ملخص
لعل أول ما يلفت في الرجل ويثير اهتمام الشاب، نظرته الثاقبة والحزن العميق البادي على محياه، لكن الغريب في أمر ذلك الحزن هو ما ينم عنه من رغبة لدى البحار العجوز في قول ما يعتمل في داخله لمن يرضى بأن يصغي إليه، وها هو الشاب، إذ يدرك ذلك، يبدي تلك الرغبة في الإصغاء.
فما الحكاية؟
تنطلق الحكاية من جريمة تلوح لنا على الفور مجانية وعبثية، حتى من دون أن يخيل لنا أنها لم ترتكب إلا كمبرر لوجود هذه القصيدة، علماً أن وجود هذه القصيدة ما هو سوى لعبة تشي بفلسفة تتعلق بالحياة نفسها: ما هي؟ ما مبررات وجودها؟ وما الغاية من كل تلك المحظورات التي تصاغ من حولها بشكل يشعر معه الكائن الحي بأنه لم يوجد في هذه الحياة الدنيا إلا ليفقد كل حرية يتطلع إلى العيش في رحابها؟ فهل نحن، مع قصيدة صامويل كولريدج الكبيرة هذه، أمام نص وجودي مهد للأسئلة الكبرى التي ستطرح في طول وعرض القرن التالي للزمن الذي عاش فيه كولريدج وكتب، أي القرن الـ20؟
الواقع أن هذا السؤال هو الذي يطرحه قارئ القصيدة على نفسه، منذ يجد نفسه في سطورها الأولى، أي منذ اللحظة التي يقترف فيها البحار العجوز الذي يشير إليه عنوان القصيدة، تلك الجريمة التي لا نعرف سوى ما يرويه لنا هو عنها بعد فقرات من مفتتح القصيدة.
بعد مدخل درامي قبل ذلك، لدينا تمهيد لا علاقة له بأي حدث تالٍ في القصيدة، لدينا شاب نلتقيه وهو متوجه لحضور حفل زواج، لكنه في طريقه يلتقي رجلاً عجوزاً يبدو عليه من اللحظة الأولى أنه بحار قديم.
ولعل أول ما يلفت في الرجل ويثير اهتمام الشاب، نظرته الثاقبة والحزن العميق البادي على محياه، لكن الغريب في أمر ذلك الحزن هو ما ينم عنه من رغبة لدى البحار العجوز في قول ما يعتمل في داخله لمن يرضى بأن يصغي إليه، وها هو الشاب، إذ يدرك ذلك، يبدي تلك الرغبة في الإصغاء.
وهكذا تنطلق الحكاية الحقيقية، غير أنها حكاية مستقاة على أية حال من مجموعة حكايات قديمة تنتمي إلى فولكلور اسكوتلندي وإنجليزي وحتى إيرلندي، حكايات استحوذ عليها كولريدج في دمج شاءه تعبيراً عن حكاية بحاره الخاصة، لتتحول إلى الحكاية الدامجة، والتي أشرنا إلى موضوعها الأساس قبل سطور: حكاية البحار وجريمته التي يدفع اليوم ثمن اقترافه لها، كما يحكي لمن بات رفيق دربه الشاب في الطريق إلى العرس، وهي في الحقيقة جريمة لا تعاقب عليها القوانين الوضعية، ولا تستتبع أكثر مما ينبغي من لوم عابر، بيد أن البحار يشعر أنه لن يتوقف أبداً عن دفع الثمن وما تعبيره عما حدث أمام الشاب الآن سوى طريقته في دفع الثمن كتكفير عن تلك الجريمة.
ومع ذلك ها هو الشاعر يقنعنا في قصيدته بهول الجريمة وفظاعة اعتراف البحار العجوز بارتكابها. واستتباعاً ما سينتج من ذلك كله من انطباع حياة الشاب التالية بالحكاية، إلى درجة أنها ستظل تواكبه لفترة طويلة من حياته لينتهي به الأمر إلى تدوينها لتصل مدونة إلى الشاعر الذي قد يكون هو، في نهاية المطاف الشاب نفسه، بل ربما التقمص المعاصر للبحار نفسه وإن بصورة مواربة.
