ملخص
في ثنايا المشهد القاتم، يكمن السؤال الإنساني الأكثر إلحاحاً، من ينقذ السودان من هذا المسار، ومن يعيد الأمل لشعب أنهكته الحرب، وهل لا يزال هناك فرصة لالتقاط خيط العودة إلى الحياة؟
أفرزت 3 سنوات من القتال في السودان واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، حيث يتداخل الجوع والنزوح والعنف والانهيار المؤسسي مع أزمة نفسية عميقة، مما يجعل معاناة السودانيين ممتدة في كل تفاصيل حياتهم اليومية.
منذ اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في الـ15 من أبريل (نيسان) عام 2023، ظل التساؤل الملح حول من يتحمل مسؤولية هذا الانحدار الإنساني العميق يتكرر بقوة؟ وبعد ثلاث سنوات، تتكاثر الأسئلة حول من يملك الإرادة والقدرة على وقف نزف المعاناة، وهل يمكن للسودانيين بعد كل ما شهدوه من دمار وتشريد أن يستعيدوا يوماً ما إيقاع حياة طبيعية فقدت ملامحها؟
لقد تحولت البلاد، منذ اندلاع الصراع إلى مسرح مفتوح لأزمة مركبة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال بنية الدولة والمجتمع على حد سواء. خلال هذه السنوات الثلاث، لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت واقعاً إنسانياً مأسوياً غير مسبوق، حيث أسهمت العوامل الداخلية مع عجز واضح للمجتمع الدولي عن فرض أي مسار جاد لوقف إطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية ذات صدقية. وقد دفعت هذه الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد واللجوء إلى دول الجوار، في وقت يواجه كثر خطر المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، مع انتشار واسع للأوبئة وتراجع حاد في خدمات الرعاية الصحية، وانقطاع المياه والكهرباء في مناطق واسعة. وقد وصفت الأمم المتحدة هذه الكارثة بأنها تمثل "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، في ظل فجوة تمويلية كبيرة تعيق إيصال المساعدات وتفاقم معاناة المدنيين.
وفي الوقت الذي تتسارع التحولات الميدانية وتتعقد أنماط القتال، تتسع رقعة الدمار لتشمل المدن والبنى التحتية ومصادر العيش، مما أدى إلى انهيار متسارع لمؤسسات الدولة التقليدية. ومع تصاعد وتيرة العنف وتحول طبيعة الصراع إلى أنماط أكثر تشظياً واستهدافاً، تبدو البلاد وكأنها تنزلق نحو حرب طويلة الأمد، تتآكل خلالها قدرات الحكم وتتعمق الانقسامات المجتمعية.
وتواكب هذا المسار أزمة إنسانية خانقة تتجلى في معاناة يومية للسكان، حيث يعجز الملايين عن الحصول على أبسط مقومات الحياة، وتنهار قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وشلل إداري واسع يمتد عبر مختلف الأقاليم. وعلى رغم بروز تحركات دولية متجددة، بما في ذلك مؤتمرات مرتقبة لمحاولة كسر الجمود، فإن فرص تحقيق اختراق حقيقي لا تزال محفوفة بالشكوك. وفي ثنايا هذا المشهد القاتم، يكمن السؤال الإنساني الأكثر إلحاحاً، من ينقذ السودان من هذا المسار، ومن يعيد الأمل لشعب أنهكته الحرب، وهل لا تزال هناك فرصة لالتقاط خيط العودة إلى الحياة؟
موجات نزوح
تجسد موجات النزوح في السودان أحد أكثر تجليات الحرب قسوة وتعقيداً، حيث لم يعد النزوح مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تحول إلى تجربة يومية من المعاناة المركبة التي تطال كل تفاصيل الحياة. فمنذ اندلاع الصراع، أُجبر ما بين 12 و15 مليون شخص على الفرار من منازلهم، في ما تصفه تقارير دولية بأنه أكبر وأسرع أزمة نزوح في العالم، مع وجود نحو 13.6 مليون نازح حالياً داخل البلاد وخارجها.
