ملخص
أزمة الخبز في غزة تعود لذروتها، ربطة الأرغفة بـ10 دولارات، وآلاف العائلات تعود من الطوابير بيد خاوية، في هذا التقرير ترصد "اندبندنت عربية" انهيار سلاسل التوريد، وسياسة التجفيف المالي التي جعلت 95% من السكان تحت رحمة مخابز معطلة.
أمام نقطة بيع خبز في غزة وقفت سهى في طابور طويل منذ الثالثة فجراً، كانت تضع في جيبها وصفة طبية لابنتها المريضة، تنتظر دورها ممسكة بالقليل من النقود، وقلبها مثقل بقلق متراكم، على أمل أن تعود إلى أطفالها بربطة خبز واحدة قد تبدو بسيطة لكنها بالنسبة لهم تعني الحياة.
كل ما ترجوه سهى ألا ينام أطفالها جائعين وأن تتمكن من الحصول على حصتها في أرغفة تسد رمقهم، وتقول "أستيقظ كل صباح وأنا أهيئ نفسي للأسوأ، لا أعلم إن كنت سأعود بربطة خبز أم بأيد خاوية، أقف في الطابور ساعات طويلة، وغالباً ما أعود بلا شيء".
سوق سوداء
بعد ساعتين من الانتظار، وقبل أن يصل دور سهى بخمسة أشخاص فقط، أغلق صاحب نقطة توزيع الخبز بابه الخشبي وصاح "خلصت الأرغفة، الرجاء منكم المغادرة فوراً والعودة غداً"، حينها لم تصرخ سهى بل سقطت دمعة صامتة وهي تنظر إلى كفيها الفارغتين.
ما إن انتهى توزيع الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي، حتى بدأت مجموعة من الأشخاص تنادي بأعلى صوتها "ربطة الأرغفة بـ10 دولارات"، خطفت سهى عينها على وصفة الطبيب لابنتها وحركت نظرها نحو بائع الخبز في السوق السوداء، حائرة كيف تتصرف.
تضيف "أضطر لشراء الخبز من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، أطفالي بدأوا يشعرون بتبعات الأزمة. الجوع قاس على الأطفال وهذا أكثر ما يؤلمني، لكن اليوم أحتاج الـ10 دولارات لشراء الدواء لصغيرتي، وهذا يعني أننا سنجوع ولن نأكل خبزاً هذا النهار".
وتستعيد سهى ما كان عليه الوضع قبل أسابيع قليلة "كان الخبز متوفراً والطوابير منظمة، والأسعار شبه مستقرة، وفجأة بدأ الحديث عن نقص الدقيق، قلصت معظم المخابز إنتاجها وأصبح الحصول على الخبز مهمة شبه مستحيلة".
3 مجاعات والـ4 على الطريق
في الواقع، عاشت غزة ثلاث مجاعات فتاكة خلال الحرب الإسرائيلية التي بدأت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، ولكن عندما وافقت حركة "حماس" على خطة السلام والازدهار وتوقف القتال العسكري، رفعت تل أبيب جزءاً من قيودها على المعابر وتدفق الدقيق والوقود بسهولة للقطاع المحاصر. لكن عندما اندلعت الحرب بين إيران وإسرائيل، أعادت تل أبيب فرض قيود صارمة على سلاسل التوريد لغزة، وتأثر تدفق الدقيق والوقود سلباً، وبسرعة عادت أزمة الخبز لتلقي بظلالها الثقيلة على العائلات التي تكافح يومياً لتأمين لقمة العيش، وخلال أبريل (نيسان) الحالي تفاقمت مشكلة الحصول على الرغيف بصورة حادة مما ينذر بكارثة إنسانية جديدة.
ليست جديدة أزمة رغيف الخبز على الغزاويين، لكن عودتها الحالية مرعبة فهي تعني الجوع وسوء التغذية وحرباً طاحنة من أجل كسرة خبز ساخنة أو كيلوغرام من الطحين الأبيض، وبسرعة تفاقمت، إذ بدأ السكان يشعرون بنقص في الأرغفة في نهاية فبراير (شباط) الماضي ومع بداية أبريل الجاري كان العجز في الإنتاج وصل إلى 50 في المئة.
في الحقيقة، أزمة الخبز قاسية على الغزاويين وحالياً تشق طريقها نحو كارثة تجويع تنهش البطون، إذ يعتمد نحو 95 من الأسر على الأرغفة التي تنتجها المخابز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي، ومع تشديد القيود على الإمدادات تراجعت كميات إدخال الطحين والوقود وغاز الطهي.
في ظل هذه الظروف التي يصعب استمرار تحملها، برزت السوق السوداء كملاذ اضطراري لكثير من الأسر على رغم كلفتها الباهظة، إذ تباع الربطة التي تزن كيلوغرامين بـ10 دولارات، مقارنة مع دولار واحد في المخابز التي تدعمها الأمم المتحدة.
