Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فرنسيون تحت ظلال الأوديسة: سيلين ضد الحداثة (3)

ابتذال اللغة في "سفر إلى آخر الليل" وفر للكاتب مجالاً صلباً لاختبار مواقفه وأساليب التعبير عنها

لوي فيردينان سيلين (1894 - 1961) يختصر في عنوان روايته الرحلة الهوميرية (اندبندنت عربية)

ملخص

رواية لوي فردينان سيلين الكبرى "سفر إلى آخر الليل" يمكن ببساطة اعتبارها من أهم الروايات الفرنسية التي صدرت خلال الربع الثاني من القرن الـ20، وهي في سمتها الأكثر وضوحاً، أشبه بأن تكون إعادة كتابة شديدة المعاصرة والحداثة، ولكن شديدة التأسيسية أيضاً، للمرحلة الهوميرية الكبرى

إذا كان مونتاني في بعض صفحات مقالاته الفلسفية، قد دنا من يوليسيس ورحلته، من موقع الأخلاق والتأمل الفلسفي، وإميل زولا دنا منها من منطلق الترابط مع جحيم دانتي الذي كان أصلاً مستقى من الجحيم الذي عاشه بطل الأوديسة في رحلة عودته لإيثاكا بعد غيابه عنها عقداً من السنين وأكثر، فإن لوي فردينان سيلين، في استلهامه هو الآخر من الملحمة التأسيسية نفسها في تاريخ البشرية الإبداعي، حرص ومنذ عنوان روايته الكبرى "سفر إلى آخر الليل"، على أن يموضع نفسه في حمى البطل الملحمي وسفره الطويل، وحتى من أن يدخل قارئه في الصفحات الأولى من روايته. أي منذ العنوان الذي بكلماته الأربع يكاد يختصر تلك الرحلة الهوميرية، التي تستغرق في الملحمة مئات الصفحات.

فهناك في العنوان، فعل السفر نفسه رمزاً للترحال، وهناك الليل العتم كناية عن العمى الذي كان على سبيل تلك الكناية، يقود خطى البطل في توهانه بحثاً عن امرأته وملكه، وهناك بصيص النور الذي يلوح آخر الليل كفعل تفاؤل أكثر مما هو، استعارة زمنية.

ولكن لئن كانت رحلة يوليسيس تقوده عبر البلقان ومجاهله وبحاره، فإن رحلة باردامو بطل الرواية السيلينية، ستنطلق، رمزياً بالتأكيد، ولكن عملياً أيضاً، من ساحة كليشي في الشمال الباريسي، حيث كان سيلين كطبيب كاتب، يعيش بالفعل، إلى الساحة نفسها في رحلة دائرية تمر به في البعيد البعيد ولا سيما في نيويورك حيث يمعن الكاتب في اختبار أقصى ما يمكن للغة أن تعبر عنه من ابتذال.

ونعرف أنه ابتذال وفر للكاتب مجالاً صلباً لاختبار مواقفه وأساليب التعبير عنها: مواقفه التي قبل أن تضحي نازية وفاشية تودي به إلى السجن ومصحات الأمراض العقلية بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية التي اصطف فيها إلى جانب هتلر والمانيا النازيين، كانت شديدة الاختلاف بعيد الحرب العالمية الأولى، حين كان سيلين معروفاً بمواقفه الإنسانية كمناضل ضد النزعات العسكرية الحربية، كما ضد الكولونيالية وضد الرأسمالية.

يوليسيس معاصرنا

الحال أن رواية سيلين الكبرى هذه، التي يمكن ببساطة اعتبارها من أهم الروايات الفرنسية التي صدرت خلال الربع الثاني من القرن الـ20، هي في سمتها الأكثر وضوحاً، أشبه بأن تكون إعادة كتابة شديدة المعاصرة والحداثة، ولكن شديدة التأسيسية أيضاً، للمرحلة الهوميرية الكبرى، ولو من منطلق أنها واحدة من أقوى الروايات التي تجعل موضوع حبكتها الأساس سفراً يقود صاحب الشخصية المحورية في وحدته المطلقة ورغبته في الهرب دائماً إلى الأمام، إلى التوغل في مجاهل العالم من دون أن يدري أنه على أية حال، إنما يتوغل في مكانين في آن معاً: أولهما داخل ذاته وكأن الرحلة نفسها ليست سوى حلم يقظة فحواه الهرب مما يعيشه، وتحديداً من شبح مجهول يطارده، أكثر منه تواقاً للوصول إلى مكان جديد، مجهول بدوره، يؤمن له تبديلاً جذرياً في مسار الحياة التي يعيشها ويود الفرار منها، وثانيهما في الزمان وكله رغبة صادقة في أن يتمكن قبل انبلاج فجر غير مضمون، من الوصول إلى حيث تتحقق له إنسانيته الضائعة.

ترى أفلا نبدو هنا وكأننا نصف تماماً رحلة يوليسيس أيضاً، الذي، بدوره يجد نفسه ذات يوم، من دون أن يكون طبيباً أو مقيماً في ساحة كليشي الباريسية كحال باردامو البطل السيليني، يجد نفسه ولكن ربما لأسبابه الإيديولوجية هو الآخر، يجتاز طريق العودة للمكان الذي منه انطلق وقد تطهر، أولاً، من الإيديولوجيا، ولكن كذلك مما كان قد علق به من أدران العيش فما كانت مغامراته والأخطار التي جابهته خلال تلك الرحلة، سوى أداته النابذة للتخلص مما علق به قبل ذلك من أدران حطمت إنسانيته فبحث عن "مكب قاذورات" يرميها فيه من طريق الحرب التي سيدرك، وندرك، أنها فاقمت من قذارة ما تلطخت به إنسانيته. لكن الحرب، إذ خيبت أمله في هذا المضمار دفعته في رحله البحث الطويلة، زمنياً، والداخلية على أية حال، مكانياً، إلى البحث عن مكب آخر.

مراحيض نيويورك

والحقيقة أن ثمة في سياق رحلة باردامو الدائرية بعد كل شيء، صفحات رائعة حتى في ابتذاليتها التي لا تأتي على سبيل المصادفة هنا، تدور في معظمها في مراحل نيويورك بالتحديد، وعند نهاية الربع الأول من صفحات الرواية في طبعتها الأولى. ففي الصفحتين 114 ـ 115 من تلك الطبعة، يجد "البطل" نفسه وقد تمكن من "اكتشاف" نيويورك انطلاقاً من أحد مراحيضها بعد أن كان قبل ذلك جندياً في فرنسا وبحار أنهر في أفريقيا، حيث اكتشف في تينك الحالتين أهمية العثور على المرحاض في كل مرة تواتيه فيها تلك الحاجة. وكذلك اكتشف أن القائم برحلة كرحلته، غالباً ما يشعر بالتوهان والجوع، غير ضامن ما ستكون حاله في الأيام المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولن يكون من الغريب لباردامو أن تواتيه تلك الأفكار المشبعة بالذكريات الأليمة وهو قابع الآن في المرحاض النيويوركي، فهنا أيضاً وكما حال عمال المناجم في "جرمينال" إميل زولا، كما رأيناهم في حلقة أمس من هذه السلسلة التي نختمها اليوم مع سيلين، كما حال أولئك العمال، تتحول زيارة المراحيض النيويوركية إلى جحيم أقل مشقة، لكنه لا يقل إهانة وتسبباً في المعاناة النفسية.

ولعلنا نتفق مع أولئك المعلقين الذين في تناولهم لهذا البعد في رواية سيلين في أن نقل هذا الأخير الفعل الأسطوري المتعلق بجحيم هوميروس الذي في توافقه مع جحيم دانتي، في "الكوميديا الإلهية" بالطبع، إنما يتيح للكاتب أن يقوم بنقلة تسهل عليه انتقاله الإيديولوجي أو حتى المضاد للإيديولوجية، المزدوج. "حيث، من ناحية، يستخدم ترميز المرحاض وما يترافق معه من ابتذال مادي ولغوي، كوسيلة لإضحاك قارئه، تجاه ما يعتبر عادة تأسيسياً في المخيلة الأدبية، (ويمكننا على أية حال تتبعه حتى الوصول في الأدب المصري المعاصر، إلى ابتذالية مطلقة له، من ناحية في بعض أكثر صفحات خيري شلبي في "أولنا ولد" قوة تعبيرية، ومن ناحية أخرى في الحبكة المركزية لرواية صنع الله إبراهيم، الأولى والأجمل تقريباً، "تلك الرائحة")، لنجده كذلك ساعياً إلى تصوير أميركا، التي كان يكن لها أقصى درجات العداء إن لم نقل الاحتقار، بكونها مجتمعاً بادي الالتباس يجعل العنف البدائي لمنظومته الاجتماعية قابعاً خلف قناع مصنوع من تراتبية حافلة بالنفاق والرفاهية السهلة المتراكمة على جثث الآخرين (الهنود الحمر أصحاب البلاد الأصليين)، وجهودهم المسروقة (أصحاب المواهب الأوروبيين والعمال المهاجرين من بؤس أوطانهم إلى الفراديس الأميركية).

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة