Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خصخصة المشافي... نفي لا يداوي قلق السوريين

طرح يرى المواطنون فيه حرماناً للفقراء من العلاج المجاني في ظل غياب نظام الضمان الصحي بالبلاد

يرى مراقبون أن الحديث الحكومي عن خصخصة المشافي لا يطمئن (مواقع التواصل)

ملخص

يجزم مراقبون للشأن السوري بأن حكومة الشرع سجلت انتصارات في الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية لكن الشأن الداخلي ما زال يراوح مكانه في ظل عدم وضوح الرؤية في كثير من الملفات أو تحسن المستوى المعيشي على رغم رفع الرواتب إلى الضعف لكن ما يحدث أن هذه الزيادة امتصها غلاء الأسعار.

"صحة السوريين ليست للبيع" هكذا وصف رئيس هيئة الاستثمار في سوريا، طلال الهلالي في بيان توضيحي له ما أثار كلامه حول خصخصة المستشفيات الحكومية من لغط، واستياء في الشارع، ومع أن المسؤول قد تراجع عن تصريحاته إلا أن الأوساط الشعبية وضعت كلامه على محمل الجد وكأن الأمر يبدو وشيكاً.

ولوح الهلالي في مقابلته المتلفزة إلى امتلاك القطاع الصحي العام نحو 71 مستشفى حكومياً وليس بعيداً يمكن تسليمها لشركات متخصصة بالقطاع الخاص لإدارتها والاستفادة من عوائدها، ويكون العمل بها على شكل شراكة مع الدولة، منوهاً بتطبيق الخصخصة في قطاع التعليم وإنشاء مدارس خاصة منها الدولية.

هذا الطرح رفضه السوريون لأنه يحرم الفقراء من العلاج المجاني في ظل غياب نظام الضمان الصحي في البلد، ومع صعوبة إثبات ما يسمى "فقر حال" فمن المتوقع حدوث عبث وتداخلات ومحسوبيات، علاوة عن أنه بالفعل تعاني البلاد حالاً اقتصادية متردية منذ نشوب الصراع المسلح الداخلي على مدى أكثر من عقد من الزمن فضلاً عن أن 90 في المئة من السوريين يقبعون تحت خط الفقر بينما 80 في المئة في حال فقر مدقع، وفق تقديرات برنامج الأغذية العالمي وتقارير أممية.

قرار خطر

وينظر المتخصص في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي والأمين العام للحركة الوطنية السورية، الدكتور زكريا ملاحفجي، إلى كون التوجه نحو خصخصة المستشفيات والقطاعات المدعومة سيفاً ذا حدين، وقبلها يحتاج إلى غطاء تشريعي، ويتوقف على طريقة تطبيقه، فهو قد يكون خطوة منطقية لتخفيف العبء عن دولة تعاني أزمة مالية وتحسين الكفاءة، لكنه يتحول إلى قرار خطر إذا أدى إلى تحويل الخدمات الأساسية كالصحة، إلى سلعة تقصي الفئات الفقيرة أو إذا جرى من دون رقابة وضوابط تمنع الاحتكار وارتفاع الأسعار.

وقال ملاحفجي في حديثه إلى "اندبندنت عربية": "في حال كالسياق السوري، حيث الهشاشة الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي مرتفعان، فإن الخصخصة الكاملة تحمل أخطاراً كبيرة، بينما يكون الخيار الأكثر توازناً هو خصخصة جزئية أو إدارية مع بقاء الدور الأساس للدولة في ضمان الحد الأدنى من الخدمات، أما قطاعات أخرى فهو مفهوم من ناحية تأمين موارد للخزانة وتقليل الهدر، لكنه قد يخلق صدمة اجتماعية إذا لم يجر تدريجاً وبالتوازي مع تعويض الفئات الضعيفة عبر دعم مباشر، مثل موضوع الكهرباء".

 

أما من الناحية القانونية فإنه لإقرار مثل هذا التغيير، لا سيما في ظل غياب برلمان (مجلس شعب) يناقش، ويخرج بتشريعات مناسبة، يرى ملاحفجي أن الدولة تمتلك الحق في تبني هذه السياسات، لكن الإشكالية الحقيقية ليست في القانون بل في الحوكمة أي في "الشفافية والعدالة والقدرة على إدارة التحول" من دون خلق أزمة اجتماعية أعمق من الأزمة الاقتصادية نفسها، وأن تكون فيها شفافية للشركات المتقدمة ورقابة حكومية.

في المقابل يخرج بعض الأصوات، وعلى قلتها تؤيد هذا القرار من مبدأ دعم الدولة والحكومة الانتقالية التي تسلمت البلاد في ظروف استثنائية وصعبة للغاية بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 وتشكيل الرئيس أحمد الشرع أول حكومة رسمية منذ توليه الحكم بأعقاب مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري، إذ تشكلت الحكومة في الـ29 من مارس (آذار) عام 2025 من 23 وزيراً.

وفي تعليق قال أحد المواطنين السوريين بعد خروجه من مؤسسة الكهرباء ودفعه مليون ليرة سورية (90 دولاراً) وهو ما يوازي راتبه الشهري، "بعد مرور عام بدأنا نعرف أن الحكومة الحالية تعتمد على الجباية بصورة أساسية"، مبدياً استغرابه من قرارات خصخصة الصحة والتعليم وغيرها من القطاعات مع تدني دخل الفرد إلى مستويات لا تكفي لدفع فاتورة كهرباء.

ويجزم مراقبون للشأن السوري بأن حكومة الشرع سجلت انتصارات في الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية لكن الشأن الداخلي ما زال يراوح مكانه، في ظل عدم وضوح الرؤية في كثير من الملفات أو تحسن المستوى المعيشي على رغم رفع الرواتب إلى الضعف لكن ما يحدث أن هذه الزيادة امتصها غلاء الأسعار.

إزاء ذلك، ينبه المتخصص في الاقتصاد السوري الدكتور آدم خوري إلى أن ما يجري حالياً يفتقر إلى الوضوح والطمأنينة، فهناك حديث عن تطوير لكن الواقع يشير إلى خصخصة تدريجية والتصريحات المتناقضة تعكس غياب رؤية حاسمة ومعلنة، ومن الواضح أن السلطة تحت ضغط مالي وتحاول إيجاد حلول سريعة وارتجالية، وقال "لكن قطاعاً حساساً كالصحة لا يحتمل قرارات ارتجالية، والأهم أن الحكومة الحالية هي سلطة انتقالية وليست منتخبة، ومن غير المنطقي أن تتخذ قرارات مصيرية بهذا الحجم لأن آثارها ستمتد أعواماً طويلة مقبلة وتؤثر في كل سوري، إضافة إلى أن غياب الشفافية والضمانات يثير قلقاً كبيراً، وفي رأيي استمرار هذا النهج سيجعل المواطن هو الخاسر الأكبر".

ومع هذا لا يجد خوري مانعاً إزاء أي خطط لتطوير بعض القطاعات العامة بالتشارك مع القطاع الخاص، لكن يربط هذا بضرورة أن تبقى بعض المفاصل الأساسية تحت سيطرة الدولة، قائلاً "ما يحدث حالياً يفتقر لخطة واضحة ومنظمة، وانعكاساته خطرة على المواطن والمجتمع، خصوصاً في حال سوريا كبلد خارج من حرب طويلة ومعظم مواطنيه تحت خط الفقر".

الصحة ليست للبيع!

وأثار قرار خصخصة المستشفيات استياءً عارماً لدى السوريين وحتى خرجت أصوات تعترض على هذا القرار من المؤيدين للسلطات الجديدة. ورأت من الواجب التراجع عن هذه الرؤية أو إلغاء أي قرار يتحضر في مطبخ صناعة القرار الحكومي، ويبرر المهندس بهاء النعم عدم امتلاك البلد شركات خاصة محترفة في تشغيل المشافي، ولا شركات تأمين طبية.

وأطلق سوريون كثيراً من الوسوم والهاشتاغات (لا لخصخصة القطاع الصحي) و(بناء الدولة) و(سوريا ليست حقل تجارب) فيها انتقاد لاذع للحكومة، وأحد المغردين كتب "خصخصة المستشفيات آخر مسمار في نعش المواطن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقابل ذلك ترك التفاعل الواسع حول تصريحات رئيس هيئة الاستثمار تأثيره، ولاقت صدى لدرجة تراجعه عن تصريحاته، مبرراً سعي الحكومة إلى إيجاد نماذج حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص بالهدف إلى تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة. وجاء في بيان لرئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي "الصحة ليست للبيع، ولن تكون، وأن الواقع الطبي لن يشهد تغييراً يمس جوهر دوره الوطني"، وتابع "الدولة ستبقى الضامن الأساس للعلاج، ولن يحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي، وأي نموذج سيجري اعتماده سيكون تحت إشراف الدولة، ورقابتها الكاملة".

وعلى رغم اعتبار "صحة السوريين خط أحمر"، بحسب ما ختم بيان الهلالي التوضيح إثر مقابلته التي أثارت زوبعة من شأنها أن تزيد الطين بلة مع كل ما يعيشه الشارع السوري من موجات غلاء، لا يثق فريق من الناشطين المعارضين كثيراً في قرارات الخصخصة، ويعدون كل قرار بتحويل القطاع العام إلى خاص هو إضرار بالشعب المتعب والمرهق والخارج حديثاً من حرب طاحنة، علاوة عن مستشفيات تعاني تدني خدماتها بسبب ما أصاب البنية التحتية الطبية من وبال الحرب، ودمار أجزاء من المباني نتيجة المعارك أو تعطل الأجهزة القديمة التي تحتاج إلى صيانة.

نقص الدواء

"بالحديث عن المستشفيات لا بد من معرفة أن المستشفيات العامة تفتقر للدعم بينما تتسع دائرة النقص بالدواء الذي يقدم مجاناً للمرضى"، هذا ما أكدته سيدة أمام غرفة عمليات بانتظار خروج طفلتها. وأثناء لقائنا بها خرج ممرض من داخل العملية أثناء المقابلة ليسلمها ورقة عليها اسم دواء وطلب منها جلبه من خارج المستشفى لأنه غير متوافر لديهم، وهنا تتساءل السيدة "كيف يحدث ذلك، على فرض أنني لم أعثر عليه وطفلتي بين الحياة والموت؟".

طبيب في إحدى العيادات الخارجية بمستشفى عام باختصاص الأذن (فضل عدم ذكر اسمه) تحدث بدوره عن ترهل المستشفيات العامة والعمل بها بات صعباً بعد الأجور المتدنية التي لا تقارن بالمستشفى أو العيادات الخاصة، بينما بعضها يفتقر للدواء، وحتى لـ(الشاش) الطبي، وبعض المنظمات الإغاثية والإنسانية تسهم في بعض الحالات بالدعم عبر التجهيزات الطبية، مع وصول حملات طبية من أطباء سوريين بالخارج تجري عمليات أحياناً بشكل تطوعي.

وكانت مستشفيات عدة في مدينة دمشق وريفها شهدت اعتصامات سلمية بعد تراجع رواتب الأطباء المقيمين والكادر التمريضي على رغم كل الوعود التي أفادت بتحسين أوضاعهم ودفع تعويضات طبيعة العمل الخاصة بهم، وقالت إحدى الممرضات "لا نعلم فيما إذا كانت فكرة خصخصة المستشفيات ستزيد من أجور الأطباء والممرضين، أم لا لكنها بالتأكيد ستكزن وبالاً على المرضى الفقراء".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير