ملخص
اختار الشاعر أنطوان أبو زيد في روايته "المشّاء" (دار مرفأ)، أن يخوض غمار رحلة سردية يشتبك فيها الزمن النفسي مع الزمن الواقعي، ضمن استعارة واقعية لفعل المشي الذي يشكل جوهر الرواية.
الراوي المشّاء الذي يسرد معظم أحداث الرواية بضمير المتكلم موجهاً كلامه إلى القارئ، لا يراهن على فعل المشي بوصفه انتقالاً في المكان، بل انكشافاً حقيقياً للوعي وللمعنى وللحياة ولرفقة الطريق مع آخر غريب.
يقرر هذا الراوي يوسف العينطوري الذي تتمحور الرواية حول فعله الجسدي المتواصل، أن يمشي لأيام عدة، لكن المشي يتصاحب مع تأمل في العالم الخارجي، ثم يتحول تدريجاً إلى تفكيك للماضي واستعادة للذاكرة ومواجهة مع الحاضر.
وإذا كان المشي من أكثر الأفعال التي تكشف عن حال الإنسان الجسدية، بمجرد أن يضع قدماً أمام أخرى محققاً التوازن لجسده مع انتظام الحركة، فإنه عبر هذا السلوك البسيط الذي يمارسه بتلقائية من دون تفكير، يكشف كثيراً عن انسجام الحركة بين الجسد والروح، بكل ما يحمله من طاقة رمزية تأملية كثيفة تتجاوز البعد الحركي إلى البعد الفلسفي.
مجاز سردي
منذ الصفحات الأولى من الرواية، يتضح أن الكاتب يشتغل على فعل المشي بوصفه مجازاً وجودياً لا مجرد حركة جسدية. ويجد القارئ نفسه داخل تجربة سردية غير تقليدية، حيث لا يُقدَّم الحدث بوصفه تسلسلاً حكائياً واضحاً، بل كتيار وعي متدفق.
تبدأ الرواية بسلاسة مع الراوي الذي يخرج للمشي في ساعات الفجر الأولى من منزله في ضاحية من ضواحي مدينة مدمرة تعيش ويلات حرب من حروبها الكثيرة، فيلتقي مجهولاً يمشي إلى جانبه في اتجاه واحد من دون تبادل كلمة. وتنشأ بين الاثنين شراكة في المسير تمتد لخمسة أيام، عبر مشاهد متلاحقة في أوتوسترادات مهجورة وأحياء منكوبة وقرى ساحلية، ليصير المشي في النهاية قصيدة نثرية ممتدة تتأمل الوجود والهوية والذاكرة والحرب.
رفيق الدرب
وتنقسم الرواية إلى قسمين، ويقوم معمارها الروائي على ما يمكن تسميته "المونولوغ"، أو السرد الاعترافي المنفتح، فالراوي الذي يتوجه في سرده للقارئ، له أخوان أصغر منه هاجرا إلى الغرب عبر قوارب الموت، وتمكّنا بمهارة السباحة من الوصول إلى بر البلد الغريب. أما الراوي، فيعاني انفصاماً بين الداخل والخارج وبين الحياة الاجتماعية والخلوة الفردية. يحمل وعياً فلسفياً مُضمَراً يتجلى في قدرته على التأمل وإنتاج الأسئلة الكبرى انطلاقاً من مشاهد يومية بسيطة، حفرة في الأسفلت وطائر لقلق يعبر السماء وإعلان ممزق يتأرجح في الريح.
ويستدعي رفيق الدرب المجهول ملحمة "جلجامش"، إذ يشارك البطل المشي ويسمي نفسه "أنكيدو"، ويُقدم في البداية بوصفه لغزاً وصورة، رجل يمشي إلى جانب الراوي من دون كلمة، بوجه كالمحارب الروماني وعيون لا تطرفان وخطوات تتسم بنظام حديدي صارم. هو يمشي كأن لا شيء خارج المشي يعنيه، كأنه آلة ترتبط بالطريق وحده. وحين يصيب البطلين التعب من المسير ويقرران الراحة في أحد الأماكن، تستقبلهما بعد حوارات محتدمة نجمة صاحبة النزل، في مبنى مشيد منذ زمن الانتداب، فتقول لأنكيدو، "هل حضرتك أجنبي أو ياباني؟"، فيجيبها "بل أنا أصلي من بلاد الرافدين، وأهلي وصلوا المدن وأخضعوها وسكانها وحملوا إليها حضارتهم".
تدور بين البطلين حوارات فلسفية عن الحياة والحرب والعالم وغاية المشي والوعود المؤجلة، وتبقى شخصية أنكيدو لغزاً خصباً يغري بالتأويل ويقاوم الاستنفاد، حتى بعد أن ينطق في النصف الثاني من الرواية، يظل غامضاً وعصياً.
ثنائية البطولة
تنهض الرواية على ثنائية مباشرة، الراوي ورفيقه أنكيدو يشكلان معاً رمزاً للإنسان المتحضر الواعي والكائن البدائي، فيلتقيان ويمشيان سوياً ويشتبك مصيرهما، ويقول الراوي " في البداية لم نكن نرغب سوى بالمشي، المشي الحر المجرد من أية غاية معروفة، المشي بمعنى اللقاء مع الآخر، من دون مناسبة أو عنوان. ولكن المكان هو إطار، عالم مُعدّ مسبقاً قبل أن نكون، يصنع لغته وأمكنته وألعابه، ويصنع جماعاته وحروبه، ويوقّت ضحكه وخطوطه وانفجاراته أيضاً".
ولا تتوقف الرمزية عند أنكيدو فقط، بل تطاول نجمة أيضاً، حين تتحول المرأة الستينية المثيرة إلى عشتروت، وحين تقول لأنكيدو إن جسده يشبه أدونيس، ويعلق الراوي بعبارة "أف، هذا غرام فينيقي كامل".
يمكن قراءة شخصية أنكيدو من زوايا تأويلية عدة، فللوهلة الأولى نكون أمام افتراض أنه ظل الراوي، بخاصة أن السرد يبدأ مع لحظات الفجر الأولى، فيبدو وجوده كما لو كان خيالاً. ومن جهة ثانية، يجسد الجانب البدائي في الإنسان الذي يعمل بغريزة المشي الخالص قبل أن تلوثه الحضارة. وحين يتكلم أخيراً، يتضح أن لديه ذاكرة قديمة من دون حاضر معروف، وأنه ينتمي إلى زمن ما قبل التاريخ بوعيه وإدراكه، ويرى أحداث الحاضر من خلال الأساطير والتاريخ القديم.
وطن غائب
يحضر لبنان ويغيب في "المشّاء"، إذ يضع أبو زيد دلالات رمزية تشير إليه المدينة المنكوبة بالحرب والغابات والشاطئ البحري والطرق الجبلية المتعرجة. ويغزل الكاتب السرد والحوار بين الراوي ورفيقه أنكيدو الذي سوف نعرف لاحقاً أن اسمه يونس، مع أوصاف للطبيعة عبر لغة دقيقة وعذبة تنسجم مع المعنى المراد إيصاله، فتبدو شفيفة على رغم طول الجملة.
ويقول "ولم نبلغ منتصف الغابة حتى بدت لنا ساقية مياه صافية تشق سبيلها وتمضي باتجاه الشاطئ"، ويقول في موضع آخر "دخلنا، بعد نصف ساعة من المشي الحذر، إلى ناحية ظننا أننا لن نجد نظيراً لها، مكان خالٍ من البشر، فسيح للغاية، هو كناية عن غابة طبيعية بأشجارها المتفرقة، يحدّها شريط ترابي عامر بزهر اللؤلؤية وحمراء الشقائق".
وتشكل اللغة في "المشّاء" إحدى أبرز مناطق القوة في الرواية، إذ يؤسس أبو زيد معجماً حسياً وجسدياً يرتبط بالمشي والحركة والجسد. كذلك يوظف الكاتب الإيقاع الصوتي أداة روائية بامتياز، فأصوات الخطى وحفيف الثياب تتحول إلى موسيقى في النص تقابل البنية الداخلية للجملة الروائية الطويلة المركبة، مما يجسد على المستوى الإيقاعي الطابع التأملي التدفقي للمشي نفسه.
المكان وزمن المسير
يُعد المكان في الرواية شخصية من شخصياتها، فالأماكن التي يجري ذكرها والتجوال فيها ليست ديكوراً خلفياً بل فضاءً مشاركاً في بناء المعنى. وتقدم المدينة بواجهتها المتعبة، أوتوسترادات مهجورة وركام وحجارة مبعثرة وجدران مسودّة بالدخان ومبانٍ مائلة فوق مياه جوفية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويخلق هذا التنوع في المشاهد ما يمكن تسميته "الزمن التراكمي"، إذ تتكدس الأزمنة فوق بعضها لتنتج كثافة دلالية خاصة، تتشكل ضمن تيار وعي حاضر بوضوح عبر السرد المتدفق، مع الانتقال المفاجئ بين الحاضر والذكريات، مما يجعل الأحداث تولد من إيقاع الخطوات.
لنقرأ، "أكتشف أن ما فعلته إلى الآن في ماضي حياتي لم يعُد كونه سيراً على هذا المنوال، أو مواكبة ينم منها الرضا، غالباً، باعتبار أن السائر المفرد لا يملك أرضه، وإن ملك مسافة منها، فإن النازع فيه إلى الذهاب بعيداً سرعان ما يدفعه دفعاً إلى ما ليس يخصه".
ومن أكثر الخيارات الجمالية جرأة في الرواية التعامل مع الحرب بوصفها حضوراً غيابياً، فهي لا تُذكر مباشرة، بل تتسرّب إلى النص عبر الذاكرة والتفاصيل المرئية.
في المقابل، تسهب الرواية في بعض المقاطع بالوصف التأملي على حساب الحدث، إذ تتوقف الجملة الطويلة عند تفاصيل ثانوية تثقل الإيقاع من دون أن تضيف إلى البنية الدلالية، أيضاً تأخير الحوار مع رفيق الدرب يمتد حتى يفاجئ القارئ نطقه المحمل بأبعاد تاريخية أسطورية لم يمهد لها في القسم الأول.
اختار أنطوان أبو زيد أن ينهي روايته "المشّاء" بطريقة تليق بروحها العميقة، إذ لا تسدل الستارة على مشهد هادئ أو خاتمة مريحة، بل تنقلب الرواية على نفسها في لحظة مباغتة تجمع بين النبل والمأساة، فيجد المشّاءان نفسيهما أمام امتحان لا علاقة له بالطريق ولا بالمسافة، بل بشيء أكثر بدائية وأعمق إنسانية، حين يجتمع المشي بالغرق والطين.
لعل ما يمنح هذه الخاتمة ثقلها الحقيقي هو التحول المفاجئ في النبرة السردية، إذ يتخلى الكاتب عن صوت الراوي المتأمل الذي رافقنا طوال الرحلة، ليفسح المجال لصوت راوٍ آخر بارد وخارجي، كأن العالم الرسمي يعيد تصنيف ما عاشه البطلان في رحلة المشي، وتسميته بلغة مختلفة تماماً.
وفي هذا التناقض بين غنى الرحلة الداخلية وجفاف الرؤية الختامية، يكمن ربما أكثر ما في الرواية من مرارة وشاعرية في آن واحد. فالرواية عبر هذا كله لا تخاطب كل قارئ، بل تشترط قارئاً بعينه، من آنس في المشي معنى يفوق الحركة الجسدية، ومن يقبل أن يحمل أسئلة الوجود والهوية والزمن من دون أن يطلب إجابات مسبقة.