أصل الحكاية مهما يكن من أمر، نعود هنا إلى حكاية "تلك الجريمة" نفسها. في يوم من الأيام، يروي البحار للشاب، "في ما كانت سفينتنا تمخر بنا البحار في منطقة مجاورة للقطب الجنوبي، ظهر لنا طائر بحري ضخم الحجم هو من سلالة الباتروس"، يظهر الطائر إذاً، طالعاً من قلب الغمام الكثيف ليتلقفه البحارة بحبور ورضا، وهم إذ أسروه صاخبين مهللين منسجمين مع قوانين البحار القاضية بأسر هذا الطائر بدلاً من قتله، ربطوه وعهدوا إلى البحار بحراسته، غير أن هذا الأخير وفي خرق لا يستطيع تبريره لتلك القوانين، يجهز على الطائر، وعلى الفور وكما كان يمكن أن نتوقع تحل بالسفينة في مسارها وقد وصلت إلى المدار، لعنة جمدتها، بل جعلت روحاً شريرة تطارد السفينة منذ تلك اللحظة، سعياً إلى الثأر للطائر. وذلك من دون أن يغيب عن روح الانتقام تلك أن المسؤولية إنما تقع على البحار القاتل بالذات. وفي الوقت نفسه اتخذ فريق البحارة قراراً بأن تعلق جثة الطائر القتيل في عنق البحار القاتل بوصفه المسؤول الوحيد عما حدث وتطلعاً إلى التخلص من اللعنة.
وفي خضم ذلك، وبفعل اللعنة طبعاً، يبدأ البحارة بالموت عطشاً في الأقل، ويفقدون أي أمل حتى تلوح لهم سفينة يمكنهم الاستنجاد بها، لكن رعبهم يتضاعف مع يأسهم حين يرون السفينة الأخرى ما إن تسارع بالتوجه نحوهم، تنشطر نصفين للكشف عن كونها المركب - الشبح التي يهيمن عليها ذلك المخلوق الأسطوري المزدوج: الحي - الميت الذي يقرر أن يلعب حياة طاقم البحارة وموتهم بالنرد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرمي هذا الأخير وسط "تنافس" بين شخصيتي الكائن المزدوج، ليكون الموت هو الرابح وتكون النتيجة أن الموت يحصد البحارة واحداً بعد الآخر باستثناء بحارنا حامل جثة الطائر حول رقبته، والذي عليه الآن وهو يشاهد ما يحدث من حوله أن يتابع نظرات رفاقه الراحلين وهم يحدقون به بعتاب ولوم ورعب. وينتهي به الأمر إلى أن يتضرع إلى العناية الإلهية، بأن ترأف برفاقه. وبالفعل تتدخل العناية هنا بواسطة شفاعة السيدة العذراء. ويهطل المطر مدراراً مخففاً مما يحدث في وقت تكون فيه السفينة قد اقتربت من الساحل الإنجليزي.
البحار على درب التيه، لكن خلاص ما تبقى ومن تبقى من السفينة وبحارتها، لا يشمل البحار العجوز الذي بات يتعين عليه الآن أن يتوه بين بلد وآخر لكي يروي حكايته ويتحدث نادماً عن خطيئته، معلناً أنه يعاني ما يعاني بسبب إساءته المجانية العابثة للكيانات التي خلقتها العناية الإلهية لتكون جزءاً من الكينونة والحياة وزينة لجمال الوجود.
ونعرف أن هذه القصيدة تعتبر من أجمل وأكمل ما كتب صامويل تايلور كولريدج (1772 - 1834)، بل واحدة من أجمل قصائد التيار الرومنطيقي الإنجليزي على الإطلاق. وقد ربط نقاد ومؤرخون قصيدة "ما قاله البحار العجوز" من ناحية بحماية "اليهودي التائه"، ومن ناحية ثانية بحكاية "قايين"، حتى وإن كانت شخصية البحار ملزمة، وعلى عكس شخصيتي هذين الأخيرين، بأن تبقى على الدوام، ودائماً في ترديدها الحكاية ليلاً نهاراً وفي كل زمان ومكان، سلبية لا تعبر عن أي انفعال أو حماسة أو أي رد فعل من أي نوع كان. ومن الواضح هنا أن هذه السلبية التي يلتزم بها البحار يمكن اعتبارها من أكبر ضروب العقاب التي وجهت إليه بوصفه ملعوناً تقوم لعنته في خلو حياته من أي شعور أو موقف.