Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد ستة عقود... أكراد سوريا يستعيدون حق المواطنة

لا يقتصر على منح وثائق رسمية بل يعيد إدماج فئات واسعة في الحياة العامة ويمنحها حقوقاً في التعليم والعمل والتملك والتنقل

ترحيب حذر من الأوساط الكردية وترقب لانعكاساتها القانونية والسياسية والحقوقية داخل سوريا (أ ف ب)

ملخص

بدأت السلطات السورية استقبال طلبات منح الجنسية للأكراد المشمولين بالمرسوم رقم 13 لعام 2026، في خطوة تستهدف معالجة تداعيات إحصاء 1962.

بدأت السلطات السورية رسمياً استقبال طلبات منح الجنسية للسوريين الأكراد المشمولين بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، في خطوة أعادت للواجهة ملفاً ظل مفتوحاً منذ الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962، حين جُردت أعداد كبيرة من الأكراد من جنسيتهم أو تُركوا خارج السجلات المدنية.

وفق ما أعلنته الجهات الرسمية السورية، يستند القرار الجديد إلى مرسوم أوسع صدر في يناير (كانون الثاني) الماضي، ونص على منح الجنسية السورية "لجميع المقيمين من أصل كردي في سوريا"، بمن فيهم أولئك الذين كانوا مصنفين سابقاً ضمن فئة "مكتومي القيد"، مع إلغاء القوانين والإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء 1962 في محافظة الحسكة.

وبحسب تقرير سابق لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن القصة في أصلها تعود للخامس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962، حين نُفذ إحصاء استثنائي في الحسكة تحت ذريعة "الكشف عن المتسللين"، فخسر على إثره نحو 120 ألف كردي جنسيتهم السورية دفعة واحدة. ومنذ ذلك الحين، تشكلت داخل المجتمع الكردي فئتان قانونيتان، "أجانب الحسكة"، وهم مسجلون في قيود خاصة لكنهم بلا جنسية سورية، و"مكتومو القيد"، وهم أشد هشاشة لأنهم خارج التسجيل المدني أساساً. ومع توالد الأجيال تضخم هذا الملف وتحول من قرار إداري إلى مأساة اجتماعية متوارثة، إذ لم يعُد الأمر محصوراً بمن شملهم الإحصاء الأول، بل امتد إلى الأبناء والأحفاد الذين وُلدوا خارج الاعتراف القانوني الطبيعي.

عام 2011، حاول النظام السوري السابق امتصاص جزء من الاحتقان بإصدار مرسوم منح الجنسية لشريحة من "أجانب الحسكة"، لكن تلك الخطوة بقيت ناقصة لأنها لم تشمل "مكتومي القيد" بصورة كافية، أيضاً التنفيذ كان بطيئاً وانتقائياً في كثير من الحالات، وفق تقارير حقوقية وأكاديمية، لذلك فإن ما يجري اليوم يقدَم على أنه تصحيح أوسع للثغرات القديمة.

وعملياً، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن استقبال الطلبات بدأ اعتباراً من أول من أمس الإثنين، وأن العملية ستجري عبر دوائر الأحوال المدنية والجهات المختصة في المحافظات. وبحسب ما نشرته وسائل الإعلام الرسمية، فإن الإجراء يبدأ بتقديم طلب رسمي لإثبات الاستحقاق، يليه تدقيق في البيانات المدنية والسجلات السابقة، ثم استكمال الوثائق المؤيدة قبل الإحالة إلى الجهات المعنية بالبت النهائي.

مسار إداري منظم

يقول الصحافي السوري أسامة الأحمد في حديث خاص إن "السلطات تحاول تقديم العملية بوصفها مساراً إدارياً منظماً لا إجراءً سياسياً ظرفياً، وهو فارق مهم بالنسبة إلى شريحة كثيراً ما شعرت بأنها تعامل كاستثناء قانوني. وتشمل المتطلبات الوثائق الشخصية المتاحة لكل حالة مثل بيانات القيد لمن يملكونها، وإخراجات القيد العائلي وشهادات الولادة وأوراق السكن، إضافة إلى أية مستندات تعليمية أو طبية أو خدماتية تثبت الصلة المدنية المستمرة بسوريا، وفي بعض الحالات يمكن الاعتماد على إفادات الشهود عندما تكون الوثائق ناقصة، ولا سيما لدى مكتومي القيد. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحديد المستحقين، بل في قدرة هؤلاء على إثبات حقوقهم بعد عقود من الغياب عن السجلات الرسمية".

ويضيف أن "هذا التعقيد يفسر حال الحذر داخل الأوساط الكردية على رغم الترحيب العام، إذ لا يكفي فتح باب التقديم إذا ظل الوصول إلى الحقوق مرهوناً بإجراءات معقدة أو تفاوت في التطبيق بين المناطق أو بطء في التدقيق. وكان فقدان الوثائق أحد أبرز أسباب التعثر سابقاً، فضلاً عن الخشية من أن تتحول بعض الحالات إلى مسار طويل من الإثبات، لذلك فإن معيار النجاح الحقيقي هو عدد الحالات التي تنتهي بالحصول على هوية قانونية كاملة".

سوريون على أساس المواطنة

ويتابع الأحمد أن "هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الجديد في سوريا بعد عام 2024، إذ تسعى السلطة الجديدة إلى إعادة صياغة العلاقة مع المكونات السورية على أساس المواطنة. وملف تجنيس الأكراد يمثل جزءاً من إعادة تعريف العقد الوطني لأن أية دولة لا يمكن أن تستقر بينما يبقى جزء من سكانها خارج الاعتراف القانوني الكامل".

ويؤكد أن "التجنيس لا يقتصر على منح وثائق رسمية، بل يعيد إدماج فئات واسعة في الحياة العامة ويمنحها حقوقاً في التعليم والعمل والتملك والتنقل، مما يضع حدّاً لحال عاش فيها كثير من الأكراد كأنهم موجودون اجتماعياً لكنهم غائبون قانونياً، وهي مفارقة لا يمكن استمرارها في أية دولة تسعى إلى الاستقرار". ويرى أن "تنفيذ القرار بشفافية يمكن أن يجعله نموذجاً لمعالجة المظالم التاريخية في سوريا عبر إصلاح البنية القانونية والإدارية التي كرست التمييز لأعوام طويلة".

ارتياح كردي حذر

من جانبه يقول الناشط الكردي شيروان محمد جان إن "الشارع الكردي ينظر إلى القرار بإيجابية حذرة، إذ يشعر كثرٌ بالارتياح لأن هذا الملف طال انتظاره لعقود، لكن في الوقت نفسه هناك تخوفاً مرتبطاً بتجارب سابقة لم تكتمل فيها الوعود، لذلك فإن الحكم النهائي على القرار سيبقى مرتبطاً بمدى جدية التنفيذ وسرعته ووضوح معاييره".

ويضيف أن "الخطوة يمكن اعتبارها جزءاً من إنصاف تاريخي لكنها ليست نهاية المطاف لأن القضية لا تتعلق فقط بالحصول على وثيقة رسمية، بل باستعادة حق مدني كامل، مما يتطلب ضمانات قانونية وإدارية واضحة تمنع تحول القرار إلى إجراء جزئي أو شكلي".

ويتابع أن "أبرز التحديات تتمثل في نقص الوثائق لدى كثير من العائلات نتيجة أعوام النزوح والحرمان، إضافة إلى البيروقراطية واحتمال تفاوت التطبيق بين المناطق، لذلك فإن نجاح القرار يرتبط بقدرة الدولة على تسهيل الإجراءات وضمان وصول الناس إلى حقوقهم من دون تعقيد".

ويختم محمد جان حديثه بالقول إن "تنفيذ القرار بصورة عادلة يمكن أن يعزز الاندماج الوطني ويخفف الاحتقان لأن الاعتراف المتساوي بالمواطنة هو أساس الاستقرار، وعندما يشعر المواطن الكردي بأنه معترف به قانونياً بالكامل، فإن ذلك يعزز الانتماء ويقوي الثقة بالدولة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة تشكيل العلاقة

أما الباحث في مركز دراسات "سوريا المعاصرة" محمد السكري، فيقول في حديث إلى "اندبندنت عربية" إن "قرار التجنيس جاء في لحظة سياسية وأمنية حساسة، وأسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المكون الكردي والسلطة السياسية، إذ يمكن فهمه بوصفه محاولة لإعادة تعريف هذه العلاقة ضمن إطار المواطنة بعد فترة طويلة من التعقيد، وأدى إلى مراجعات داخل بعض الأوساط الكردية تجاه طبيعة العلاقة مع القوى الفاعلة على الأرض".

ويضيف أن "الأثر الأهم للقرار لا يتعلق بالتوازنات الديموغرافية بقدر ما يرتبط بتحويل الصراع من إطار أمني إلى إطار سياسي، مما يفتح المجال أمام العمل الحزبي والتمثيل السياسي، ويقود إلى ظهور تيارات كردية سورية فاعلة ضمن الحياة السياسية".

ويتابع أن "نجاح هذه الخطوة يتطلب تثبيتها ضمن إطار دستوري واضح يضمن استمراريتها، إضافة إلى تطوير البيئة القانونية والسياسية بما يسمح بتمثيل فعلي للمكون الكردي ضمن المؤسسات المنتخبة، مما قد ينعكس على طبيعة الحياة السياسية في سوريا خلال المرحلة المقبلة".

ويختم السكري حديثه بالقول إن "تحويل هذا المسار إلى واقع مستدام يتطلب وقتاً وجهداً لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية ضمن إطار جامع، فلا يُنظر إلى الأكراد أو غيرهم على أنهم أقليات هامشية، بل على أنهم مكونات أصيلة في الدولة، مما يشكل شرطاً أساساً لأي استقرار سياسي طويل الأمد".

كيف تنظر تركيا إلى الملف؟

المستشار السياسي والباحث في العلاقات الدولية طه عودة أوغلو يقول إن "ملف تجنيس الأكراد السوريين يُعد من الملفات الحساسة بالنسبة إلى أنقرة، ولا سيما أنه يرتبط بسياق أوسع من التوتر التركي - الكردي الذي تصاعد خلال العقد الماضي، وظهر بوضوح على الحدود السورية - التركية، سواء عبر العمليات العسكرية التركية السابقة أو من خلال التوتر المستمر بين أنقرة و’قوات سوريا الديمقراطية‘ (قسد). ومن هذا المنطلق تنظر تركيا إلى هذه الخطوة من زاويتين أساسيتين، الأولى أمنية تتعلق بهواجسها التقليدية المرتبطة بحدودها الجنوبية، والثانية سياسية ترتبط بالتحولات الجارية في سوريا والمنطقة. لذلك فإن غياب موقف تركي رسمي واضح لا يعني بالضرورة غياب القلق، بل قد يعكس حذراً في مراقبة مآلات هذه الخطوة وتداعياتها".

ويضيف عودة أوغلو أن "أنقرة قد ترى أن فتح هذا الملف في هذا التوقيت سيزيد من تعقيد المشهد السوري، خصوصاً في ظل الترتيبات السياسية والأمنية الجارية على الأرض، إذ تعمل تركيا على تأمين حدودها وتعزيز التنسيق مع دمشق، في وقت تحاول الحكومة السورية الجديدة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. ومن هذه الزاوية، من المحتمل أن تعتقد تركيا بأن هناك ملفات أكثر إلحاحاً ينبغي التعامل معها أولاً، بينما تنظر دمشق إلى خطوة التجنيس على أنها جزء من مسار إعادة تنظيم العلاقة مع المكونات السورية المختلفة ضمن مقاربة داخلية أوسع".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير