Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لحن أوبرالي رومانسي من فيردي لمسرحية هوغو الصاخبة

أوبرا "هرناني" ليست مثالاً حياً على كيفية انتقال الرومانسية الأوروبية من اللغة إلى النغمة ومن الخشبة إلى الأوركسترا محتفظة بحرارتها الثورية

مشهد من تقديم معاصر لأوبرا "إرناني" (موقع العرض)

ملخص

كانت مسرحية "هرناني" لفيكتور هوغو إحدى المحطات المبكرة الحاسمة في مسيرة الموسيقار الإيطالي جيوزيبي فيردي، وقد عرضت للمرة الأولى، عام 1844 على خشبة مسرح لا فينيس في البندقية، باعتبارها مسرحية شكلت لحظة مفصلية في انتصار الرومانسية الفرنسية على الكلاسيكية.

لا يمكن اعتبار مسرحية فيكتور هوغو (1802 – 1885) "هرناني" من أعمال هذا الكاتب الفرنسي الكبير الأساسية، حتى وإن كانت في معنى من المعاني تعتبر من أشهر مسرحياته وربما أكثر أعماله إثارة للصخب في زمانها.

ولهذا الاعتبار سبب لا مراء فيه، فهي حين قدمت على الخشبة الباريسية للمرة الأولى عام 1830، ما لبثت منذ ليلة العرض الأولى أن ملأت الدنيا وشغلت الناس، ولكن ليس لقوتها وافتتان هؤلاء الناس بها، بل لمجرد أنها بموضوعها وأجوائها عرفت كيف تدفع النقاد وجمهوراً متنوراً إلى اعتبارها رمزاً لهيمنة المسرح الرومانسي على الحياة الفنية الفرنسية.

وهكذا حيث ساد الهرج والمرج في الصالة التي تعرضها، وقف عدد من أشهر الكتاب والفنانين في الصالة، ثم بعد ذلك على صفحات الصحف بل حتى في المنابر، يتحدثون عنها مناصرة أو مناوأة – كل بحسب توجهه الفكري ولكن من دون أن يدنو كثر منهم من جمالياتها وأبعادها الفنية – فكان أن تحولت إلى قضية سياسية، وفي الأقل كما يخبرنا الكاتب ثيوفيل غوتييه (وأشرنا إلى ذلك في مقال عنه في هذه الزاوية قبل أسابيع قليلة) الذي تزعم الدفاع عنها في الصالة وعلى أعمدة الصحف.

وبهذا احتلت "هرناني" ومن دون أن تستحق ذلك في حقيقة الأمر على أية حال، مكانة تأسيسية وأساسية في الحياة الفنية، بل حتى الاجتماعية، الفرنسية. ولا سيما أن أموراً كثيرة قد تكشفت على الفور في صددها وأهمها أن هوغو، الغاضب في العام السابق لمنع الرقابة مسرحيته "ماريون ديلورم" من العرض في "الكوميدي فرانسيز" انتظر شهراً ثم كتب "هرناني" بجرة قلم.

وكل هذ كان لا شك يشغل بال الموسيقي الإيطالي الشاب، جيوزيبي فيردي الذي كان في الـ17 حين انفجرت القضية في العاصمة الفرنسية وتابعها باهتمام، ثم كان في الـ27 حين خاض عبرها تجربة التلحين الأوبرالي للمرة الثالثة في مساره الفني عام 1840، لكن الأوبرا لم تقدم إلا بعد ذلك بأربعة أعوام من دون أن تثير كأوبرا ما كان العمل نفسه قد أثاره كمسرحية في باريس.

الرومانسية بوصفها ثورة

ومن هنا كانت أوبرا "هرناني" إحدى المحطات المبكرة الحاسمة في مسيرة فيردي، وقد عرضت للمرة الأولى، عام 1844 على خشبة مسرح لا فينيس في البندقية، وهي مستندة إلى مسرحية "هرناني" لفيكتور هوغو، باعتبارها مسرحية شكلت لحظة مفصلية في انتصار الرومانسية الفرنسية على الكلاسيكية.

لكن الحقيقة أن انتقال النص من خشبة المسرح الباريسي إلى الأوبرا الإيطالية لم يكن مجرد اقتباس، بل كان وبحسب فيردي نفسه حين راح يستذكر هذا العمل بعد أعوام كثيرة من تقديمه، "إعادة صياغة لروح التمرد الرومانسي ضمن قالب موسيقي إيطالي مكثف وعاطفي". وذلك حتى وإن كان فيردي غير جاهل أن "هرناني" - "إرناني" باللفظ الإيطالي طبعاً - كانت ومنذ قدمها كمسرحية في باريس حتى التقطها هو ليمنحها ذلك البعد الفني الإيطالي، عملاً ثلاثي الانتماءات في حقيقتها.

إذ إنها إلى جانب جذورها الكتابية الفرنسية، واشتغاله الإيطالي، إذ اشتغل عليه بنفسه ضمن موسقة إيطالية لا مراء فيها، كانت ذات انتماء إسباني أيضاً، كون أحداثها تجري في إسبانيا مستندة إلى وقائع وصفت حينها بأنها فولكلورية إسبانية.

وإلى ذلك كله قد يمكن القول إن "هرناني" بدا على الدوام نصاً يتحدى قواعد الوحدات الثلاث، ويمزج بين السمو والابتذال، بين البطولة والمأساة العاطفية، مزجاً يكاد يكون خطياً على أية حال. وذلك من خلال بطلها، هرناني نفسه، النبيل المتمرد الخارج على السلطة، تحركه عاطفة عاصفة وشعور بالكرامة الشخصية، وهو أمر يمكننا من أن نقول إن هذا التوتر بين الفرد والسلطة، بين الشرف والحب، هو ما جذب فيردي إلى النص.

ففي أربعينيات القرن الـ19 كان فيردي في مرحلة البحث عن مواضيع بطولية ذات طابع سياسي مبطن. إيطاليا نفسها كانت تعيش زمن "الريزرجيمينتو"، أي حركة التوحيد الوطني، وعلى رغم أن "هرناني" تدور أحداثها في إسبانيا القرن الـ16، فإن موضوع التمرد على السلطة الإمبراطورية كان يحمل أصداء معاصرة للجمهور الإيطالي.

شرف وحب وموت

تدور أحداث الأوبرا حول ثلاث شخصيات رئيسة: هرناني، النبيل المنفي الذي أصبح خارجاً عن القانون، ودونا سول، المرأة التي يحبها، ودون كارلو (الذي سيصبح الإمبراطور شارل الخامس)، إضافة إلى سيلفا، النبيل العجوز الذي يريد الزواج من دونا سول.

الصراع ليس مجرد مثلث عاطفي، إنه صراع شرف. هرناني مطارد من الملك، لكنه لا يفقد إحساسه بالنبل الداخلي. سيلفا، على رغم غيرته، يتمسك بقانون الضيافة والشرف الأرستقراطي. دون كارلو يتحول من عاشق غيور إلى إمبراطور متسامٍ يختار الصفح بدلاً من الانتقام، لكن الأوبرا تنتهي بمأساة: هرناني، الذي كان قد أقسم على الانتحار إذا طالبه سيلفا بذلك، يفي بقسمه ليلة زفافه من دونا سول، وهكذا ينتصر "الشرف" على الحب، أو بالأحرى يدمر الشرف الحب، فما الذي تغير في التحويل الدرامي؟

النص الشعري الذي كتبه فرانشيسكو ماريا بيافي اختصر نص هوغو، خفف من تعقيداته السياسية، وركز على الخط العاطفي والصراعات الشخصية. المسرحية الأصلية أكثر اتساعاً في نبرتها، وأكثر اشتباكاً مع فكرة السلطة التاريخية. أما الأوبرا فتميل إلى تكثيف المشاعر وتحويلها إلى ذرى موسيقية. في نص هوغو التمرد سياسي وفلسفي بقدر ما هو عاطفي. في أوبرا فيردي يصبح التمرد وجدانياً، ويترجم عبر الألحان القوية، والكورالات الحماسية، والثنائيات المشحونة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موسيقى فيردي تتشكل

"إرناني" تنتمي إلى ما يسمى أحياناً "أعوام السخرة" عند فيردي، وهي الفترة التي كتب فيها عدداً كبيراً من الأوبرات بسرعة ملحوظة وذلك لمجرد ان تدر عليه الواحدة منه ما يمكنه من العيش بكرامة.

ومع ذلك تظهر في هذا العمل ملامح الأسلوب الذي سيبلغ ذروته لاحقاً. الآريا الشهيرة "Ernani, involami" لدونا سول تكشف عن ميل فيردي إلى منح الشخصية النسائية صوتاً عاطفياً قوياً. كذلك فإن جوقات المتآمرين تحمل طاقة جماعية تشبه تلك التي نجدها في "نابوكو"، حيث يصبح الكورال تعبيراً عن إحساس جمعي بالاضطهاد. الموسيقى هنا لا تحلل النفس بعمق كما سيفعل فيردي في أعماله المتأخرة، لكنها تشحن العاطفة إلى أقصاها. هناك وضوح في التقابل بين المقاطع الغنائية الرقيقة والانفجارات الدرامية.

ما يميز "هرناني" هو هيمنة فكرة الشرف بوصفها قوة قدرية. الشخصيات لا تموت لأن الظروف قاسية فحسب، بل لأنها أسيرة قسم أو مبدأ. في هذا المعنى تحتفظ الأوبرا بروح التراجيديا الكلاسيكية، على رغم أصولها الرومانسية. هرناني ليس بطلاً واقعياً، هو رمز، رجل يعيش خارج القانون، لكنه أكثر التزاماً بقانونه الداخلي من أي شخصية أخرى، هذا التناقض ـ الخارج عن القانون الذي يحترم قسماً حتى الموت ـ هو ما يمنح العمل توتره الأخلاقي.

بين المسرح والأوبرا

تحويل مسرحية هوغو إلى أوبرا يكشف اختلافاً جوهرياً بين الفنين. المسرح يعتمد على الكلمة، على الخطاب البلاغي الطويل، والأوبرا تختزل الخطاب إلى لحظة موسيقية مكثفة.

في "هرناني" تتحول المونولوغات الرومانسية إلى آريات، ويتحول الجدل السياسي إلى توتر صوتي، ومع ذلك تبقى الروح واحدة: الاحتفاء بالفرد الذي يواجه السلطة، وبالعاطفة التي تتجاوز العقل. هذه الروح هي ما جعل العمل يحظى بنجاح كبير عند عرضه الأول، وما جعله يستمر في repertory دور الأوبرا.

ويبقى السؤال الذي يتعين طرحه هنا هو ذاك المتعلق بمكانة هذه الأوبرا في مسيرة فيردي: على رغم أن "هرناني" لا تعد من قمم فيردي المتأخرة مثل "ريغوليتو" أو "لا ترافياتا"، فإنها تمثل خطوة مهمة في تطوره. هنا نرى انتقاله من الأوبرا التاريخية الصاخبة إلى دراما أكثر تركيزاً على الصراع الداخلي، حتى وإن ظل التعبير مباشراً نسبياً. إنها أوبرا عن الشباب في موضوعها وأسلوبها، فيها اندفاع، حدة، مثالية مفرطة، وربما لهذا السبب تحتفظ بجاذبيتها: لأنها تقدم لنا عالماً يؤمن بأن الكلمة المعطاة أغلى من الحياة، وأن الحب، مهما كان عاصفاً، قد يخضع لقانون الشرف.

في النهاية، "هرناني" ليست مجرد اقتباس موسيقي لمسرحية هوغو، بل هي مثال حي على كيفية انتقال الرومانسية الأوروبية من اللغة إلى النغمة، ومن الخشبة إلى الأوركسترا، محتفظة بحرارتها الثورية وإن تغيرت وسيلتها التعبيرية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة