ملخص
يبقى مفهوم "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" أحد أبرز أسباب الأزمات المتكررة في تشكيل الحكومات العراقية، فمنذ انتخابات 2010، حين احتدم الجدل بين إياد علاوي ونوري المالكي حول أحقية تشكيل الحكومة، فتح تفسير المحكمة الاتحادية الباب أمام اعتبار الكتلة الأكبر هي التي تتشكل داخل البرلمان، وليس تلك التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات.
في كل دورة انتخابية، يجد العراق نفسه أمام مشهد سياسي يتكرر بتفاصيل مختلفة، لكنه يحمل الجوهر نفسه: مفاوضات طويلة، تحالفات متبدلة، وخلافات تتصاعد حول توزيع السلطة، لتتحول عملية تشكيل الحكومة إلى واحدة من أعقد الاختبارات التي تواجه النظام السياسي.
ومع كل تأخير، تتزايد تساؤلات الشارع العراقي بشأن أسباب هذا التعثر المزمن، وما إذا كان قد أصبح جزءاً بنيوياً من طبيعة العملية السياسية في البلاد.
انسداد يتجاوز المدد الدستورية
أظهرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت نهاية عام 2025 ملامح أزمة جديدة، لكنها مألوفة في سياق التجربة السياسية العراقية، فعلى رغم من تصدر ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني النتائج، جاء بعده ائتلاف "دولة القانون" الذي يتزعمه مرشح "الإطار التنسيقي" حتى هذه اللحظة نوري المالكي، وتحالف "تقدم" بقيادة محمد الحلبوسي، إلى جانب الحزب "الديمقراطي الكردستاني" وتحالف "صادقون" وائتلاف "إدارة الدولة"، فإن هذا التوزيع لم يُفرز أغلبية واضحة قادرة على حسم تشكيل الحكومة.
هذا التشتت في الخارطة السياسية دفع البلاد إلى دوامة من المفاوضات المعقدة، رافقتها طعون قانونية وخلافات دستورية، مما أدى إلى تأخير الاستحقاقات الأساسية، وفي مقدمها انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يمثل المدخل الدستوري لتكليف رئيس الوزراء.
وفي محاولة لكسر حالة الجمود، حددت رئاسة البرلمان العراقي 11 أبريل (نيسان) الجاري موعداً لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بعد ضغوط سياسية متصاعدة، مدعومة بطلب رسمي قدمه نحو 220 نائباً، في مؤشر إلى تنامي الرغبة داخل المؤسسة التشريعية لإنهاء حالة التعطيل.
"الكتلة الأكبر" عقدة دستورية متجددة
يبقى مفهوم "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" أحد أبرز أسباب الأزمات المتكررة في تشكيل الحكومات العراقية، فمنذ انتخابات 2010، حين احتدم الجدل بين إياد علاوي ونوري المالكي حول أحقية تشكيل الحكومة، فتح تفسير المحكمة الاتحادية الباب أمام اعتبار الكتلة الأكبر هي التي تتشكل داخل البرلمان، وليس تلك التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات.
هذا التفسير، الذي أعاد تشكيل موازين القوى السياسية بعد إعلان النتائج، تحول إلى نقطة خلاف دائمة، أعادت إنتاج الأزمات في دورات انتخابية لاحقة، أبرزها 2018 و2021، وصولاً إلى الأزمة الحالية.
وفي تطور لافت، عدّ رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان أن التفسير السائد شابه "عدد من المثالب الدستورية"، مؤكداً أن النص الدستوري يشير بوضوح إلى أن الكتلة الأكبر هي الفائزة فعلياً في الانتخابات، وليس تلك التي تتشكل لاحقاً عبر التحالفات.
وفي مقال له في صحيفة "الشرق الأوسط" بعنوان "خطيئة التفسير الخاطئ للدستور"، انتقد زيدان قرار المحكمة الاتحادية لعام 2010، معتبراً أنه أتاح تغيير نتائج الانتخابات وأضعف الثقة بالمشروعية الدستورية، وأسهم في إدخال البلاد بأزمات سياسية متكررة.
مسارات قانونية للخروج من الأزمة
طرح زيدان ثلاثة مسارات لمعالجة هذا الإشكال، تبدأ بتعديل دستوري صريح يحدد مفهوم الكتلة الأكبر، مروراً بتعديل قانون مجلس النواب لإلزام تسجيل الكتلة الأكبر في الجلسة الأولى، وانتهاء بإعادة تفسير قضائي مقيد يربط الكتلة الأكبر بنتائج الانتخابات حصراً.
