ملخص
تُبشر لقاحات "أم آر أن أي" بنتائج واعدة في علاج السرطان، مدعومة بتجارب سريرية مشجعة، لكن المضي قدماً يصطدم بعقبة التمويل المحدود، وسط دعوات متزايدة لاستثمارات أكبر توازي طموحات هذا التحول الطبي.
يعكف الأطباء على دراسة السرطان وعلاجه منذ عهد مصر القديمة. وبعد مرور أكثر من 5 آلاف عام، وعلى رغم التقدم الكبير في محاربة المرض، فإن العلماء لم يتوصلوا إلى علاج نهائي له بعد.
ومع ظهور لقاحات "أم آر أن أي" (mRNA) خلال العقد الثاني من القرن الـ21 — وهي لقاحات تستخدم تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال في الخلايا لتدريب الجهاز المناعي على محاربة الأجسام الدخيلة الخطرة — وجد الأطباء بين أيديهم أداة جديدة وواعدة في هذه المعركة ضد المرض. والآن، يعتقد بعضهم أنهم اقتربوا خطوة إضافية نحو إيقاف زحف هذا المرض.
وفي هذا السياق، أسهمت تجربة سريرية حديثة باستخدام أحد لقاحات "أم آر أن أي" في إطالة أعمار مرضى سرطان البنكرياس بشكل ملحوظ. كما أظهرت دراسة جديدة قدرة الباحثين على تحفيز استجابات مناعية قاتلة للسرطان بسبل عدة.
وخلال الصيف الماضي، أعلن باحثون أن لقاحهم القائم على تقنية "أم آر أن أي" قد ضاعف من فاعلية الأدوية المضادة للأورام، مما يمهد الطريق نحو تطوير لقاح شامل قادر على تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة السرطان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً لتقديرات المتخصصين، من شأن هذه التطورات أن تسهم فعلياً في إنقاذ الأرواح.
وبحسب إحصاءات "جمعية السرطان الأميركية" American Cancer Society، من المتوقع تسجيل 626140 حالة وفاة بسبب السرطان في الولايات المتحدة هذا العام، إلى جانب 2.1 مليون إصابة جديدة.
وفي تصريح لشبكة "سي أن أن ديجيتال" CNN Digital، قالت نائبة مدير "مركز سيدني كيميل الشامل للسرطان" Sidney Kimmel Comprehensive Cancer Center التابع لجامعة جونز هوبكنز، إليزابيث غافي، "إنه تقدم مثير للاهتمام، فقد شهدنا عدداً من النجاحات الإيجابية خلال التجارب في مراحلها المبكرة".
الأفعال أبلغ من الأقوال
لقد أثمر نجاح لقاحات "أم آر أن أي" عن إعادة توجيه بوصلة التمويل نحو هذا المجال.
ومع ذلك، كانت إدارة الرئيس ترمب قد ألغت تمويلاً بقيمة 500 مليون دولار مخصصاً لتطوير اللقاحات في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما أثار موجة استنكار واسعة بين الأطباء الذين حذروا من أن هذا القرار قد يهدد حياة كثيرين.
وفي معرض تبريره، صرح وزير الصحة، روبرت أف كينيدي جونيور، بأن "هذا الإجراء يهدف إلى إعادة توجيه التمويل نحو منصات لقاحات أكثر أماناً وشمولية، التي يمكنها الحفاظ على فاعليتها حتى مع استمرار الفيروسات في التحور".
وأضاف كينيدي في بيان حول تقليص جهود تطوير اللقاحات "لقد راجعنا الأدلة العلمية، واستمعنا إلى المتخصصين، واتخذنا الإجراءات اللازمة"، مشيراً إلى أن البيانات تدعم هذا القرار، وادعى، على خلاف الحقيقة، أن هذه اللقاحات "تفشل في توفير حماية فعالة ضد التهابات الجهاز التنفسي العلوي مثل كوفيد-19 والإنفلونزا".
من جانبه، وصف أستاذ علم الأوبئة في "كلية هارفارد تي أتش تشان للصحة العامة" Harvard T.H. Chan School of Public Health، بيل هانيج، تصريحات كينيدي بأنها "محض هراء".
وأوضح هانيج في بيان صادر عنه "إن اللقاحات التي أُتيحت في بلدنا لمكافحة كوفيد-19 كانت تعتمد على تقنية ’أم آر أن أي‘، وهي اللقاحات ذاتها التي أنقذت أرواح الملايين في الولايات المتحدة وحدها خلال الأعوام القليلة الماضية، فضلاً عن كثير من الأرواح الأخرى حول العالم".
وعند سؤاله عن هذا القرار، صرح مفوض إدارة الغذاء والدواء الأميركية، مارتي ماكاري، للمذيعة كايتلان كولينز عبر شبكة "سي أن أن" الإثنين الماضي، بأن الدوافع كانت مالية بحتة. وأضاف "ارتأينا ببساطة أن الشركات... هي من يجب أن تتكفل بتمويل أبحاثها الخاصة، بدلاً من الاعتماد على أموال دافعي الضرائب"، مشيراً إلى أن جزءاً من هذا التمويل قد تم تحويله لدعم مساعي تطوير لقاح شامل للإنفلونزا.
على رغم ذلك، اتخذت وزارة الصحة الأميركية أخيراً خطوات ملموسة لتمويل لقاحات السرطان.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في مارس (آذار)، يمول "المعهد الوطني للسرطان" في الولايات المتحدة National Cancer Institute التابع للوزارة شراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 200 مليون دولار تهدف إلى دعم التجارب على لقاحات قادرة على تحفيز استجابة مناعية مضادة للأورام.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور أنتوني ليتاي، الذي تولى إدارة المعهد الوطني للسرطان في سبتمبر (أيلول) 2025، في تصريحه للصحيفة "ما يبعث على الحماسة هو ظهور مؤشرات مبكرة من التجارب السريرية توحي بقدرتنا على إحداث تأثير علاجي ملموس، حتى في بعض الحالات تعقيداً والتي لا نملك فيها حالياً كثيراً لنقدمه للمرضى".
وبدورها، صرحت الناطقة الإعلامية في الوزارة، إميلي هيليارد لصحيفة "اندبندنت"، "تنظر وزارة الصحة بعين التفاؤل إلى الآفاق الواعدة للقاحات ’أم آر أن أي‘ في التعامل مع حالات الانتكاس للسرطانات المستعصية. وقد وجه الوزير كينيدي حديثاً المعهد الوطني للسرطان - التابع للمعاهد الوطنية للصحة - نحو إرساء شراكة بين القطاعين العام والخاص للاستثمار في الأبحاث والتجارب السريرية".
وأعادت هيليارد تأكيد موقف كينيدي، مشيرة إلى أن الوزارة قلصت استثماراتها في لقاحات "أم آر أن أي" المخصصة لفيروسات الجهاز التنفسي العلوي "نظراً إلى عدم قدرتها على توفير حماية فعالة ضد العدوى الناجمة عن السلالات الفيروسية المتحورة، مثل كوفيد-19 والإنفلونزا".
وأوضحت "لقد استفادت هذه الشركات بالفعل من دعم حكومي سخي، ولذلك قررنا إعادة توجيه هذه الأموال واستثمارها في تقنيات أخرى تبشر بنتائج واعدة بصورة أكبر".
الحاجة إلى التمويل
إذاً، ما الخطوة التالية؟
تعكف شركة "موديرنا" حالياً على إجراء تجربة سريرية للقاحها القائم على تقنية "أم آر أن أي" لاستهداف مرضى سرطان الجلد (الميلانوما) العالي الخطورة. وبالتوازي مع ذلك، تستقطب تجارب أخرى في الولايات المتحدة مرضى مصابين بسرطان الرئة وسرطان الجلد للمشاركة فيها.
إلا أن الأبحاث السريرية تتطلب تكاليف باهظة، وهو ما دفع مديرة معهد لقاحات السرطان الدكتورة نورا ديسيس، إلى التشديد على الحاجة الماسة إلى توفير مزيد من التمويل المخصص للقاحات السرطان القائمة على تقنية "أم آر أن أي"، وذلك لضمان انطلاق واستمرارية هذه التجارب.
وفي الوقت الراهن، لا يزال من غير الواضح مدى كفاية مبلغ 200 مليون دولار لتغطية هذه الاحتياجات.
وحذرت ديسيس قائلة: "سيتبخر مبلغ 200 مليون دولار سريعاً في غياب استراتيجية واضحة... لقد أنفقت عملية "السرعة القصوى" Operation Warp Speed نحو 12 مليار دولار على أبحاث وتطوير وتصنيع لقاحات كوفيد-19. بينما نحن نتحدث هنا عن تخصيص 200 مليون دولار فقط لجميع أبحاث لقاحات السرطان".
وكما أشارت الدكتورة نورا في مقالها المنشور في الدورية الطبية "لانسيت لأمراض السرطان" The Lancet Oncology، مؤكدة: "إنها البداية، ولكننا بحاجة ماسة إلى ضخ مزيد من الاستثمارات".
© The Independent