Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لأميركا وإسرائيل غايات مختلفة في إيران

عدو مشترك، لكنهما يختلفان في فهم دوافعه وطبيعة نظامه

وسط الأنقاض في جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران، إيران، أبريل 2026 (مجيد أصغريبور/ وكالة أنباء غرب آسيا/ رويترز)

ملخص

بدا التناقض بين أهداف واشنطن وتل أبيب أحد أبرز وجوه الحرب على إيران: إسرائيل دفعت نحو إضعاف النظام أو إسقاطه، فيما تعاملت إدارة ترمب مع التصعيد بوصفه وسيلة لانتزاع صفقة، من دون إدراك كافٍ لأن بقاء النظام هو جوهر العقيدة الحاكمة في طهران. هذا التباين لم يضعف إيران بقدر ما منحها فرصة لتحويل الصمود إلى سردية نصر، ورسّخ لدى قيادتها أن احتمال البقاء تحت النار، مهما بلغت الكلفة، هو بحد ذاته إثبات لصلابة الجمهورية الإسلامية وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها.

أنهى إعلان الرئيس دونالد ترمب مساء الثلاثاء وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين، ولو موقتاً على الأقل، القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. لكنه لم يفعل الكثير لمعالجة الافتقار إلى الاتساق الاستراتيجي الكامن في قلب الحملة الأميركية - الإسرائيلية، وهو ما لم تُبدِ أي من الحكومتين استعداداً للاعتراف به علناً: فالشريكان يخوضان الحرب نفسها، لكن لأسباب مختلفة جذرياً. بالنسبة إلى إسرائيل، ظل احتمال المواجهة المباشرة مع الجمهورية الإسلامية حاضراً بقوة منذ عقود. وقد درست النظام بدرجة من التفصيل قلّما بلغتْها واشنطن. ولأن إسرائيل تدرك أن بقاء النظام هو المبدأ الناظم للجمهورية الإسلامية، فقد ركز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تصفية القيادة وتغيير النظام باعتبارهما الهدفين الأساسيين للحملة.

أما إدارة ترمب، فقد دخلت الصراع وهي تفترض أن إظهار قوة عسكرية مقنعة بما يكفي قد يرغم قيادة النظام الإيراني على القبول بصفقة. والمنطق نفسه كان وراء حملة "الضغط الأقصى" التي انتهجتها إدارة ترمب الأولى ضد طهران، كما كان وراء سعي إدارة ترمب الثانية إلى إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وبعبارة أخرى، أعطى التخطيط الاستراتيجي الأميركي حيال إيران، على نحو مستمر، الأولوية لملفات مثل عدد الصواريخ ومستويات تخصيب اليورانيوم بهدف التوصل إلى اتفاق نووي، فيما اعتبر أن التزام طهران الإيديولوجي الحقيقي بالحفاظ على النظام مسألة ثانوية.

هاتان المقاربتان ليستا متكاملتين، بل تسيران في اتجاهين متعاكسين، وقد أفضى التوتر بينهما إلى حملة منسقة عملياتياً، لكنها تائهة استراتيجياً. وقراءة إسرائيل للجمهورية الإسلامية، أي اعتبار بقاء النظام المفتاح الأساس للسلوك الإيراني، هي الأقرب إلى الدقة، حتى لو كانت الاستنتاجات التي يخلص إليها نتنياهو منها موضع شك من الناحية الاستراتيجية. فاستهداف إسرائيل المنهجي لأي محاور إيراني موثوق يهدد بإغلاق المساحة الدبلوماسية التي تتطلبها حسابات ترمب القائمة على عقد الصفقات، في حين أن إشارات ترمب المتكررة إلى الانفتاح على اتفاق أضعفت الضغط الذي تقوم عليه نظرية إسرائيل القائمة على انهيار النظام. وسواء صمد وقف إطلاق النار أم لم يصمد، فقد انكشف اتساع الصدع بين أهداف إسرائيل والولايات المتحدة، وبات في وسع الجمهورية الإسلامية أن تعد ذلك تأكيداً لما قاله مؤسسوها دائماً: إن البقاء، مهما كانت شروطه، يساوي النصر.

منظومة أمنية

بعد وقت قصير من ثورة 1979، قطع آية الله روح الله الخميني مع تقليد شيعي طويل من المسالمة السياسية، كان يقوم على أن أي سلطة سياسية شرعية لا يمكن أن تنشأ قبل ظهور الإمام الثاني عشر، وأن دور رجال الدين حتى ذلك الحين يجب أن يقتصر على الإرشاد الأخلاقي لا الحكم. لكن الخميني قلب هذا التصور رأساً على عقب، معتبراً أن غياب الإمام المهدي نفسه يفرض على الفقيه الأبرز أن يتولى السلطة السياسية ويمهّد لعودته في نهاية المطاف.

وفي يناير (كانون الثاني) 1988، بعد ثمانية أعوام من الحرب العراقية - الإيرانية، مضى الخميني أبعد من ذلك. وتحت ضغط التناقضات بين المثالية الثورية ومتطلبات الحكم في زمن الحرب، أعلن أن مصالح الدولة الإسلامية، أو ما سماه "مصلحة النظام"، تتقدم حتى على المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، بما في ذلك الصلاة والصوم والحج. وهكذا انمحى الفاصل تماماً بين الديني والاستراتيجي، وأصبح الحفاظ على الجمهورية الإسلامية نفسها الواجب الديني الأعلى.

وعندما توفي الخميني عام 1989، عُدّل الدستور الإيراني، وجرت مأسسة السلطة الكاريزمية التي تمركزت في شخص واحد ضمن بنية من مراكز القوة المتداخلة. وفُصلت المكانة الدينية عن السلطة السياسية، في إقرار ضمني بأن أياً من تلامذة الخميني لم يكن يحوز المنزلة الفقهية التي كانت تتطلبها نظريته الأصلية، كما أُعيد ترتيب الحرس الثوري الإيراني، وقوات الباسيج شبه العسكرية، والسلطة القضائية، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، وأُعيد تصميمها جميعاً على نحو يكرّس تكراراً مؤسسياً مقصوداً. وكان الهدف ضمان ألا يؤدي تدمير أي حلقة منفردة إلى إسقاط النظام بأكمله.

وكان اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير (شباط) أخطر اختبار لهذا البناء في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ثم جاءت عملية الخلافة التي نُفذت تحت قصف جوي أميركي - إسرائيلي متواصل لتبرهن عملياً على فاعلية هذا التصميم. ففي غضون عشرة أيام من مقتل خامنئي، اجتمع مجلس الخبراء الإيراني واختار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى، في عملية دفعتها ضغوط مباشرة من الحرس الثوري على أعضاء المجلس، وفق روايات متعددة أوردتها وسائل إعلام غربية كبرى. وكان اختيار مجتبى، وهو متشدد حتى قبل مقتل والده وزوجته وطفله، قراراً أمنياً اتُّخذ خدمة لاستمرارية النظام. وفي أول تصريح علني له، تعهد مجتبى بمواصلة الحرب، والإبقاء على مضيق هرمز مغلقاً، وصون ما سماه القيم غير القابلة للفصل للثورة الإسلامية.

ومع تعيينه، أعادت الجمهورية الإسلامية تشكيل نفسها حول قراءة أشد تمحوراً حول الأمن لعقيدتها التأسيسية، قراءة تتقدم فيها صراحة مقتضيات البقاء المؤسسي والقيادة الاستراتيجية على الاعتبارات الدينية. وإذا كانت رؤية الخميني الأصلية قد صورت المرشد الأعلى بوصفه "ملكاً فيلسوفاً"، فإن هذا الدور أفسح المجال الآن لصورة "مدير أمني".

اعرف عدوك

تابعت إسرائيل هذا التطور عن كثب. ففي حين تُنظر إلى إيران في واشنطن بوصفها واحداً من بين طيف عالمي واسع من التهديدات، وتأتي كل إدارة أميركية بمجموعة سياسات خاصة بها، نظرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى الجمهورية الإسلامية بوصفها تهديداً وجودياً منذ نشأتها. وتميل واشنطن إلى قراءة إيران استناداً إلى ما توفره وسائل الرصد الاستخباري وصور الأقمار الاصطناعية، أما إسرائيل فقرأت إيران عبر عقود من اختراق الحرس الثوري، والبرنامج النووي، والدائرة الضيقة للمرشد الأعلى. وقد أتاح هذا العمق الاستخباري لإسرائيل تطوير فهم عميق فعلاً لطريقة تفكير قيادة النظام، وما الذي تخشاه، وأين تكمن أكبر نقاط ضعفها.

واستخدمت إسرائيل بلا رحمة هذه المعرفة التي اكتسبتها بشق الأنفس، فقتلت خامنئي وسبعة من كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات في اليوم الأول من الحرب. وبعد أسابيع اغتالت علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والشخصية التي كان يُعتقد على نطاق واسع أنها تدير البلاد بعد مقتل خامنئي. ولم يترك نتنياهو مجالاً للالتباس في شأن هدف الحملة، إذ صوّر الضربات على أنها تهيئ "الظروف المثلى" لإسقاط الحكومة و"منح الشعب الإيراني الفرصة لإزاحتها".

وعكست الحملة إدراك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن نزعة البقاء لدى الجمهورية الإسلامية متجذرة بعمق في بنيتها المؤسسية إلى درجة أن أي استراتيجية لا تنتهي إلى تفكك النظام ستُبقي التهديد الجوهري قائماً. فالجمهورية الإسلامية، حتى وهي مكبّلة، ستعيد دائماً بناء قدراتها وتستأنف حملتها ضد إسرائيل.

استخدمت إسرائيل بلا رحمة معرفتها بالنظام الإيراني، وهي معرفة اكتسبتها بشق الأنفس

 

كانت مقاربة ترمب مختلفة. فقد دخلت إدارته الصراع متوقعة أن قيادة إيران، في مواجهة تدمير برنامجها النووي والقضاء على مرشدها الأعلى، ستُنتج في نهاية المطاف زعيماً أكثر استعداداً للتفاوض من أسلافه. وكان إيمان ترمب اللامحدود بمهارته الذاتية في إبرام الصفقات عنصراً مركزياً في سياسته تجاه إيران منذ ولايته الأولى. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" عام 2018، ظل يصر على أنه وحده قادر على انتزاع الاتفاق الشامل الذي عجز مفاوضو الرئيس باراك أوباما عن تأمينه. وأكد ترمب علناً أنه يريد أن يكون له دور في اختيار زعيم إيران المقبل، وشبّه "عملية الغضب الملحمي"، أي الحملة الأميركية ضد إيران التي بدأت في أواخر فبراير (شباط)، بالعملية الأميركية الرامية إلى القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتنصيب ديلسي رودريغيز زعيمة موقتة. ويبدو أنه واثق بأن محاوراً إيرانياً قابلاً للتجاوب مع المصالح الأميركية قد يبرز لاحقاً.

لكن هذه الثقة تستند إلى سوء فهم للمبدأ المحرك للجمهورية الإسلامية، وهو سوء فهم لا تشترك فيه إسرائيل، مهما تكن أخطاؤها الأخرى. فعلى خلاف فنزويلا، حيث كان خروج مادورو ثمرة صفقة بين أصحاب نفوذ علمانيين تتقاطع مصالحهم المادية ويمكن التوفيق بينها، تقوم الجمهورية الإسلامية على عقيدة دينية تتمحور حول بقاء النظام، وهو ما يجعل ترتيباً مماثلاً أمراً مستحيلاً، حتى لو فُهم هذا البقاء على أنه في خدمة الاستقلال الوطني. فإخلاص الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية ذو طبيعة دينية، مما يجعل احتمال ظهور نظير إيراني لرودريغيز من صفوفه أمراً شديد الاستبعاد.

وليست هذه المرة الأولى التي تسير فيها الولايات المتحدة وإسرائيل في اتجاهين مختلفين حيال إيران. فقد فرض ترمب وقف إطلاق نار، رغم الاعتراضات الإسرائيلية، لإنهاء حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران) 2025. وحتى الآن، ومع التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار، يجعل التوتر بين النظريتين الإسرائيلية والأميركية سلوك طريق متماسك نحو إنهاء دائم أمراً صعباً على الطرفين. فقد أعلن ترمب أن تغيير النظام قد تحقق، ثم أنكر أنه سعى إليه أصلاً، وهدد بتحويل إيران إلى أنقاض مع إبداء انفتاح على صفقة، كما قدم رئيس مجلس الشورى الحالي محمد باقر قاليباف بوصفه محاوراً واعداً، في وقت ندد فيه قاليباف، وهو قائد سابق في الحرس الثوري، بإمكان التفاوض. وفي المقابل، تستمر حملة الاغتيالات الإسرائيلية، رغم إقرار نتنياهو بأنه "لا يستطيع أن يقول على وجه اليقين إن الشعب الإيراني سيسقط النظام". وقال بنبرة متعالية في مارس (آذار): "يمكنك أن تقود أحدهم إلى الماء، لكن لا يمكنك أن تجبره على الشرب".

والنتيجة حرب سعت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، كل على حدة، إلى بلوغ نتيجة تجعلها استراتيجية الطرف الآخر أقل قابلية للتحقق. فالاستهداف الإسرائيلي المتواصل للقيادة الإيرانية جعل احتمال المخرج التفاوضي الذي يريده ترمب أكثر صعوبة. أما إشارات ترمب إلى الانفتاح على التفاوض، فهي تقوض الاستراتيجية الإسرائيلية، لأنها تمنح طهران سبباً لانتظار تراجع الضغط بدلاً من أن تستنتج عدم وجود مخرج دبلوماسي، وهو بالضبط الاستنتاج الذي تحتاج إسرائيل إلى أن تصل إليه إيران. وقد منحت الفجوة بين أهداف ترمب ونتنياهو طهران توقعاً معقولاً بأن شراكة أعدائها لن تصمد، سواء مع وقف إطلاق النار أو من دونه.

البقاء والتقدم

تملك إسرائيل فهماً أدق لديناميكيات النظام في طهران من الولايات المتحدة. لكن لا إسرائيل ولا واشنطن أحسنتا تقدير مدى كون العداء الخارجي عنصراً رئيساً لشرعية الجمهورية الإسلامية منذ الثورة. فتصنيف الخميني الولايات المتحدة بوصفها "الشيطان الأكبر"، وإسرائيل بوصفها إهانة لكرامة المسلمين، أُعيد إنتاجه عبر كل أجهزة الثقافة الرسمية على مدى عقود، مما أوجد خصماً دائماً يمكن تبرير الحاجة إلى الوصاية الدينية في مواجهته.