في حين يرى الخبير القانوني علي التميمي أن التفسيرات المتعددة للمادة 76 من الدستور أسهمت في تعقيد المشهد السياسي، مشيراً إلى أن المحكمة الاتحادية وسعت مفهوم الكتلة الأكبر في قراراتها اللاحقة، بما فتح الباب أمام تشكيلها في مراحل مختلفة.
ويؤكد التميمي أن الحل يكمن في حسم هذا المفهوم دستورياً أو قانونياً، لضمان احترام إرادة الناخبين، ومنع الالتفاف على نتائج الانتخابات عبر تحالفات لاحقة قد تغير موازين القوى.
تداخل التأثيرات
لم تقتصر تعقيدات تشكيل الحكومة على العوامل الداخلية، بل امتدت إلى التأثيرات الخارجية، التي تلعب دوراً غير مباشر في إعادة رسم التحالفات. فقد أثار الموقف الأميركي الرافض لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء جدلاً واسعاً، وأعاد خلط الأوراق داخل التحالفات السياسية، مما زاد من تعقيد المشهد.
هذا التداخل بين الداخلي والخارجي يعكس طبيعة النظام السياسي العراقي، الذي يتأثر بتوازنات إقليمية ودولية، تجعل من عملية تشكيل الحكومة أكثر حساسية وتعقيداً.
أزمة بنيوية أم سلوك سياسي؟
في قراءة أعمق لطبيعة الأزمة، يرى الباحث في الشأن العراقي خالد العرداوي أن ما يعيشه العراق يتجاوز كونه مجرد خلل في العملية السياسية، ليصل إلى جذور أعمق تتعلق بالثقافة السياسية السائدة.
ويقول العرداوي، إن هذه الثقافة "سمحت لقوة المدفع أن تعلو على قوة القانون، ولإرادة الفرد والقلة أن تتقدم على إرادة الشعب"، معتبراً أن أي نظام سياسي، مهما كان شكله، سيبقى أسيراً لهذه الحاضنة الثقافية، ما لم يحدث تغيير جذري في القيم والمؤسسات.
ويضيف أن ما شهده العراق بعد 2003 من هشاشة في مؤسسات الدولة هو امتداد لتراكمات تاريخية، تفاقمت بفعل ضعف الحكومات المتعاقبة وتراجع الالتزام الأخلاقي لدى بعض القوى السياسية.
في المقابل، يذهب الباحث في الشأن السياسي مجاشع محمد إلى أن الأزمة هي مزيج من خلل بنيوي وصراع مصالح، مع ترجيح واضح للعامل البنيوي.
ويوضح أن النظام الذي تأسس بعد 2003 قام على التوافق والمحاصصة، وليس على مبدأ الأغلبية السياسية، مما أفرز حكومات ائتلافية هشة تمتلك فيها كل كتلة قدرة على التعطيل.
ويشير إلى أن الدستور نفسه يحتوي على "مساحات رمادية" تفتح الباب أمام التأويل، فيما تعاني الأحزاب ضعفاً مؤسسياً، وتحولت في كثير من الأحيان إلى شبكات نفوذ، مما يزيد من تعقيد المفاوضات.
معضلة مستمرة
لا يمكن فصل أزمة تشكيل الحكومات عن نظام المحاصصة الذي أصبح سمة ملازمة للعملية السياسية في العراق، فهذا النظام الذي يهدف نظرياً إلى ضمان تمثيل مختلف المكونات، تحول عملياً إلى آلية لتقاسم السلطة، مما يجعل من كل استحقاق انتخابي بداية لصراع جديد على توزيع المناصب.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح المفاوضات السياسية أقرب إلى "بازار سياسي"، إذ تتقدم المصالح الحزبية والشخصية على حساب البرامج السياسية، وتغيب معايير الكفاءة في اختيار المسؤولين.
هل من أفق للحل؟
رغم تعقيد المشهد، تبرز عدة مسارات يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة، من بينها تعديل الدستور لحسم الإشكالات القانونية، وتعزيز دور المؤسسات، وتطوير النظام الحزبي باتجاه مزيد من التنظيم والشفافية.
غير أن هذه الحلول تبقى رهينة بإرادة سياسية حقيقية، قادرة على تجاوز منطق المحاصصة، والانتقال إلى نظام يقوم على الأغلبية والمعارضة، بما يعزز الاستقرار السياسي.
ولا تبدو أزمة تشكيل الحكومات في العراق مجرد حالة طارئة، بل هي تعبير عن خلل عميق في بنية النظام السياسي، يتداخل فيه الدستوري بالسياسي، والداخلي بالخارجي، والثقافي بالمؤسساتي.