أزمة الطحين
يقول رئيس جمعية أصحاب المخابز عبدالناصر العجرمي "الأسباب التي تقف خلف تجدد هذه الأزمة تبدأ بالتحكم في كميات الطحين والوقود التي تدخل إلى القطاع، المخابز تحتاج إلى إمدادات يومية منتظمة من الدقيق، الأزمة في غزة حالياً هي أزمة إمداد ولوجيستيات بالدرجة الأولى".
في الميدان، تعتمد المخابز في غزة على نظام التوريد اليومي ولا يوجد مخزون استراتيجي يكفي لأكثر من أيام قليلة، وأي تعطل في المعابر لمدة 48 ساعة يعني توقف أفران المخابز فوراً.
يحتاج سكان القطاع إلى ما لا يقل عن 500 شاحنة من المساعدات والبضائع المتنوعة يومياً، حصة الطحين من ضمنها نحو 150 شاحنة لضمان استقرار عمل المخابز وتلبية حاجة المواطنين للخبز المنزلي، أما الواقع الحالي، بحسب بيانات برنامج الأغذية العالمي، فيشير إلى أن متوسط ما يدخل فعلياً هو 60 شاحنة فقط، مما يعني وجود عجز يتجاوز 70 في المئة من الاحتياج الفعلي للطحين.
بسبب هذا النقص، قفز سعر ربطة الخبز في الأسواق غير الرسمية إلى مستويات خيالية، إذ قد يصل في بعض المناطق إلى 10 دولارات في حال توفر الربطة، بينما السعر المفترض لا يتجاوز دولاراً واحداً.
يوضح العجرمي أن هناك انخفاضاً حاداً في إمداد غزة بالطحين إذ يتوقف التوريد أيام العطل، الجمعة والسبت، مما يجعل المعدل الأسبوعي العام منخفضاً جداً ولا يتناسب مع الاستهلاك اليومي المستمر، كما أن شاحنات القطاع الخاص لا تحمل الطحين، وهذا النقص هو السبب المباشر وراء عودة الطوابير الطويلة التي نراها اليوم، "لذلك الأزمة ليست ناتجة عن انقطاع تام، بل عن سياسة التنقيط الغذائي، إذ يتم إدخال أقل من ثلث الحاجة الفعلية، مما يضمن بقاء السكان في حال دائمة من البحث المضني عن الرغيف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مقارنة تحويل الرغيف لأزمة
لتوضيح ذلك بالأرقام، فإن المسار الزمني لأزمة الخبز ينقسم إلى ثلاث محطات رئيسة توضح كيف تدهور الوضع من الحصار التقليدي إلى سياسة التنقيط ثم إلى الانهيار الحالي، ما قبل أكتوبر عام 2023 كانت تدخل غزة 500 شاحنة يومياً وتعمل المخابز بكامل طاقتها وبوفرة وتباع ربطة الأرغفة بحوالى دولارين فقط. أما عام 2025 في فترات الهدوء النسبي فكانت تدخل غزة 200 شاحنة، وكانت المخابز تعمل بـ60 في المئة من طاقتها مع وجود طوابير متقطعة وتباع ربطة الخبز بحوالى دولار، وفي السوق السوداء بنحو ثلاثة دولارات، لكن في أبريل الجاري، تدخل غزة 30 شاحنة فقط، وتوقف 80 في المئة من المخابز، وهناك عجز إنتاجي يتجاوز 70 في المئة، وتباع الربطة بـ10 دولارات.
الديزل من أسباب الأزمة
من بين أسباب أزمة الجوع ونقص الخبز في غزة حالياً كما يوضح رئيس جمعية المخابز أزمة الوقود "الاحتياج التشغيلي للمخابز التي لا تزال تعمل تحتاج إلى حوالى 150 ألف ليتر من الديزل أسبوعياً كحد أدنى، وأي تأخير في توريد الوقود يومين يؤدي إلى توقف 50 في المئة من المخابز الآلية فوراً، وهو ما حدث أخيراً وأدى لتكدس الناس أمام المخابز المتبقية".
ما يدخل فعلياً غزة من الديزل يتراوح بين 80 ألفا و110 آلاف ليتر أسبوعياً فقط، بما يشمل المخابز، والمستشفيات، وآبار المياه، لكن الحصة الفعلية للمخابز تصل إلى 60 ألف ليتر أسبوعياً أي أقل من نصف الحاجة الفعلية.
ويوضح العجرمي أنه بسبب انعدام اللحوم والخضراوات وارتفاع أسعار المعلبات، أصبح الخبز هو الطبق الرئيس الوحيد وليس مجرد صنف جانبي، مما ضاعف الطلب الفعلي وجعل نسبة الـ50 في المئة المتوفرة غير كافية إطلاقاً، "مما يخلق ضغطاً هائلاً على الطلب ويؤدي إلى ظهور السوق السوداء التي ترفع الأسعار وتجعل الرغيف غير متاح للفقراء".
إلى جانب هذه الأسباب هناك عوامل أخرى أدت لزيادة أزمة الخبز، يشير العجرمي إلى أن تقليص دخول غاز الطهي بنسب حادة جداً، "أدى إلى توجه ملايين النازحين نحو المخابز الآلية كخيار وحيد وأخير، مما أدى إلى انفجار في حجم الطلب لا يمكن للإمدادات الحالية تلبيته".
عوامل أخرى
ويبين العجرمي أن إسرائيل قلصت مواد التخمير والتحسين وهذا أمر يغفل عنه كثيرون، ويلفت إلى أن ذلك أدى لظهور السوق السوداء في ثلاث صور "الأولى سوق الطحين حيث يباع كيس الطحين بأسعار خيالية لأنه المصدر الوحيد المتاح، وأدى أيضاً لظهور سوق الوقود إذ يضطر بعض أصحاب المخابز لشراء ليتر الديزل بـ10 أضعاف سعره الحقيقي لضمان استمرار عمل الأفران، وأيضاً سوق الدور حيث ظهرت تجارة جديدة وهي بيع المكان في الطابور أو بيع الخبز الجاهز فور خروجه من المخبز بزيادة قدرها 500 في المئة عن السعر المدعوم".
من الأسباب المهمة والخفية التي أثرت على أزمة رغيف الخبز الساخن هي نقص التمويل الدولي إذ يواجه برنامج الأغذية العالمي صعوبات في استمرار الدعم بانتظام، وبحسب بيانات برنامج الأغذية العالمي وصل إليه 35 في المئة من التمويل الذي طالب به، وبالتي هو يمرّ بواحدة من أصعب مراحله التمويلية في ما يخص الاستجابة لأزمة غزة.
موقف الأغذية العالمي
تقول المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين، "نواجه عجزاً تمويلياً حاداً يهدد بانهيار كامل لسلسلة إمدادات الخبز في قطاع غزة، كما أن القيود المفروضة على دخول الوقود وارتفاع التكاليف اللوجيستية أجبرتنا على تقليص دعمنا للمخابز، وهو ما يضع مئات الآلاف من العائلات أمام خطر المجاعة الحقيقية، الخبز ليس رفاهية، بل هو وسيلة البقاء الأخيرة، ومن دون تدفق مالي منتظم، لن نتمكن من الحفاظ على عمل الأفران"، وتضيف مكين "نحن بحاجة إلى تدفق مستمر ومنتظم، وليس مجرد قطرات من المساعدات، من دون الوقود والطحين، المخابز ليست سوى جدران صامتة، توقف الأفران يعني انقطاع شريان الحياة الأخير لمئات الآلاف من العائلات التي لا تملك وسيلة أخرى للطهي، نضطر أحياناً لاتخاذ قرارات مؤلمة بتقليص الحصص الغذائية لضمان وصول القليل من الطعام لأكبر عدد ممكن من الناس"، وتتابع، "نعمل حالياً مع 20 مخبزاً في غزة تنتج حوالى 170 ألف حزمة من الخبز يومياً تصل إلى ما يقدر بنحو 850 ألف شخص، بينما عدد السكان في القطاع يقدر بحوالى 2.3 مليون نسمة، المجاعة لا تحدث لأننا لا نملك الطعام، بل لأننا لا نستطيع الوصول إلى الناس، القيود المفروضة على المعابر تجعل من المستحيل على المخابز أن تعمل بانتظام".
سوء تغذية حاد
أدت أزمة رغيف الخبز إلى سوء تغذية إذ انتقل سوء التغذية من مرحلة النقص إلى مرحلة الهزال الحاد والتهديد المباشر للحياة.
يقول متحدث صحة غزة خليل الدقران، "نسب سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة قد تضاعفت، واحد من كل ثلاثة أطفال يعانون سوء تغذية حاداً، ما يعرف طبياً بالهزال، إذ يفقد الجسم كتلته العضلية والدهنية بسرعة"، ويضيف، "هناك جيل كامل يواجه خطر التقزم، نتيجة نقص المغذيات الدقيقة مثل الفيتامينات والمعادن فترات طويلة، وهي أضرار جسدية وذهنية لا يمكن علاجها مستقبلاً، كما تعاني أكثر من 90 في المئة من النساء الحوامل والمرضعات فقر دم حاداً ونقصاً شديداً في التغذية"، ويوضح الدقران أن غالبية العائلات في غزة انتقلت من نظام الوجبتين إلى وجبة واحدة غير مكتملة يومياً، "هناك نمط متكرر حيث يتنازل الآباء عن حصصهم الضئيلة من الخبز لأطفالهم مما يؤدي إلى انهيار صحي سريع لرب الأسرة الذي يحتاج الطاقة للوقوف في الطوابير أو العمل".
مبرر إسرائيل
لكن رئيس القسم المدني في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق الكولونيل إلعاد غورين ينفي وجود أزمة خبز ويقول، "نوفر طاقة استيعابية كافية في المعابر، لكن المشكلة في عجز المنظمات الدولية، لا توجد مجاعة في غزة، ونحن لا نضع أي قيود على كمية المساعدات الغذائية التي تدخل، التزامنا الإنساني لا يتعارض مع التزامنا الأمني، نحن نسمح بدخول الطحين، إسرائيل تفعل أكثر من أي دولة أخرى في التاريخ لتجنب أزمة إنسانية في منطقة حرب، ندخل مئات الشاحنات يومياً".