ودافعت طهران عن تمويلها لمحور المقاومة، أي شبكة القوى الإقليمية التي تضم حماس وحزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق، بالمنطق نفسه. فمن خلال وكلائها أبقت الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة على مسافة جغرافية، وفي الوقت نفسه حافظت على سردية موجهة إلى القاعدة الداخلية للنظام مفادها أن إيران دولة ثورية تعيش تحت حصار دائم. وعلى رغم أن هذه السردية لا تلقى قبولاً واسعاً لدى غالبية الإيرانيين، فإنها تستحوذ على ولاء شديد لدى شريحة كبيرة منهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأدى تفكيك إسرائيل لمحور المقاومة بين 2023 و2025 إلى إزالة الطبقة الوسيطة التي كانت تتيح لإيران امتصاص الضغط الخارجي من دون مواجهته مباشرة. وهكذا اختبرت حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران) النظام من جديد، لكن الهياكل المؤسسية الأساسية في طهران ظلت سليمة. ثم، مع دخول الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر، أدت احتجاجات يناير (كانون الثاني) إلى أن يشن النظام أعنف حملة قمع منذ الثورة. إلا أن طهران استخلصت من تلك المرحلة الدروس نفسها التي استخلصتها من كل أزمة سابقة: أن بديل الصمود هو الفناء، وأن الإقرار بالضعف أمام خصم يسعى بشدة إلى استغلاله لن يفعل سوى تسريع انهيار النظام.

وعزز الصراع الحالي هذا الاعتقاد لدى طهران. فالنظام يرى أنه إذا استطاع الصمود أمام الضغط الخارجي وفرض كلفة كافية على خصومه تستنزف إرادتهم السياسية، فسيكون قد انتصر. ومن منظور طهران، فإن صمود الجمهورية الإسلامية في وجه "عملية الغضب الملحمي" يشكل نوعاً من التثبيت الاستراتيجي لمزاعم النظام بالديمومة. وإذا كان من شيء أكدته الحرب، فهو تأكيد طهران أن الغاية النهائية للخصم هي تدمير الثورة الإسلامية.

لدى الحرس الثوري كل الأسباب التي تدفعه إلى صعود سلم التصعيد إذا لم يصمد وقف إطلاق النار

 

وبالنسبة إلى القاعدة الصلبة للنظام، وكذلك إلى كثير من الإيرانيين الذين يعارضون الحكومة لكنهم لا يستطيعون تأييد تفكيك الدولة من الخارج، فإن هذا التأكيد يحمل طاقة تعبئة لا يبدو أن واشنطن أو إسرائيل قد حسبتا حسابها بما يكفي. فقد تبين أن القوة العسكرية اللازمة لكسر إرادة الجمهورية الإسلامية أكبر بكثير مما توقعه الطرفان. كما جعلت الحرب منتقدي النظام داخل إيران أقل ميلاً، لا أكثر، إلى الدفع نحو انهياره، وهو ما يبطل فرضية الاستراتيجية الإسرائيلية. ومع تسبب الضربات على البنى التحتية المدنية والجامعات والأحياء السكنية في محو الفارق بين استهداف النظام وتدمير الدولة، ازداد نفور الإيرانيين بمختلف اتجاهاتهم السياسية من عبثية أدوات الإكراه التي انتهجتها إدارة ترمب.

وقد شجع ما بدا تأكيداً لصحة السردية التأسيسية للنظام طهران على خوض الحرب بوتيرة أشد مما كان يمكن أن تفعله لولا ذلك. فمن خلال إغلاق مضيق هرمز، تسببت إيران في واحدة من أكبر حالات انقطاع إمدادات النفط المسجلة، وكادت تفجر أزمة طاقة عالمية. ومن خلال استهداف الدول الست في مجلس التعاون الخليجي للمرة الأولى منذ ما عُرف بحرب الناقلات في أواخر الثمانينيات، أظهرت أن شركاء الولايات المتحدة الإقليميين يتحملون كلفة حقيقية ومستمرة لاصطفافهم معها. وحذر أول بيان للمرشد الأعلى الجديد من أن المسؤولين الإيرانيين يدرسون "فتح جبهات أخرى يفتقر فيها العدو إلى الخبرة ويكون فيها أكثر عرضة للهشاشة". كما عرض المجلس الأعلى للأمن القومي وقف إطلاق النار بوصفه توقفاً موقتاً لا نهاية للأعمال القتالية، مؤكداً صراحة أنه "لا يعني إنهاء الحرب"، وأن "الأيدي لا تزال على الزناد، وإذا ارتكب العدو أدنى خطأ فسيُواجَه بكامل القوة".

والخسائر التي تكبدتها إيران للحفاظ على هذا النهج فادحة. فقد نزح أكثر من 3.2 مليون إيراني بسبب القصف، وتعرضت البنية التحتية العسكرية والنووية لمزيد من التدهور، ولا يزال الاقتصاد، المنهك أصلاً بالعقوبات وانهيار العملة الذي أعقب حرب الأيام الـ12، يتأرجح على حافة الانهيار. وكانت احتجاجات يناير (كانون الثاني) شاهداً على الضعف الحقيقي في شرعية النظام الشعبية قبل بدء الحرب. لكن الحرس الثوري، بما يملكه من إمبراطورية اقتصادية ونفوذ سياسي ومرجعية دينية تبرر وجوده بوجود الجمهورية الإسلامية، ستكون لديه كل الدوافع لصعود سلم التصعيد إذا لم يصمد وقف إطلاق النار.

حقيقة مربكة

يحمل هذا التنافر الاستراتيجي في الحملة الأميركية - الإسرائيلية عواقب مهمة، وخصوصاً بالنسبة إلى واشنطن. فخلال حرب الأيام الـ12، كانت إسرائيل مستعدة لدفع الحملة باتجاه تغيير النظام قبل أن يطلب ترمب من نتنياهو، بصورة حاسمة، قبول وقف إطلاق النار. وهذا التوتر، الذي كبحته آنذاك الطبيعة المحدودة المعلنة للعملية الأميركية الهادفة إلى إضعاف القدرات النووية الإيرانية، عاد الآن في صورة أشد استعصاء. ويبدو أن ترمب نجح مرة أخرى في هندسة هدنة، ولو موقتة. لكن إذا أراد إبقاء احتمال مفاوضات أكثر ديمومة قائماً، فسيتعين عليه مواجهة حكومة إسرائيلية لا تزال أهدافها الحربية أكثر تطرفاً من أهدافه. والتوتر الذي أُحسن احتواؤه حتى الآن قد ينقلب سريعاً إلى انقسام فعلي ومرير، ولن تتأخر طهران في استغلاله.

وبعبارة أخرى، لا تملك واشنطن خيارات جيدة كثيرة لإنهاء الحرب نهائياً بشروطها. فإعلان النصر استناداً إلى تدهور القدرات العسكرية الإيرانية، مع الإبقاء على الجمهورية الإسلامية قائمة مؤسسياً ومشحونة إيديولوجياً، سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي صُممت أربعة عقود من السياسة الأميركية تجاه إيران لمنعها: نظام اجتاز اختباره الأقصى، ولديه كل الحوافز لإعادة بناء قدراته وتعزيزها بوضوح جديد في الغاية.

لعقود طويلة، دأبت الجمهورية الإسلامية على التضحية برفاه شعبها وبإمكان الإصلاح الداخلي على مذبح بقائها. وبالنسبة إلى البقايا المتشددة من نظام يرى استمرار الجمهورية الإسلامية التزاماً دينياً وواجباً ثورياً حتى في الأوقات العادية، فإن الاستسلام الآن لا يختلف عن الفناء الذاتي. وقد أساءت الولايات المتحدة فهم هذا المنطق طوال 47 عاماً. وكلفة ذلك اليوم حرب لا تزال بلا مخرج دائم، وشريكاً يسير في اتجاه مغاير، ونظاماً عالمياً سيظل اضطرابه قائماً بعد أي تسوية تقبل بها واشنطن في نهاية المطاف وتعدها تسويتها الخاصة.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 8 أبريل (نيسان) 2026

حسين بنايي أستاذ مشارك في الدراسات الدولية في كلية هاميلتون لوغار للدراسات العالمية والدولية في جامعة إنديانا في بلومينغتون، وهو مشارك في تأليف كتاب "جمهوريات الأسطورة: السرديات القومية والصراع الأميركي – الإيراني".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء