ملخص
خلال شهر واحد أدت الهجمات الإسرائيلية على لبنان إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وهو ما يعادل نحو خمس سكان البلاد، بحسب تصريح للمتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بابار بالوش.
على رغم نجاح الاتصالات الدبلوماسية اللبنانية والسورية في ثني إسرائيل عن عزمها قصف معبر المصنع اللبناني قبل أيام، في مساع إلى تجنيب المدنيين والبنى التحتية أي أضرار، عاشت بيروت يوماً أسوداً إثر قصف دموي بأعقاب غارات شاركت بها نحو 50 طائرة مقاتلة، في عملية أطلقت عليها "الظلام الأبدي"، أدت إلى مقتل مدنيين وتدمير هائل طاول المباني السكنية.
ولم تغمض المنطقة عيونها منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي منذ اندلاع الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية الأميركية، وما خلفته تلك الحرب من دمار طاول بيروت وجنوب لبنان، بعد اعتبارها ساحة حرب وامتداداً للنفوذ الإيراني على خلفية نشاط عناصر "حزب الله" المحظور من الحكومة اللبنانية.
ومع تغير المشهد ما كان من اللاجئين السوريين القاطنين في لبنان إثر نزوح قسري من حرب امتدت 13 عاماً انتهت خلال عام 2024 إلا حزم حقيبة اللجوء للعودة لسوريا قسراً تحت نيران القصف الإسرائيلي المتواصل، وكأن هذه الغارات عجلت من عودتهم.
تشير السيدة وئام (أم سامي) إلى عدم رغبتها العودة، فتقول "على رغم تحرير سوريا من نظام بشار الأسد، لا تزال الحياة معدومة، لكنني في النهاية سأعود لبيتي المهدم ولا أملك إعادة ترميميه".
في الأثناء تبقى عودة السوريين ليست اختيارية أيضاً، فقد شكل لبنان حضناً دافئاً بعدما استقبل مليون ونصف مليون لاجئ من البلد المجاور، انخفض العدد إلى مليون إثر سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، لكن لبنان يعيش إلى اليوم تداعيات هذا التدفق الضخم بحكم عدد سكان وموارده.
وخلال شهر واحد أدت الهجمات الإسرائيلية على لبنان إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وهو ما يعادل نحو خمس سكان البلاد، بحسب تصريح للمتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بابار بالوش، نقلته وسائل إعلام.
وبرز اسم "المصنع" كوجهة عامة للسوريين العائدين، إذ توضح بيانات الأمم المتحدة عودة 200 ألف شخص لسوريا، منهم 180 ألف لاجئ، فيما يزيد عدد اللبنانيين ممن دخلوا سوريا نحو 20 ألف شخص. وتشير المعلومات الأولية إلى ارتفاع الوفيات جراء القصف الإسرائيلي الأخير في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، لتبلغ نحو 25 من العائلات السورية.
الشريان الحدودي
ومن المرجح استئناف العمل في "منفذ جيدة يابوس - المصنع" بعد تأجل تشغيله حتى صباح أمس الخميس بطلب من الجانب اللبناني، وهنا يوضح مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن توقف المنفذ خلال الأيام الماضية يرتبط بالتهديدات الإسرائيلية بقصف المصنع، ونتج من توقفه الموقت عن العمل تأثر حركة التبادل التجاري بين البلدين، مؤكداً أن هذا المنفذ يعد أحد أهم الشرايين الاقتصادية التي تربط بين دمشق وبيروت.
ويقول علوش "في ظل استمرار الإغلاق، يعد منفذ جوسية الحدودي هو المنفذ البري الوحيد العامل حالياً بين البلدين، إذ يشهد ازدحاماً متزايداً في حركة المسافرين، وقد رفعت إدارة المنفذ جاهزيتها التشغيلية إلى أقصى المستويات، من خلال تعزيز الكوادر البشرية وفرق العمل الميدانية، بما يضمن تسريع الإجراءات وتحقيق أعلى درجات الانسيابية في حركة العبور".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في غضون ذللك يرى متابعون للشأن السوري أن توقف المصنع عن العمل خلال الأيام الماضية عرقل تدفق عودة السوريين بكثافة، لكنها حولتهم إلى معبر جوسية. ويلفت علوش الانتباه إلى وصول 17 ألف مسافر من خلال معبر جوسية خلال ثلاثة أيام بعد توقف الحركة في "يابوس ـ المصنع"، بينما يتوقع مراقبون زيادة تدفق الأعداد مع افتتاح المصنع اللبناني بعد القصف الإسرائيلي الأخير.
في المقابل تضع الحكومة اللبنانية في "الأولوية المطلقة الحفاظ على أرواح العناصر والتجهيزات داخل معبر المصنع الحدودي"، وفق ما جاء في تصريح للمدير العام للأمن العام في لبنان اللواء حسن شقير الذي أكد أن المعبر شرعي، ولا يمكن أن يستخدم لتهريب السلاح، في تأكيد منه على أن كل الشاحنات والآليات تخضع لإجراءات تفتيش دقيقة، واصفاً الادعاءات عن تهريب سلاح بأنها "غير صحيحة".
العودة بالأرقام
مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش أكد في الوقت نفسه استمرار العمل في منفذ جوسية على مدار الساعة من دون انقطاع، مشيراً إلى اتخاذ التدابير التنظيمية واللوجستية اللازمة كافة للتعامل مع الضغط المتزايد، وتقديم التسهيلات الممكنة للمسافرين بما يضمن راحتهم وسلامتهم.
وقال "بلغ عدد السوريين العائدين عبر الحدود مع لبنان نحو 197 ألف مواطن خلال شهر مارس (آذار) الماضي، توزعوا على المنافذ الحدودية، إذ استقبل منفذ جديدة يابوس نحو 123544 عائداً، ومنفذ جوسية نحو 66923 عائداً، إضافة إلى 6316 عبر منفذ العريضة، كما شهدت الفترة ذاتها دخول أكثر من 4500 سيارة محملة بالأمتعة والأثاث المنزلي للعائدين طوعاً".
ويعتقد الناشط المجتمعي ومؤسس مبادرة منتدى الأمل السوري في لبنان قصي دالي كون النازحين السوريين أمام مأساة "تهجير أخرى"، إذ اضطروا مجبرين إلى ترك أماكن إقامتهم المعتادة قسراً خلال أوقات حرجة للغاية، للنجاة بأرواحهم من جحيم التصعيد العسكري الإسرائيلي العنيف في كثير من المناطق اللبنانية.
ويجزم بزوال حاجز الخوف الأمني مع سقوط النظام السابق في سوريا، مما جعل خيار العودة أمام غالبيتهم أمراً حتمياً على رغم عدم اليقين من ضمان أدنى مقومات الحياة الأساس هناك.
ويختم حديثه "تبقى العودة أهون من النزوح داخل البلاد أو البقاء في مراكز الإيواء داخل لبنان، وبخاصة في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، ومع ذلك هناك من وجد في النزوح إلى مناطق أخرى السبيل الوحيد للنجاة من مطرقة الحرب وسندان العودة لبيئة لم تتعاف إلا بنسبة ضئيلة".