Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرئاسة العراقية... بين منصب بروتوكولي ومفتاح للتوازن السياسي

في ظل عدم التوافق الكردي... هل ستنتج جلسة البرلمان رئيساً للبلاد؟

قصر السلام في بغداد، المقر الرسمي للرئاسة العراقية (موقع الرئاسة العراقية)

ملخص

قد يبدو للوهلة الأولى أن الرئيس العراقي يشارك في مهمات احتفالية أو رمزية، لكنه في الواقع يمتلك مجموعة من الصلاحيات تجعل منصبه أقوى وأهم من كثير من الرؤساء في الأنظمة البرلمانية التقليدية، وتقترب من بعض خصائص النظام شبه الرئاسي، إذ يجري تقاسم السلطة التنفيذية بين الرئيس والحكومة.

مع اقتراب موعد الـ11 من أبريل (نيسان) 2026، تاريخ جلسة انتخاب رئيس للجمهورية في العراق، يتجه الاهتمام نحو موقع ينظر إليه في كثير من الأحيان على أنه رمزي أو شرفي، في ظل النظام البرلماني الذي يمنح السلطة التنفيذية الكبرى لرئيس مجلس الوزراء. لكن قراءة متأنية للدستور العراقي وممارسة السلطة خلال سنوات ما بعد عام 2003، تكشف عن حقيقة معاكسة، إذ إن رئاسة الجمهورية ليست مجرد بروتوكول، بل هي مفتاح التوازن السياسي، وضمانة استقرار الدولة، ومحور التأثير في مسار العملية التشريعية والتنفيذية.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الرئيس العراقي يشارك في مهمات احتفالية أو رمزية، لكنه في الواقع يمتلك مجموعة من الصلاحيات تجعل منصبه أقوى وأهم من كثير من الرؤساء في الأنظمة البرلمانية التقليدية، وتقترب من بعض خصائص النظام شبه الرئاسي، إذ يجري تقاسم السلطة التنفيذية بين الرئيس والحكومة.

الصلاحيات الدستورية

يبدأ دور رئيس الجمهورية العراقية من دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، وفق المادة الـ54 من الدستور، إذ يلعب الرئيس دوراً محورياً في ضمان استمرارية الدورة البرلمانية وتنظيم عمل المجلس الجديد.

كما يسمح الدستور للرئيس بالدعوة إلى جلسات استثنائية للبرلمان، وتمديد الفصل التشريعي إذا اقتضت الضرورة، وهو ما يمنحه قدرة على التأثير في دورة عمل السلطة التشريعية.

وتمتد صلاحيات الرئيس التشريعية لتشمل تقديم مشاريع القوانين، التي يمكن أن تكون خطوة استراتيجية لتعزيز دوره في العملية التشريعية، كما يمتلك الرئيس الحق في المصادقة على القوانين بعد إقرارها من البرلمان، والمصادقة على المعاهدات الدولية بعد موافقة المجلس النيابي، وهو ما يمنحه قدرة على التأثير المباشر في صياغة السياسات والقوانين المهمة.

في حالات الطوارئ، يمنح الدستور الرئيس سلطة الموافقة على إعلان الحرب أو حالة الطوارئ مع رئيس الوزراء، وهو دور غالباً ما يعتقد أنه حصري للحكومة التنفيذية، مما يعكس الطابع شبه الرئاسي للمنصب، كما يمكن للرئيس حل البرلمان بموافقة رئيس الوزراء أو بناء على طلب ثلث أعضاء المجلس، مع الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة خلال مدة محددة، مما يعكس أهمية دوره في ضمان استقرار المؤسسات الديمقراطية.

ومن أبرز صلاحيات الرئيس العراقي تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر تشكيل الحكومة، وإذا فشل هذا المرشح، يمكن للرئيس إعادة التكليف وفق إجراءات محددة زمنياً. وهذا يمنحه دوراً محورياً في العملية التنفيذية، إذ يصبح الرئيس جزءاً لا يتجزأ من تشكيل السلطة التنفيذية ومراقبة تنفيذ السياسات العامة، خصوصاً عند إخفاق المرشحين في تشكيل الوزارة ضمن المدد الدستورية.

وتؤكد المادة الـ81 أن الرئيس يمكنه القيام مقام رئيس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب، مما يجعله المسؤول التنفيذي الأبرز لفترة موقتة، ويعزز دوره كضامن لاستمرارية الدولة.

هذه الصلاحيات في الممارسة العملية، تمنح الرئيس القدرة على التأثير في السياسة اليومية واستقرار مؤسسات الدولة، وهو ما لا يمنحه الدستور لرئيس الحكومة في حالة تصريف الأعمال.

أثرت قرارات المحكمة الاتحادية العليا الأخيرة بصورة واضحة في دور الرئيس العراقي، بعد الانتخابات البرلمانية السادسة، إذ قررت إنهاء أعمال البرلمان الحالي وتحويل الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال.

وأكدت المحكمة أن الحكومة الموقتة لا يمكنها اتخاذ قرارات استراتيجية، كالتعيينات العليا أو المصادقة على المعاهدات أو اقتراح مشاريع القوانين.

في المقابل، استمر رئيس الجمهورية عبداللطيف رشيد في ممارسة كامل مهماته الدستورية، بما يشير إلى ثقل المنصب في ضمان استمرارية الدولة وعدم حدوث فراغ دستوري. هذه التجربة تظهر جلياً كيف يمكن للرئيس أن يكون محوراً أساساً للاستقرار السياسي، حتى في غياب البرلمان أو الحكومة المنتخبة.

الرئاسة مفتاح التوازن

تاريخياً، أصبح منصب رئيس الجمهورية استحقاقاً للمكون الكردي، فيما أنيطت رئاسة الحكومة بالمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان بالمكون السني، وفق ما بات يعرف بـ"المحاصصة السياسية". هذا التوزيع منح رئيس الجمهورية قيمة سياسية مضافة، إذ أصبح الموقع مؤشراً على التوازن بين المكونات، وأداة لضمان المشاركة السياسية المتوازنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن اختلاف الأحزاب الكردية حول المرشح المناسب للرئاسة تسبب في تأخير انتخاب الرئيس الجديد، مما أثر بدوره في تشكيل الحكومة واستكمال الاستحقاقات الدستورية بعد انتخابات الـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

في هذا السياق، يشير أستاذ العلوم السياسية خالد عليوي إلى أن "منصب الرئاسة لم يعد مجرد تشريف رمزي، بل هو مظهر من مظاهر التوازن السياسي القائم بين المكونات الأساسية في الدولة العراقية".

توافق أم صراع؟

حتى اليوم، لم يجر الاتفاق على مرشح رئاسي واحد، وفق تصريحات الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي اعتبر في الوقت نفسه أن الأكراد ليسوا سبباً في تعطيل الاستحقاقات الدستورية، وأنه يمكن دخول البرلمان بمرشحين اثنين لانتخاب الرئيس بغالبية الأصوات.

من جانبه، صرح عمار الحكيم، رئيس "تيار الحكمة الوطني"، أن "للنواب الشيعة الحرية الكاملة في التصويت لأي مرشح، وأن تأجيل الانتخابات ليس مبرراً"، مستشهداً بتجربة إيران في انتخاب مرشد جديد على رغم استمرار الحرب الإقليمية. هذه التصريحات تعكس طبيعة الضغوط السياسية والتوازنات المعقدة التي تحيط بانتخاب الرئيس، ودوره كمفتاح لتسهيل أو عرقلة الاستحقاقات الدستورية.

الرئاسة ليست رمزاً فقط

يؤكد الخبير القانوني علي التميمي أن "الدستور العراقي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة تشمل العفو الخاص، والمصادقة على القوانين والمعاهدات، ومنح الأوسمة والنياشين، والمصادقة على أحكام الإعدام، واستقبال السفراء. كما يمثل الدولة في المناسبات الرسمية ويقود القوات المسلحة لأغراض تشريفية واحتفالية، إضافة إلى دوره في تكليف رئيس الوزراء الجديد ومراقبة تنفيذ الدستور. هذه الصلاحيات تمنح الرئيس قدرة فعلية على التأثير في السياسة العراقية، وتجعله عنصراً أساسياً في النظام شبه الرئاسي، إذ يمكنه التدخل في إدارة الدولة وحماية المؤسسات من أي فراغ أو أزمة دستورية".

وتابع التميمي "على رغم أن النظام العراقي يوصف عادة بالبرلماني، إلا أن الواقع التشريعي والسياسي يظهر وجود توازن غير معتاد بين الرئيس ورئيس الوزراء، فالدستور أعطى رئيس الوزراء الدور التنفيذي الأكبر، لكنه وضع الرئيس في موقع يسمح له بمراقبة التوازنات وصيانة استمرارية الدولة. هذا التوازن يعكس تأثر واضعي الدستور ببعض عناصر النظام الرئاسي شبه الكامل، مما أدى إلى خلق موقع فاعل للرئيس، يمكنه من التأثير في السياسة العامة، والرقابة على البرلمان والحكومة، خصوصاً في حالات الأزمات أو الفراغ المؤسسي".

ومع اقتراب موعد الـ11 من أبريل (نيسان) الجاري، تتجلى أهمية الرئاسة ليس فقط من الناحية الدستورية، إنما بوصفها عنصراً استراتيجياً في إدارة الدولة، وتحقيق التوازن بين المكونات، وضمان استمرارية المؤسسات في الظروف العادية والاستثنائية.

ويشكل منصب الرئيس ضمانة ضد الفراغ السياسي، وهو المفتاح الذي يمكن أن يعزز أو يضعف الحكومة المقبلة، ويؤثر بصورة مباشرة في استقرار العراق السياسي والاجتماعي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير