يجلس الطفل عمر صديق (11 سنة) على أرضية مركز الإيواء بمنطقة تجمعات النازحين في بلدة طويلة (تبعد 64 كيلومتراً من الفاشر)، وهو يواجه واقعاً مظلماً من دون أسرته بعدما فقد عائلته خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، وحتى الآن لا يعرف عنها أية معلومات ويجهل مكانها.
تتضاعف معاناة صديق بصورة يومية بعدما سرقت الحرب حياته الأسرية المستقرة وتسببت له في صدمات نفسية، مما جعله في حاجة ماسة إلى العون والحماية.
منذ اندلاع الحرب خلال أبريل (نيسان) عام 2023، وفي لحظات الهرب العشوائي والفوضى التي رافقت الاشتباكات المسلحة انفصل آلاف الأطفال عن آبائهم وأمهاتهم، ليجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة عالم قاسٍ لا يرحم براءتهم، وبلا أسر تمنحهم الأمان.
آثار نفسية
هادية الشفيع العائدة إلى مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، تقول من جانبها "على رغم سعادتي بتحرير الولاية وعودة الأمن والأمان والاستقرار، وكذلك الجيران والأهل، فإن فرحتي باتت ناقصة وحزني مضاعف بعد فقدي ولدي الوحيد الذي اختفى في لحظات الهرب والنزوح ولم نعرف له مكاناً حتى الآن". وأضافت "ما حدث لي واقع تعيشه عشرات الأسر التي فقدت أطفالاً خلال النزوح من ولاية الجزيرة إلى المدن الآمنة بعدما عشنا حالاً من الرعب عقب اجتياح الإقليم خلال ديسمبر (كانون الأول) 2023".
وأوضحت الشفيع أنها "لا تزال تعاني آلاماً نفسية عميقة نتيجة فقد ابنها، أثرت على تفاعلها مع أقاربها وجيرانها، وتفضل حالياً قضاء وقتها منفردة، وأن ذهنها دائماً يستحضر مشهد طفلها الذي كان أمامها تراقبه ولم تحول نظرها عنه، لكنه على نحو مفاجئ اختفى وفقدته وسط الزحام".
عزلة اجتماعية
في مراكز الإيواء بشمال السودان أنشأ المتطوعون مساحات صديقة للأطفال المنفصلين عن أسرهم بهدف تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
لم تتجاوب الطفلة ابتهال موسى (12 سنة) داخل مخيم منطقة العفاض بالولاية الشمالية مع الرسومات التي تقدمها إحدى المتطوعات لمساعدة اليافعين للخروج من العزلة الاجتماعية نتيجة فقدان الأسر، إذ ظلت تسأل عن والديها وشقيقها طوال الوقت.
تقول موسى "همي حالياً ينصب في معرفة مكان أسرتي، وأتمنى ألا يصيبهم مكروه ونلتقي مجدداً لنعيش حياة جديدة، لأنني أقيم مع عائلات لا يوجد فيها أقارب من أهلي".
أخطار متزايدة
وسط هذه الأجواء كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير لها عن تسجيل 42 ألف طفل منفصلين عن أسرهم في السودان ودول الجوار نتيجة النزاع المسلح، منهم 5 آلاف داخل البلاد.
وأوضح التقرير أن "بقية الأطفال توزعوا بين دول الجوار، إذ تستضيف تشاد نحو 24 ألف، تليها إثيوبيا بـ7 آلاف، ثم مصر وجنوب السودان بنحو 6 آلاف لكل منهما، في حين سجلت أوغندا 398 طفلاً، وليبيا 132 طفلاً، وأفريقيا الوسطى 129. وذكر أن "خدمات الحماية قدمت لنحو 329 ألف طفل على مستوى الإقليم، تركزت الأعداد الأكبر في تشاد بواقع 225 ألف طفل، تليها جنوب السودان بعدد 41 ألفاً، والبقية في مصر وإثيوبيا وليبيا، وكذلك أوغندا وأفريقيا الوسطى وداخل السودان.
وبين التقرير أن "نحو 21 ألف طفل استفادوا من إجراءات المصلحة الفضلى، توزعت بواقع 12 ألف في تشاد، و4 آلاف في مصر، وثلاثة آلاف في إثيوبيا، إضافة إلى 2000 في السودان و443 في جنوب السودان و732 في ليبيا و129 في أفريقيا الوسطى، و1000 في أوغندا. وحذر من أن "الأطفال يواجهون أخطاراً متزايدة، تشمل تفكك الأسر والتجنيد القسري من قبل المجموعات المسلحة، إلى جانب عمالة الأطفال والزواج القسري، فضلاً عن الضغوط النفسية ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية في ظل قيود الحركة وانعدام الأمن وتراجع فرص كسب العيش، مما يزيد من احتمال تفش ظاهرة الاتجار بالبشر والاستغلال.
تدخلات عاجلة
على صعيد متصل أوضحت المتخصصة في مجال حقوق وحماية الطفولة جيهان النعمان أنه "جرى حصر الأطفال المنفصلين عن أسرهم في منطقة طويلة، والبالغ عددهم نحو 126 طفلاً تراوح أعمارهم ما بين ثلاث و17 سنة". ونوهت بأن "البيانات أظهرت أن الفئات العمرية بين الـ10 والـ12 تمثل نحو 50 في المئة من العدد الكلي، في حين تبلغ نسبة الأطفال دون العاشرة نحو 30 في المئة، أما الفئة من الـ11 إلى الـ13 سنة فتشكل قرابة 15 في المئة".
ولفتت النعمان إلى أن "غالبية الأطفال فقدوا ذويهم أو انفصلوا عن أسرهم بسبب القصف والنزوح أو التهجير القسري للعائلات، وبعضهم يعيش حالياً في مراكز الإيواء من دون رعاية أسرية مباشرة". وشددت على ضرورة تدخل إنساني عاجل يركز على تتبع الأسر ولم الشمل، وتوفير خدمات الرعاية الصحية والنفسية والتعليمية لهؤلاء الأطفال، فضلاً عن توثيق الحالات ومتابعتها ضمن برنامج الحماية الوطنية والدولية".
رصد ومعالجة
في المنحى ذاته أشار الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان عبدالقادر أبو إلى أن "الحرب المستمرة منذ قرابة ثلاثة أعوام أسهمت في موجة نزح كبيرة وسط الأطفال قدرت أعدادهم بنحو 940 طفلاً نازحاً داخل البلاد وخارجها، بينما هناك نحو 313 ألف طفل انفصلوا عن أسرهم خلال النزوح".
ولفت "أبو" إلى أن "الصراع المسلح ألقى بظلاله الثقيلة على الطفولة في السودان، حيث رصد المجلس ارتفاعاً كبيراً في معدلات الانقطاع عن الدراسة، إذ بلغ حجم الفاقد التربوي نحو 3 ملايين طفل، وجرى تسجيل أكثر من مليون و13 ألف حالة وفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية، إضافة إلى نحو 1000 حالة وفاة بسبب الجوع، بينما بلغ عدد المفقودين 700 طفل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبين الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة أن "نحو مليون طفل قتلوا نتيجة المشاركة في القتال، إذ بلغ عدد الجرحى منهم نحو 315 طفلاً، بينما رصد المجلس تجنيد نحو مليون و106 آلاف طفل في مناطق سيطرة "الدعم السريع". وتابع "يعمل المجلس بالتنسيق مع شركائه على معالجة أوضاع الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية ومحاولة دمجهم في المجتمع، إلى جانب رصد أوضاع الأطفال في المناطق التي استعيدت، وأصبحت تحت سيطرة الجيش، فضلاً عن تنفيذ برامج دعم صحي للأطفال".
غياب الحماية
على الصعيد نفسه قالت المتطوعة في مناطق تجمعات النازحين بولاية شمال دارفور سناء مكي، "استقبلنا عشرات الأطفال الذين انفصلوا عن أسرهم، وهم لا يملكون أية وثائق، فبعضهم لا يتذكر حتى أسماء آبائهم وأمهاتهم، بخاصة من هم دون سن الخامسة".
وأضافت أن "الأطفال الذين فصلوا عن أسرهم خلال رحلات النزوح العشوائي، وأجبرتهم الظروف على الانتظام في مهن هامشية بالأسواق المحلية دون حماية أسرية أو اجتماعية داخل معسكرات الإيواء باتوا عرضة لخطر الاختفاء أو الاستغلال الاقتصادي والجنسي".
ولفتت مكي إلى أن "وجود طلب متزايد على خدمات الأطفال في مجالات عدة مثل التسول المنظم والزواج القسري، وكذلك الاستغلال الجنسي، وجميعها دوافع تحفز الشبكات والعصابات على الخطف والتهريب لتحقيق مكاسب مالية".
وشرحت المتطوعة في مناطق تجمعات النازحين أنه "يجب التعامل مع الأطفال الذين نزحوا بمفردهم وفقدوا أسرهم من دون تمييز عن الأطفال الآخرين في الغذاء والكساء والدعم النفسي لمساعدتهم في الخروج من الواقع المظلم الذي يواجهونه".
من جهتها أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أنه "خلال الحرب المستمرة في السودان ارتفع عدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال بنسبة ألف في المئة"، مناشدة العالم عدم التخلي عن ملايين الأطفال المنكوبين. وسلطت الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال، بما في ذلك تعرض أطفال للاختطاف.