وفي ولاية النيل الأزرق وحدها، كشفت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للأمم المتحدة، أخيراً، عن ارتفاع عدد النازحين إلى 28020 شخصاً خلال أيام قليلة، بزيادة 18 في المئة، حيث توزعت موجات النزوح من مناطق باو حوالى 13130، والكرمك حوالى 10310، وقيسان حوالى 4580، ليستقر معظمهم في مناطق مثل الدمازين حوالى 12895 نازحاً. ويعكس واقع الإيواء حجم المأساة، إذ يعيش 87 في المئة منهم في تجمعات عشوائية، بينما لجأ تسعة في المئة إلى مدارس ومبان عامة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
هذه الأرقام تترجم إلى وقائع إنسانية قاسية، إذ يروي نازحون فروا من دارفور والنيل الأزرق أنهم اضطروا للسير أياماً في طرق محفوفة بالأخطار، حيث تنتشر نقاط التفتيش والنهب، في وقت فقد كثر أفراداً من أسرهم خلال الرحلة. وفي معسكرات مثل زمزم ودارفور، وثقت شهادات ميدانية وصول عائلات بعد أن شهدت القتل أو فقدت كل ممتلكاتها، في حين تعيش آلاف الأسر في خيام بدائية أو تحت أغطية بلاستيكية، مع نقص حاد في الغذاء والمياه.
وتتفاقم المأساة داخل مواقع النزوح نفسها، إذ تحولت المدارس إلى ملاجئ مكتظة، حيث يتجاوز عدد الطلاب أحياناً 100 طالب لكل معلم في بيئات اللجوء خارج السودان، بينما يُحرم نحو 19 مليون طفل من التعليم، أو يتلقونه في ظروف غير إنسانية.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الفقر والحرمان، بل تمتد إلى انعدام الأمان حتى داخل مراكز النزوح، التي تعرض بعضها لهجمات مباشرة، كما حدث في دارفور حيث قُتل مدنيون داخل مراكز إيواء. وفي ظل هذا الواقع، تبدو تجربة النزوح في السودان أقرب إلى حلقة مستمرة من الخسارة، خسارة المأوى، والتعليم، والأمان، من دون أفق واضح لنهاية قريبة.
مواجهة مع الموت
تتجلى معاناة أخرى عبر تفشي الجوع والأمراض، وانهيار منظومة الرعاية الصحية، بما جعل الحياة اليومية صراعاً من أجل البقاء. فوفق تقديرات برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 25 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في وقت تأكدت المجاعة في مناطق عدة، مع اتساع رقعتها تدريجاً. وقد أدى التضخم المرتبط بالحرب إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تصل إلى 300 في المئة في بعض المناطق، مما جعل الحصول على وجبة يومية أمراً بالغ الصعوبة لملايين الأسر.
الأطفال هم الأكثر تضرراً في هذه الكارثة، إذ يعاني نحو 4 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 770 ألف طفل مهددون بالموت جوعاً في حال عدم تلقي العلاج. وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن نحو 15 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة. كما أن الطفل الذي يعاني سوء التغذية الحاد يصبح أكثر عرضة للوفاة بما يصل إلى 11 أو 12 ضعفاً بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، مثل الكوليرا والإسهالات، التي عادت للانتشار مع انهيار خدمات المياه والصرف الصحي.
ولا تقف هذه المعاناة عند حدود الداخل السوداني، بل تمتد إلى دول الجوار، حيث يعيش مئات الآلاف من اللاجئين أوضاعاً لا تقل قسوة، فقد أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنها لا تستطيع مساعدة سوى أربعة من كل 10 لاجئين في تشاد، مما يترك أعداداً كبيرة بلا مأوى أو دعم كاف. وفي بعض مخيمات شمال شرقي تشاد، يعيش اللاجئون على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي من المياه، بينما تضم الفصول الدراسية أكثر من 100 طفل لكل معلم، في بيئة تعليمية شديدة الهشاشة. كما وصف المجلس النرويجي للاجئين مستويات الجوع هناك بأنها "شديدة"، مشيراً إلى أن 70 في المئة من أسر اللاجئين اضطرت إلى تقليص وجباتها خلال شهر واحد فقط، في مؤشر واضح إلى عمق الأزمة الغذائية.
وتتفاقم هذه الأزمة مع الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي، نتيجة الاستهداف المباشر للمرافق الطبية والمستشفيات وتشريد الكوادر الطبية نفسها، حيث جرى إخلاء الأطباء والممرضين وتوزيعهم على مراكز صحية صغيرة تفتقر للإمكانات. ومع استهداف متكرر للمستشفيات ومحيطها، أصبح العمل الطبي محفوفاً بالأخطار، مما دفع عديداً من الكوادر إلى النزوح أو التوقف عن العمل. وبين الجوع المتفشي، والأمراض المنتشرة، وانعدام العلاج، يجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة يومية مع خطر الموت، في ظل واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في العالم.
أزمة صامتة
لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على الخسائر المادية والبشرية، بل امتدت لتطال البنية النفسية للمجتمع، مخلفة ما يصفه مختصون بـ"الأزمة الصامتة". فالتعرض المستمر للقصف، والنزوح، وفقدان الأحبة، خلق بيئة نفسية مثقلة بالخوف والقلق والصدمة. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 22 في المئة من المتأثرين بالنزاعات يعانون اضطرابات نفسية، في وقت يعاني واحد من كل 11 شخصاً من حالات متوسطة إلى شديدة، وهو ما ينطبق بشكل حاد على الحالة السودانية.
وتؤكد دراسات ميدانية أُجريت أخيراً في الخرطوم أن 36.2 في المئة من السكان أظهروا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بينما بلغ معدل الاكتئاب 58.7 في المئة، في مؤشر إلى حجم التأثير النفسي العميق للحرب. وأظهرت دراسات أخرى أن 38 في المئة من النازحين، و51 في المئة من النساء، يعانون أعراضاً مماثلة، مما يعكس هشاشة الفئات الأكثر عرضة للخطر، خصوصاً الأطفال والنساء.
على المستوى الميداني، تعكس تجارب الكوادر الصحية حجم التحدي، ففي مستشفى "التيجاني الماحي"، الذي يُعد من أقدم مراكز الطب النفسي في المنطقة، أعيد فتح أبوابه جزئياً على رغم تعرضه للنهب والتدمير. وتقول مديرته مي يوسف إن المستشفى، الذي فقد معداته الأساسية، يستقبل حالياً ما بين 60 و70 مريضاً يومياً، معظمهم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب وإدمان المخدرات، خصوصاً بين الشباب الذين عادوا من النزوح وهم يحملون آثاراً نفسية عميقة. وتشير إلى أن الحرب غيرت نظرة المجتمع، إذ بدأ السودانيون يتقبلون العلاج النفسي بعد أن كان محاطاً بوصمة اجتماعية.
وفي مستشفى "النور" التعليمي، توضح اختصاصية علم النفس خديجة حبيب أن وحدة الطب النفسي التي أُنشئت بعد اندلاع الحرب تستقبل ما بين 60 و90 حالة أسبوعياً، تقدم لهم خدمات الإرشاد والعلاج، إضافة إلى دعم الأطفال المتأثرين بالألغام. وتشير إلى أن الفرق الطبية باتت تعمل داخل مراكز الإيواء لتقديم الدعم النفسي المباشر للنازحين.
أما على مستوى السياسات، فقد أقرت وزارة الصحة السودانية بوجود ارتفاع حاد في الاضطرابات النفسية، وأعلنت عن خطط لإعادة تأهيل المرافق وتوسيع خدمات الدعم النفسي، على رغم التحديات المرتبطة بنقص الموارد. ويؤكد مختصون أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب نهجاً متكاملاً، يشمل دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الأولية، وتعزيز دور المدارس والمساجد والمجتمع المدني في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
ومع أن المبادرات المحلية تلعب دوراً متزايداً، من خلال جلسات الدعم الجماعي، وبرامج التوعية، وتقديم المساعدة للفئات الأكثر هشاشة، غير أن حجم الأزمة يتجاوز هذه الجهود، مما يستدعي استجابة وطنية ودولية أوسع، تضع الصحة النفسية في صلب أولويات التعافي، باعتبارها شرطاً أساساً لاستعادة تماسك المجتمع السوداني بعد الحرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فوضى أمنية
أفرزت الحرب واقعاً أمنياً هشاً زاد من تعقيد المعاناة الإنسانية، حيث لم يعد الخطر مقتصراً على جبهات القتال، بل امتد إلى الحياة اليومية للمدنيين، في ظل انهيار مؤسسات إنفاذ القانون وتفكك منظومة الأمن المجتمعي. وقد أدى هذا الفراغ إلى تصاعد معدلات الجريمة والعنف، بما في ذلك النهب المسلح، والقتل، والاختطاف، مما جعل كثيرين من السودانيين يعيشون في حال خوف دائمة حتى داخل مناطق نزوحهم. وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ارتفاع حاد في العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث يُقدر أن نحو 6.7 مليون شخص معرضون لخطر هذا النوع من العنف، في حين ارتفعت حالات القتل والعنف الجنسي وتجنيد الأطفال بنسبة تصل إلى 500 في المئة منذ اندلاع الحرب. وتعد النساء والفتيات الأكثر تضرراً، إذ وثقت شهادات عديدة تعرضهن للاغتصاب والتحرش والاختطاف، سواء خلال محاولات الفرار من مناطق القتال أو داخل مخيمات النزوح، حيث تغيب الحماية الكافية.
في هذا السياق، حذرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من أن أطراف النزاع تستهدف المدنيين عمداً، وترتكب انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل الجماعي والاضطهاد. وتظهر هذه الانتهاكات بصورة واضحة في مناطق مثل دارفور، حيث شهدت مدن وقرى عمليات نهب واسعة النطاق للمنازل والأسواق، إلى جانب تدمير الممتلكات وفقدان الوثائق الرسمية، مما زاد من هشاشة السكان وأعاق قدرتهم على إعادة بناء حياتهم.
كما انعكست هذه الفوضى الأمنية على النسيج الاجتماعي، حيث تصاعدت خطابات الكراهية والانقسامات القبلية، في ظل انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة. وأدى ذلك إلى تفكك الروابط المجتمعية وتآكل الثقة بين الأفراد، مما جعل حتى المجتمعات المضيفة للنازحين تعاني ضغوطاً أمنية واجتماعية متزايدة.
ويواجه السودانيون أخطار الاستغلال والعنف حتى في مخيمات الدول المجاورة، في ظل ضعف الحماية. وفي ظل هذا المشهد، تصبح معاناة السودانيين متعددة الأبعاد، خوفاً دائماً، وانعداماً للأمان، وتهديداً مستمراً للحياة والكرامة، مما يعكس كيف تحولت الحرب من صراع عسكري إلى أزمة أمن إنساني شامل، تتداخل فيها الجريمة بالعنف المنظم، وتغيب فيها الحماية في أكثر لحظات الحاجة إليها.
معاناة ممتدة
أفرزت ثلاث سنوات من القتال في السودان واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، إذ يتداخل الجوع والنزوح والعنف والانهيار المؤسسي مع أزمة نفسية عميقة، مما يجعل معاناة السودانيين ممتدة في كل تفاصيل حياتهم اليومية. ومع غياب المساءلة، يسود شعور واسع بالإفلات من العقاب، وتآكل الإحساس بالعدالة والكرامة، في ظل استهداف المدنيين وتدمير سبل عيشهم.
تشير تقديرات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الصراع يتجه نحو نمط طويل الأمد من "حرب الاستنزاف"، مع غياب أفق سياسي واضح، واستمرار الانقسامات الميدانية وتكريس مناطق نفوذ متباينة. وإذا استمرت المعطيات الحالية من دون تغيير جوهري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في مزيد من التصعيد، عبر توسع الاغتيالات داخل المدن، وتزايد استهداف البنى التحتية الحيوية، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، بما يعمق احتمالات تحول السودان إلى حالة ممتدة من الحرب الطويلة من دون حسم.
ويُتوقع أن تتفاقم التداعيات الإنسانية بصورة أوسع، مع اتساع رقعة المجاعة، وتدهور ما تبقى من الخدمات الأساسية، وازدياد موجات النزوح داخلياً وخارجياً، مما يفرض ضغوطاً إضافية على دول الجوار ويهدد باستنزاف قدراتها. وفي الداخل، قد يقود استمرار الحرب إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة، وترسيخ اقتصاد الحرب، وتنامي نفوذ الفاعلين المسلحين المحليين، بما يضعف أي إمكانية قريبة لاستعادة وحدة الدولة أو إعادة بناء مؤسساتها على أسس مستقرة.
وعلى رغم هذا المشهد شديد القتامة، تظل التحركات الدولية، وفي مقدمها مؤتمر برلين حول السودان، محاولة لفتح نافذة سياسية وإنسانية في جدار الأزمة. وفي هذا السياق، عُقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأحد، لقاء تحضيري بمشاركة نحو 40 شخصية من قوى سياسية ومدنية، بدعوة من الآلية الخماسية الراعية للجانب المدني للمؤتمر، التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية. ومن المقرر أن ينتقل المشاركون من أديس أبابا إلى برلين للمشاركة في النسخة الثالثة من المؤتمر، المقرر عقده منتصف أبريل الحالي، بهدف حشد الدعم الإنساني للمتضررين من الحرب ودفع جهود تسوية الأزمة السودانية. غير أن فاعلية هذه الجهود تبقى مرتبطة بمدى قدرتها على تجاوز الخلافات حول التمثيل والسيادة وتحويل التوافقات العامة إلى التزامات عملية على الأرض. وفي المقابل، يظل نجاح أي مسار سياسي مرهوناً بمدى شموليته وقدرته على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط آثارها، لأن استبعاد أي من الأطراف أو ضعف الإرادة السياسية قد يعيد إنتاج الانسداد ذاته.
لذلك، فإن التوقعات ستكون بين احتمالات التصعيد واستمرار حرب الاستنزاف، وفرص السلام الهشة، حيث يبقى السودان عالقاً في لحظة مفصلية، يتحدد فيها ما إذا كان سيتجه نحو التفكك الطويل أو نحو بداية بطيئة وشاقة لمسار تعافٍ لا يزال غير مضمون.