف المكاتب الإعلامية الكبرى، برزت غرف أخبار فردية يقودها شباب عبر منصات التواصل. وبرز أيضاً تغير لمفهوم للسترة الواقية إذ لم تعد توفر الحماية القانونية أو الميدانية المفترضة، مما جعل غرفة الأخبار في حالة استنفار دائم وقلق وجودي، وليس مجرد ضغط عمل.

اشتباك رقمي

في ساحة المستشفى، يركض الصحافي إسحاق نحو "خيمة رقم 5" ثم يعود على أعلى درج خارجي في المستشفى، يسند ظهره على جدار بارد يصل هاتفه بـ"باور بانك" استعاره من زميل آخر، يتمتم "نحن لا نذهب إلى العمل، نحن نعيش في قلب الخبر، نغطي النزوح ونحن لا نعرف أين ستبيت عائلاتنا الليلة، ونوثق المجاعة وأمعاؤنا تصرخ من الجوع، لقد تلاشت المسافة المهنية، فالمصور قد يترك الكاميرا ليحمل جريحاً، والمحرر قد يقطع صياغة خبره ليبحث عن غالون ماء لأطفاله المختبئين في خيمة مجاورة".

تخوض غرفة الأخبار الجديدة في غزة اشتباكاً رقمياً يومياً، إنها المعركة التي يخوضها زملائي الصحافيون ضد خوارزميات تريد تغييبهم، وضد صواريخ تريد إسكاتهم، كل فيديو ينجح المصورون في رفعه، وكل "ستوري" تعبر الحدود، انتصار لغرفة أخبارنا المتنقلة على آلة المحو.

بإصرار يقول الصحافي إسحاق "قد تتدمر المكاتب وتسقط الأبراج، لكن غرفة الأخبار في غزة لن تغلق أبداً، لأنها ببساطة لم تعد مكاناً جغرافياً وأصبحت تسكن في حقائبنا وهواتفنا وإرادتنا التي ترفض أن تنطفئ شاشتها قبل إكمال الحكاية".

ما هي تحولات غرفة الأخبار؟

يقول مدير نقابة الصحافيين في غزة لؤي الغول، "بدلاً من المقرات الثابتة، تحولت غرفة الأخبار إلى كيانات مشتتة جغرافياً، كما لم يعد هناك رئيس تحرير يجلس في مكتب مركزي، بل أصبح كل صحافي بمثابة غرفة أخبار مستقلة يعمل من خيمته أو من زاوية أحد المستشفيات".

ويضيف "بسبب فقدان المصور والمونتير ومهندس البث أعيد تعريف الصحافي ليكون هو المصور والمحرر وناشر المحتوى في آن واحد باستخدام هاتفه فقط، كذلك أعيد تعريف الغرفة لتكون جزءاً من الحدث لا مراقباً له، مما جعل الأمر أقل موضوعية التي تقتضي المسافة. لذلك أصبح من الطبيعي أن يبدأ المراسل تقريره بوصف نزوحه الشخصي أو فقدانه منزله قبل الانتقال للخبر العام".

يوضح الغول أنه بعد تدمير أجهزة البث الفضائي والكاميرات، جرى اعتماد تكنولوجيا الضرورة، فأصبحت الشريحة الإلكترونية والبحث عن إشارة فوق تلة أو مبنى مدمر هي التعريف الجديد لوحدة البث، واستبدلت برامج المونتاج المعقدة بتطبيقات سريعة لضمان وصول الخبر قبل انقطاع الإنترنت أو القصف.

ويشير الغول إلى أنه في الميدان اضطر الصحافيون إلى ابتكار أماكن عمل بديلة لم تخضع يوماً لتعريف المهنة التقليدي، حيث أصبحت مناطق النزوح هي العواصم الإعلامية الجديدة، ومخيمات الصحافة في ساحات المستشفيات هي "ديسك أخبار" يضم عشرات الصحافيين من مختلف الوكالات يتشاركون في وصلات الإنترنت القليلة المتاحة.

ويبين أنه بسبب انقطاع الإنترنت أضيف تعريف جديد لمكان العمل وهو نقطة الإشارة، حيث يضطر الصحافيون للوقوف فوق أنقاض المنازل المرتفعة أو التلال لمحاولة التقاط إشارة إنترنت من شرائح الـ eSIMأو الشبكات المجاورة. هذه المقرات هي الأكثر خطورة لأنها تجعل الصحافي مكشوفاً تماماً للطائرات المسيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدائل الخسائر

خسرت الصحافة في غزة معدات البث الفضائي والميداني، وسيارات البث المباشر وأجهزة البث عبر الإنترنت وأطباق الاستقبال والإرسال والكاميرات الاحترافية ووحدات المونتاج وسيرفرات الأرشفة واستوديوهات الصوت وأجهزة الإرسال الإذاعي. وترك ذلك أثراً مهنياً شديد التعقيد، إذ أصبح الهاتف المحمول هو الكاميرا وجهاز المونتاج ووسيلة البث الوحيدة المتبقية، وباتت أدوات الطاقة هي شريان الحياة حتى إن البحث عن الطاقة يسبق البحث عن الخبر.

تقول الصحافية منى مهدي "غياب المعدات وغرفة الأخبار الميدانية فجرت نوعاً جديداً من إبداع الضرورة أو ما يمكن تسميته إبداع النجاة. عندما تغيب المعدات، يضطر الصحافي منا لابتكار طرق تقنية بديلة، وهذا بحد ذاته نوع من الإبداع، إن استخدام الهاتف المحمول بدلاً من الكاميرا أتاح للصحافيين الوصول لزوايا ضيقة مما خلق لغة بصرية جديدة وأكثر واقعية".

وتضيف مهدي، "التحديات التي تواجه الصحافيين في غزة اليوم تتجاوز المفهوم المهني لصعوبات العمل، فهي مزيج من صراع البقاء الجسدي والانهيار النفسي والعجز التقني. هناك تحديات أمنية وجسدية، إذ إن إعادة تعريف غرفة الأخبار لتكون في المستشفيات أو الخيام لم توفر الحماية بل جعلت من الصحافيين أهدافاً سهلة في أماكن مكشوفة".

توضح مهدي أن الرسالة المهمة من هذا التحول هي أن الصحافة أصبحت أداة لإثبات الوجود وأن الصحافي هو المؤسسة وليس المكتب، وأن الأنسنة هي المعيار الجديد للموضوعية، مشيرة إلى أن الكلمة لا تموت بموت قائلها والصورة لا تنطفئ بهدم الأستوديو وتستمر حتى بأبسط المعدات.

عقيدة قوية

"جريمة ممنهجة للتعتيم وتدمير البنية التحتية للحقيقة" هكذا ترى نقابة الصحافيين الفلسطينيين ما حدث لغرف الأخبار في غزة. يقول نقيب الصحافيين ناصر أبو بكر "استهداف أكثر من 150 مؤسسة إعلامية هو سياسة إسرائيلية متعمدة لإنهاء وجود غرفة الأخبار كمؤسسة منظمة، هذا يهدف إلى تحويل العمل الصحافي من عمل مؤسسي محمي قانونياً إلى مبادرات فردية يسهل استهدافها وشيطنتها تحت مسميات أمنية".

ويضيف، "تفتخر النقابة بتحول ساحات المستشفيات والخيام إلى غرف أخبار بديلة، وتعتبر ذلك أعظم معركة صمود مهني في تاريخ الصحافة العالمية، غرفة الأخبار اليوم هي حيثما وجد الصحافي وهاتفه، وتعمل النقابة على توفير ما يمكن من دعم لوجيستي لتعزيز هذا التعريف الجديد".

ويوضح أبو بكر أن صحافة البقاء أثبتت أن عقيدة الصحافي الفلسطيني أقوى من التكنولوجيا المدمرة، إذ يكتب الإعلامي خبره بدمه وجوعه ونزوحه، والهدف من تدمير غرف الأخبار التقليدية التعتيم الإعلامي، محاولات إغلاق غرف الأخبار في غزة عبر القتل والتدمير فشلت الآن، فكل خيمة نزوح هي مكتب إعلامي، وكل هاتف هو قناة فضائية. لقد انتصرت إرادة الصحافي الفلسطيني في إعادة تعريف الميدان ليكون كله غرفة أخبار مفتوحة على العالم.

يعترف الاتحاد الدولي للصحافيين بواقع الصحافة الجديد في غزة، يقول أمينه العام أنطوني بيلانجر "الصحافيون في غزة أعادوا صياغة مفهوم غرفة الأخبار تحت النار، ما يفعلونه ليس مجرد تغطية إخبارية إنهم يعيدون تعريف معنى الإرادة المهنية. استهداف الأبراج والمكاتب الإعلامية هو محاولة لقطع لسان غزة، لكن رد الصحافيين بتحويل الشوارع والمستشفيات إلى غرف أخبار مفتوحة، أثبت فشل هذه الاستراتيجية".

تبريرات إسرائيل

لإسرائيل تبريرات حول تدمير المقار الإعلامية، ففي تصريح له يقول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، "الفصائل الفلسطينية تستخدم مكاتب داخل هذه البنايات والمكاتب الصحافية لأغراض الاستخبارات العسكرية ووضع أجهزة تشويش واتصالات فوق أسطحها، مما يحول المبنى كاملاً إلى هدف عسكري مشروع".

ويضيف، "نحن نواجه آلة دعائية ضخمة تعمل من قلب غزة وتستخدم المكاتب الإعلامية كدروع بشرية لنشاطات إرهابية. تدمير هذه المقرات ضرورة أمنية لتعطيل قدرات العدو، كذلك لا يمكننا السماح لمنصات إعلامية تعمل كبوق لـ‘حماس‘ ومحرك للتحريض بتهديد أمننا".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير