ملخص
منذ تجربة كلينتون عام 1993 لربط “الدولة الأولى بالرعاية” بحقوق الإنسان، ترسّخ نمط يتكرر وهو أن بكين تُقاوم وتُهدد ثم تتجاهل الشروط، فيما تنتهي واشنطن إلى التراجع وتفضيل “الاستقرار” عبر دمج الصين اقتصادياً. وفي ولاية ترمب الثانية عاد السيناريو نفسه بصورة أشد: حرب رسوم تفضي إلى هدنة هشة بعدما استخدمت الصين سلاح المعادن النادرة، ما يفرض على واشنطن تسريع إعادة توجيه التجارة بعيداً من الصين وتشديد ضوابط الرقائق والذكاء الاصطناعي وتقليص الاعتماد على سلاسل المعادن الحيوية.
في مايو (أيار) 1993 اختبر الرئيس الأميركي بيل كلينتون إمكان تحويل النفوذ الاقتصادي لبلاده إلى نفوذ سياسي تجاه الصين، فبعد حملة انتخابية وعد خلالها بربط التجارة بحقوق الإنسان، وقّع على أمر تنفيذي يشترط التجديد السنوي لوضعية "الدولة الأكثر تفضيلاً" التي تتمتع بها الصين تجارياً، بقيام بكين بإحراز "تقدم أكبر" إزاء مجموعة من النقاط المرجعية في مجال حقوق الإنسان.
وقد واجهت تلك المبادرة مقاومة على الفور، فحذرت الشركات الأميركية من أن يؤدي هذا الأمر التنفيذي إلى الإضرار بالمصالح الاقتصادية الأميركية، وقد هددت الصين من جهتها بعرقلة ما تعده واشنطن أولويات دبلوماسية وتجارية إن جرى سحب وضع "الدولة الأكثر تفضيلاً" التي تتمتع بها في علاقتها مع الولايات المتحدة. وعلى مدى العام التالي تجاهلت الصين إلى حد كبير شروط واشنطن، ولم تحقق سوى القليل من التحسينات ذات المغزى في مجال حقوق الإنسان، إن حصل هذا أصلاً، وفي نهاية المطاف عندما حان موعد التجديد عام 1994 منح كلينتون بكين هذا الوضع من دون قيد أو شرط، مقراً بأن الإستراتيجية التي حاول اعتمادها "استنفدت فائدتها".
بدا جلياً أن واشنطن خلصت إلى نتيجة تقول إن مواجهة الصين لا تستحق تلك الكلفة العالية، ومع مرور الوقت غدا نهج المسايرة هو القاعدة، فسعى صناع السياسات إلى دفع الصين إلى التوافق مع المصالح الأميركية عبر دمجها على نحو أعمق في النظام الاقتصادي العالمي، وقد أسهم ذاك المنطق السائد في توجيه القرار القاضي بدعم انضمام الصين إلى "منظمة التجارة العالمية" عام 2001، ومنحها وضع العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة في عام 2002، مُؤسِّساً بذلك سياسة الانضمام على نحو مؤسسي، وقد أثبت هذا التوجه ديمومته على نحو لافت حتى مع نمو القوة الاقتصادية الصينية، إذ إن إدارات أميركية متعاقبة طرحت الحوار والتعاون كإطار لإدارة العلاقات مع بكين، وغالباً ما اعتبرت الاستقرار غاية في حد ذاته.
بيد أن الاستقرار في العلاقات مع الصين لا يزال بعيد المنال، فمثلما حدث مع كلينتون ومسألة وضع "الدولة الأكثر تفضيلاً" خلال التسعينيات، فقد واظبت بكين على استغلال المبادرات الأميركية متأرجحة بين اعتماد الدعوات التصالحية وإطلاق التهديدات بالرد، وذلك كي تلقي بعبء تحقيق الاستقرار في العلاقات على كاهل واشنطن، وأيضاً واصلت في الوقت عينه مراكمة قدرتها على الإكراه في إطار سعيها النشط إلى إزاحة الولايات المتحدة عن موقعها كأبرز قوة في العالم، وقد أفصح الزعيم الصيني شي جينبينغ عن هذا الأمر بوضوح حين أعلن في "مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني" الـ 20 الذي انعقد في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، أن هدف بلاده يتمثل في أن تصبح "بحلول منتصف القرن (الحالي) زعيمة العالم من ناحية القوة الوطنية الشاملة والنفوذ الدولي".
وقمة أكتوبر 2025 بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الصيني شي جينبينغ في بوسان (كوريا الجنوبية) ليست سوى المثال الأحدث على وهم الانضمام، وقد أشار ترمب خلال الفترة التي سبقت القمة إلى استعداده لإحضار بندقية "بازوكا" معه إلى طاولة المحادثات، مهدداً في السياق بفرض ضوابط شاملة على صادرات البرمجيات، لكن إدارته في نهاية المطاف استسلمت أمام ضوابط بكين على صادرات المعادن النادرة، ولم تسفر القمة إلا عن هدنة هشة: تجميد التدابير التجارية العقابية مدة عام واحد فقط في مقابل تعهدات غير ملزمة من الصين بالتعاون لكبح تدفقات الـ "فنتانيل" واستئناف الشراء المحدود للمنتجات الزراعية الأميركية، وقد خرجت بكين إثر هذه القمة أكثر جرأة، فتفاخرت وسائل الإعلام الصينية صراحة بقبض بكين على "شريان الحياة الصناعية الأساس" للولايات المتحدة.
واليوم ليس أمام ترمب وقت طويل قبل موعد زيارته المقبلة إلى بكين المقررة في أبريل (نيسان) 2026، ومن دون تقييم واضح لنيات الحزب الشيوعي الصيني الحقيقية، تخاطر واشنطن باحتمال الوقوع في الفخ الصيني والتعرض للخديعة مرة أخرى، وكي تتمكن الولايات المتحدة من تهيئة نفسها بالطريقة الأمثل لهذا الاجتماع، فعلى إدارة ترمب تطبيق الآليات السياسية الموجودة بطريقة أكثر فاعلية من أجل تعزيز مزاياها الاقتصادية والتكنولوجية.
وفيما يجري اليوم بالفعل العمل على بعض هذه النواحي فعلى واشنطن تسريع عملية إعادة ترتيب التجارة العالمية بعيداً من الصين، وتعزيز تفوق الولايات المتحدة وحلفائها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال توسعة ضوابط التصدير على أشباه الموصلات المتطورة والعمل مع الحلفاء لسد الثغرات في هذا القطاع، وتقليص الاعتماد على سلاسل إمداد المعادن الحيوية التي تتحكم بها الصين، وهي نقطة الضعف الأكثر وضوحاً لدى الولايات المتحدة، فقد حان الوقت اليوم كي تدرك الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى أن السعي قبل أي أمر آخر إلى تحقيق الاستقرار في ظل نظام شيوعي عازم على التفوق عالمياً ليس سوى حماقة.
من يتراجع أولاً؟
لقد كان أبريل 2025 بمثابة لحظة فاصلة في هذا المشهد، فقد أطلقت إدارة ترمب في "يوم التحرير" الأميركي تعرفاتها الجمركية وطبقتها تقريباً على جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وردت الصين من جهتها بفرض رسوم جمركية وتعاملات خاصة بها، مطلقة دوامة من الانتقام والانتقام المضاد بلغت أوجها حين فرض ترمب رسوماً جمركية بنسبة 145 في المئة على البضائع الصينية، وهو ما أشار عملياً إلى بداية حظر تجاري كامل، لكن وللمرة الأولى قام الحزب الشيوعي الصيني باستخدام قوة هيمنته الصناعية المطلقة ضد الولايات المتحدة عبر وقف صادرات المعادن النادرة، الخطوة المصممة لشل قطاعات أساس في الاقتصاد الأميركي، من قطاع صناعة السيارات إلى قطاع الصناعات الدفاعية (تسيطر الصين على 85 في المئة تقريباً من التعدين العالمي للمعادن النادرة، وعلى ما لا يقل عن 95 في المئة من قدرات معالجة هذه العناصر وفصلها وتكريرها في العالم)، وقد حذر الصناعيون الأميركيون في السياق من أن التأخير صار يجهد سلاسل الإمداد ويهدد بوقف الإنتاج، وكان ذلك كافياً لدفع ترمب إلى التراجع أولاً، فقد توصل الطرفان في مايو (أيار) 2025 إلى هدنة 90 يوماً وافقت الولايات المتحدة بموجبها على خفض معدلات الرسوم الصينية إلى 30 في المئة، ووافقت بكين من جانبها ظاهرياً على استعادة وصول الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة، لكنها أبقت سيطرتها في هذا المجال قائمة من خلال نظام تراخيص التصدير، فأخذت تمنح الموافقات ببطء وانتقائية، وتبع ذلك مزيد من التنازلات الأميركية، ففي يوليو (تموز) 2025 تراجعت الإدارة الأميركية عن ضوابط التصدير التي كانت فرضتها في وقت سابق من العام على رقائق شركة إنفيديا "H20"، وبعد شهر قامت إدارة ترمب أيضاً بتأجيل الخطة المعدة مسبقاً لـ "العودة التلقائية" إلى التعرفات الجمركية الأعلى لـ 90 يوماً أخرى، متذرعة بـ "مفاوضات إيجابية"، ومانحة بكين عملياً الوقت الكافي لتعزيز نفوذها الاقتصادي.
الاستقرار مع نظام ديكتاتوري شيوعي ليس سوى وهم
وفي سبتمبر (أيلول) 2025 بدت تلك المقاربة التصالحية التي انتهجتها إدارة ترمب في حال من الترنح عندما قامت وزارة التجارة الأميركية بمراجعة قواعد التحكم بالصادرات، وعملت عبر "قاعدة الشركات التابعة" على سد ثغرات كانت شركات صينية استخدمتها للوصول إلى تكنولوجيات أميركية خاضعة للرقابة، وذلك من خلال شركات تابعة ووسطاء، وقد قدمت واشنطن هذه "القاعدة" على أنه عملية تنظيف تنظيمية طال انتظارها، فيما عدته بكين تراجعاً (في العلاقات التجارية) غير مرغوب فيه، ودانت وزارة التجارة الصينية هذا التغيير بوصفه خطوة "في غاية الجسامة" يسهم في "تقويض أمن واستقرار سلاسل الإمداد الصناعية الدولية تقويضاً خطراً".
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ردت الصين عبر توسيع الضوابط على صادرات المعادن النادرة بصورة كبيرة، مهددة بوقف المدخلات الحيوية المرتبطة بكل الصناعات تقريباً، من الإلكترونيات الاستهلاكية إلى الأنظمة الدفاعية المتطورة، وقد شكّل هذا الأمر تأكيداً واسعاً لنفوذها وضع الشركات في جميع أنحاء العالم أمام أخطار اقتصادية كبرى.
ومع حلول موعد محادثات بوسان في أواخر أكتوبر 2025 بدت إدارة ترمب وكأنها توجه إلى رأسها مسدساً مذخراً وجاهزاً للإطلاق، إذ لم يكن مفاجئاً أن الهدنة التي كانت قد نشأت جاءت إلى حد كبير لمصلحة بكين، وحينها خفّض ترمب على الفور الرسوم الجمركية المرتبطة بتدفقات الـ "فنتانيل" بمعدل 10 نقاط مئوية في مقابل وعود صينية بالتعاون، في ترتيب يذكّر بقضية عام 1993 المتعلقة بتحسينات حقوق الإنسان، وكذلك علّقت واشنطن "قاعدة الشركات التابعة" والقيود التجارية الجديدة مدة عام واحد، وقد تلقت في المقابل ما زعم أنه تعهد من بكين بإلغاء الضوابط على صادراتها من المعادن النادرة وإنهاء حظر شراء الرقائق الأميركية.
لكن بكين أبقت من الناحية العملية على شروط الترخيص لتصدير المعادن النادرة بل وشددت تلك الشروط، واستخدمتها للوصول إلى بيانات سلاسل الإمداد وأسرار التعاملات التجارية عند الشركات الأجنبية، وأيضاً استمرت بكين في منع الشركات الصينية من شراء الرقائق الأميركية، إذ إن التنازلات التكتيكية التي قدمتها الصين، مثل شراء مزيد من فول الصويا الأميركي، كانت محسوبة ومصممة لاسترضاء ترمب، وفي الوقت عينه لتعزيز نفوذ بكين ومواصلة السعي إلى تحقيق أهدافها الرئيسة على المدى البعيد.
أرض المعركة الأساس
لا ينبغي لصور "قمة بوسان" والمشاهد التي ظهرت منها أن تحجب هدف بكين الأساس الوارد في المقترح الذي قدمه "الحزب الشيوعي الصيني" في إطار خطته الخمسية الأحدث، والمقرر اعتمادها رسمياً في مارس (آذار) المقبل، إذ إن المقترح المرفق بشرح مستفيض من الزعيم شي نفسه، يشير بوضوح إلى مخطط بكين لتكثيف جهودها في السياسات الصناعية، والاعتماد على الصادرات وقطاعات التكنولوجيا الفائقة لاستدامة النمو الاقتصادي وبناء القوة الوطنية، ويرى "الحزب الشيوعي الصيني" أن التصنيع المتطور يشكل "أرض المعركة الأساس" في سباق الهيمنة على العالم، وقد رتّب أولوياته وفقاً لذلك.
ويلخص الباحث الصيني البارز في العلاقات الدولية، جين كانرونغ، هذه النظرة من بكين عندما رأى في أكتوبر 2025 أن على الصين "مقاومة وهم الأيديولوجيات وأنظمة القيم الغربية"، وعليها إعطاء الأولوية للتنمية الصناعية كون "التنافس الدولي بات يرجح وبصورة متزايدة من لديهم قدرات صناعية قابلة للتوسع".
وتأتي الخطة الخمسية بصيغتها الـ 15 اليوم والتي تغطي الفترة بين عامي 2026 و2030، لتستكمل توجه شي البادئ منذ فترة طويلة والساعي إلى إخضاع الاقتصاد لمقتضيات الأمن القومي، وتشير التوجهات لتأسيس "آلية للأمن القومي تهتم بمسائل الخارج" و"نظام لضمان الأمن عبر البحار" إلى نيات بكين الهادفة لزيادة تحصين اقتصادها وحمايته من الضغوط الخارجية بالتزامن مع توسيع قدراتها القسرية، وكذلك فإن البيان المرفق بالخطة الخمسية يوجه الجيش صراحة إلى "الاستعداد للحرب"، وهو ما يشكل خروجاً على الخطط الخمسية السابقة التي كانت تركز في العادة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذان الأمران معاً يشيران إلى أن لغة بكين السياسية تعكس ما سماه الباحث البارز في "مؤسسة جيمس تاون"، ماثيو جونسون، بـ "عقلية الحصار"، فالحزب الشيوعي الصيني وجّه اقتصاده ومجتمعه توجيهاً دائماً لمواجهة الولايات المتحدة.
لقد بدت إدارة ترمب وكأنها توجه إلى رأسها مسدساً مذخراً وجاهزاً للإطلاق
وعلى رغم تشدق الخطة الخمسية الجديدة بتناول ومعالجة الاختلالات البنيوية التي يعانيها الاقتصاد الصيني منذ فترة بعيدة، لكن تركيزها ينصب في معظمه على التحديث الصناعي، وكانت بكين طوال نحو عقد من الزمن وعدت بإعادة التوازن نحو الاستهلاك ومعالجة الاستثمار المفرط، واليوم وفي مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة وأمام دعاوى شي نفسه لمكافحة دوامات الأسعار التنافسية، فضلاً عن العلامات المتزايدة على السخط الاجتماعي تجاه الأولويات المعتمدة، لا يبدي "الحزب الشيوعي الصيني" علامات فعلية تشير إلى نيته إجراء عملية تصحيح حقيقية للمسار الذي ينتهجه، بل على العكس يبدو هذا الحزب مستعداً لتعويض الركود الداخلي بمتابعة توسيع نطاق الأنشطة الصناعية الموجهة من قبل الدولة وتصدير فائضها التجاري المذهل إلى الخارج، ذاك الفائض الذي سجل العام الماضي رقماً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار.
تشكل الصين سلفاً في هذا الإطار قرابة ثلث الناتج الصناعي العالمي، متفوقة على ألمانيا واليابان والولايات المتحدة مجتمعين، لكنها في الوقت عينه تسعى إلى حصة أكبر وترى أن الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية لتحقيق ذلك، وتُبرز الخطة الخمسية في السياق الطريقة التي سيسهم فيها التحول الصناعي الذي يقوده الذكاء الاصطناعي بوضع الصين في موقع أقوى عالمياً من أجل "تشكيل بيئة خارجية مواتية" لها، وتعزيز تحكمها بسلاسل الإمداد الحيوية التي يمكنها استخدامها لإكراه المنافسين وإجبارهم على الانصياع لإرادتها، ومن هنا فإن على الولايات المتحدة وغيرها من دول اقتصادات السوق الديمقراطية ألا تركز فقط على مسألة الحد من التعامل التجاري مع الصين، بل أيضاً على الحد من قدرة بكين على تحويل التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي إلى مزايا صناعية غير عادية لمصلحتها.
بداية شيء جديد
لا تتطلب مواجهة بكين في الحقيقة أمراً أقل من إعادة ترتيب نظام التجارة العالمي برمته، فالسياسة التجارية الأميركية خلال معظم حقبة ما بعد الحرب الباردة ارتكزت على افتراض أن التكامل الاقتصادي الأعمق مع الصين من شأنه أن يشجع هذه الدولة على تحرير اقتصادها، وعلى رغم أن ضم الصين إلى "منظمة التجارة العالمية" فشل في حملها على تحقيق إصلاح بنيوي في اقتصادها، فإن واشنطن ظلت وحتى بعد مرور أعوام على ذلك تتعامل مع آسيا على أنها مجال إنتاج واحد مفتوح، تتقدم فيه مسائل الكفاءة والوصول إلى الأسواق على مسألة الهشاشة الإستراتيجية، وحين بدأت الولايات المتحدة أخيراً في تعديل مسارها هذا خلال رئاسة ترمب الأولى، نقلت بعض الشركات الأميركية إنتاجها إلى جنوب شرقي آسيا والمكسيك لتجنب الرسوم الجمركية الأعلى على الواردات الصينية، بيد أن الصين من جانبها سارعت إلى سلوك مسار آخر، فأعادت بناء سلاسل إمداد في بلدان الجنوب العالمي، ولجأت إلى استخدام عمليات شحن الترانزيت وقنوات التحويل للحفاظ على قدرتها في الوصول إلى الأسواق الأميركية.
يدرك الممثل التجاري للولايات المتحدة جايمسون غريير أن النظام التجاري لما بعد "بريتون وودز" أخفق في التطور بما يواكب العصر، ولذا فإن "جولة ترمب" الراهنة، وفق توصيف غريير للحظة التي نعيشها، تشكل قطعاً ضرورياً مع عقود جرى فيها إعطاء الأولوية للكفاءة على حساب الأمن، فالإجماع القديم الذي كان سائداً سمح للصين بالتلاعب بالنظام القائم، أي باستغلال الأسواق المفتوحة في العالم، فيما هي في الداخل تتبع نظاماً اقتصادياً مغلقاً تسيطر عليه الدولة، وللشروع في نظام جديد فقد اتخذ غريير خطوات عملانية لإعادة التفاوض على مسألة التدفقات التجارية مع جنوب شرقي آسيا، وفي هذا السياق تأتي اتفاقات الأمن الاقتصادي الموقعة مع كمبوديا وماليزيا، والمعلقة بانتظار إبرامها مع تايلاند وفيتنام، لتتجاوز إلى حد بعيد جداول التعرفات الجمركية التقليدية، فهذه الاتفاقات المذكورة حالها كحال الاتفاقات المعقودة مع اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، تشمل بنوداً متعلقة بالأمن الاقتصادي غايتها التنسيق والتعاون في إنفاذ ضوابط التصدير والتدقيق في الاستثمارات، وفي مسألة سلاسل توريد المعادن الحيوية، وكذلك تشدد هذه الاتفاقات تشديداً كبيراً على مكافحة "إعادة الشحن والتحويل"، وهذا ضمنياً يستهدف المشكلات التي ظهرت خلال رئاسة ترمب الأولى بعد فرضه رسوماً جمركية على الصين، والمنطق هنا واضح: يحظى الشركاء التجاريون بفرص وصول تفضيلية إلى الأسواق الأميركية في مقابل تقليص اعتمادهم على الصين، وفي السياق يسهم التهديد باعتماد رسوم جمركية أميركية أعلى بفرض هذا الترتيب.
انتهجت بكين قواعد سلوك ثابتة وهي الاستيراد والاستبدال والإزاحة والهيمنة
وتهدف إستراتيجية غريير أيضاً إلى تعزيز وضع أميركا الشمالية كقاعدة إنتاج قادرة على منافسة الصين، ففي حين مارست إدارة ترمب ضغوطاً كبيرة على كندا والمكسيك لضمان الحصول على تنازلات منهما قبيل مراجعة "الاتفاق التجاري الأميركي - المكسيكي - الكندي" هذا العام، ينبغي أن تتحول الأولوية الآن من اعتماد سياسة حافة الهاوية إلى اعتماد سياسة ترسيخ المكاسب، والتعامل مع الاتفاق لا كمجرد ترتيب للوصول إلى الأسواق وحسب، بل كأساس لإستراتيجية صناعية مشتركة، فلدى هذه الكتلة بالفعل سلاسل إمداد شديدة التكامل في قطاعات صناعة السيارات والفضاء والأجهزة الطبية وأشباه الموصلات.
إن تدابيراً مثل تعزيز قواعد المنشأ ومواءمة حوافز الاستثمار وتنسيق التعرفات الجمركية، وما يضاف إليها من قيود على الواردات الصينية، من شأنها منع الإغراق ووقف مظاهر الوصول إلى قنوات الإنتاج الأميركية الشمالية عبر البوابات الخلفية، ويمكن لهذه الكتلة مع مرور الوقت أن تتوسع لتشمل شركاء إضافيين في المنطقة وخارجها، وأن تبني شبكة سلاسل إمداد حصينة وبمنأى عن الطاقة الصينية الفائضة في هذا المجال، وذاك في الحقيقة تحول جار بالفعل، فالمكسيك اليوم تفوقت على الصين كأكبر شريك للولايات المتحدة في تجارة البضائع، وهي قامت على نحو مطرد برفع رسومها الجمركية أمام الصين، وأيضاً أعلنت واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 اتفاقات إطار تجارية جديدة مع الأرجنتين والإكوادور والسلفادور وغواتيمالا.
لقد أسهمت التعرفات الجمركية الأميركية وعلى نحو فعال في تقليص انكشاف الولايات المتحدة أمام الصين، فحصة الصين من الواردات الأميركية اليوم انخفضت إلى ما دون المستوى الذي كانت عليه قبل انضمام الصين إلى "منظمة التجارة العالمية" قبل 25 عاماً، إلا أن استدامة هذا التحول تعتمد على أن تكون فجوة التعرفات الجمركية بين الصين وبقية دول العالم كبيرة بما يكفي لتقليل جاذبية الحصول على منتجات صينية، وقد أدى التنازل الجمركي بنسبة 10 في المئة الذي قدمه ترمب للزعيم الصيني شي إلى تضييق هذا الفارق، مما أضعف حوافز الافتراق عن الصين.
وتبقى لغريير راهناً سلطة رفع الرسوم الجمركية على الصين واسترجاع فارق الرسوم الضروري، لكن قدرته على ممارسة هذه السلطة ستكون مقيدة بسبب الخوف من تبديد الهدنة التجارية التي أبرمها الرئيس الأميركي مع شي، ولذا فعلى واشنطن أن تدرك قبل حلول أبريل 2026 أن التسويات قصيرة الأمد لن تؤدي إلا إلى تأجيل الحساب المحتوم بين مسألتي عقد الصفقة وفك الارتباط.
وإلى هذا فإن إبقاء الرسوم الجمركية المرتفعة على الصين لن يؤدي فقط إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بل سيخلق أيضاً ضغوطاً على نموذج النمو الصيني، فمع تراجع الطلب الأميركي على منتجات بكين ستضطر الشركات الصينية إلى إغراق أسواق أصغر حجماً وأكثر اعتماداً على التصدير ببضائع وهوامش ربح شديدة الضآلة، مما قد يؤدي إلى مفاقمة الانكماش وإثارة ردود فعل دولية عنيفة، وتعزيز وضع الولايات المتحدة.
فجوة الرقائق
يسهم تنويع حركة التجارة في تقليل انكشاف الولايات المتحدة أمام الصين وتعزيز القدرة الأميركية على الصمود والمرونة، بيد أن التفوق الدائم للولايات المتحدة يتطلب أيضاً استغلال التفاوتات والتباينات ولا سيما ميزة الوصول إلى طاقات الحوسبة المتقدمة، فمن المتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تغيير موازين القوى الاقتصادية والعسكرية تغييراً جذرياً لعقود مقبلة، وتشكل ريادة الولايات المتحدة وحلفائها في تصميم وتصنيع الرقائق والبنى التحتية السحابية في هذا الإطار المصدر الأكثر ديمومة وفعالية لتفوق واشنطن وتأثيرها في المجال التكنولوجي، ومن هنا فإن قرار إدارة ترمب في ديسمبر (كانون الأول) 2025 القاضي بإجازة تصدير رقائق شركة إنفيديا (H200) إلى الصين يشكل خطأً فادحاً، فهذا القرار وعلى رغم تقديمه على أنه مكسب تجاري للولايات المتحدة يمثل تنازلاً كبيراً أمام بكين، ويتناقض مباشرة مع منطق إستراتيجية الأمن القومي الخاصة بالإدارة الراهنة وخطة العمل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي وضعتها الإدارة، والتي دعت فيها من مبدأ الحرص على الاقتصاد والأمن القومي إلى "حرمان خصومنا الأجانب" من الوصول إلى موارد الحوسبة، فالسماح ببيع رقائق الذكاء الاصطناعي فائقة التطور إلى الصين يوازي نقل شريان حياة الولايات المتحدة إلى أوردة منافستها الرئيسة، ويسهم في تسريع مجيء مستقبل تحمل فيه ثورة الذكاء الاصطناعي دمغة "صنع في الصين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الوقت الراهن تشكل قوة الحوسبة العائق الرئيس أمام طموحات الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، فوفقاً للباحث الأول في "مجلس العلاقات الخارجية" والذي عمل في "مجلس الأمن القومي" خلال إدارة بايدن، كريس ماكغواير، فإن رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية الأكثر تطوراً أقوى بخمس مرات تقريباً مما يمكن لـ "شركة هواوي الصينية" أن تنتجه، ومن المتوقع أن يزداد هذا التفاوت إلى 17 مرة بحلول عام 2027، حتى إن فجوات الإنتاج في هذا المجال تبدو أكثر حدة وسطوعاً، فالولايات المتحدة وشركاؤها قادرون على إنتاج معالجات ذكاء اصطناعي بمعدل يزيد على معدل الصين بـ 35 ضعفاً، وقادة الصين وعلماء الذكاء الاصطناعي الصينيون يدركون هذا التفاوت، فخلال ففي جلسة دراسية للمكتب السياسي (في "الحزب الشيوعي الصيني") عقدت في أبريل 2025، أكد شي أن الصين متأخرة عن الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي وعليها "العمل على مواجهة الفجوة" في قطاع الرقائق، وأثناء مؤتمر للذكاء الاصطناعي عُقد في بكين خلال وقت سابق من هذا الشهر، اعترف لين جونيانغ، وهو أحد مسؤولي الذكاء الاصطناعي في شركة "علي بابا"، بأن تفوق الولايات المتحدة في قدرات الحوسبة قد يكون "أكبر من حجمنا في هذا المجال بمقدار واحد إلى اثنين".
التنازلات التكتيكية لا يمكن أن تشتري تعاوناً وطيداً وراسخاً
الفكرة القائلة إن الصين ستبقى مدمنة على الرقائق الأميركية، شرط أن توافق الولايات المتحدة على بيعها إياها، تبدو فكرة مغرية لكنها مع ذلك تتجاهل عمداً سجلّ "الحزب الشيوعي الصيني" ومسارات سلوكه، فبكين وفي مختلف القطاعات، من قطاع الاتصالات إلى قطاعي الألواح الشمسية والبطاريات، اتبعت منهجاً متسقاً قائماً على الاستيراد والاستبدال والإزاحة والهيمنة، وهي قررت اعتماد السلوك نفسه في مجال أشباه الموصلات، فحتى بعد ذيوع الأخبار التي تفيد أن واشنطن سترخص مبيعات رقائق (H200) إلى الصين، كانت سلطات بكين تدرس تخصيص مبلغ 70 مليار دولار لتحفيز قطاع الرقائق لديها، وهو ما مثل إشارة واضحة إلى أن السخاء الأميركي لن يسهم في كبح سعي بكين إلى الاعتماد على الذات في هذا المجال، وتلك الإعانات والتغطيات المالية الحكومية ستضاف إلى ما يقارب 150 مليار دولار خصصتها بكين لقطاع الرقائق منذ عام 2014، وهذه الخطوات مجتمعة في الحقيقة تكذّب الوهم الذي يرى أن الصين تسعى إلى ما هو أدنى من تفوق عالمي في مجال أشباه الموصلات، لكن رؤوس الأموال وحدها لا يمكن أن تعوض الوصول إلى الأدوات والخبرات وبيئات التصنيع العالمية المتكاملة والمتطورة، أي بالتحديد إلى المجال الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها بريادة مطلقة مع وجود ضوابط تصدير مصممة لحماية تلك الريادة، وتصدير الرقائق المتطورة يقلل من هذه الميزة التنافسية عبر منح بكين ما تحتاجه بالضبط لتحقيق طموحاتها على المدى البعيد، فبفضل رقائق (H200) تستطيع بكين الآن المضي قدماً في مجالات واجهت فيها من قبل مفاضلات صعبة، مثل التحديث العسكري وتطوير نموذج الذكاء الاصطناعي والرغبة المزمنة في تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الرقائق الذكية.
كذلك فإن التخفيف من ضوابط التصدير في هذا المجال يشكل تهديداً لركيزة أخرى من ركائز التفوق الأميركي التكنولوجي وهي الحوسبة السحابية، فالشركات الأميركية تشغّل اليوم المنصات السحابية الرائدة والأساس في العالم، وتستثمر في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي باستثمارات تفوق بسبع مرات ما تستثمره الشركات الصينية في القطاع عينه، والسماح بتدفق رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة إلى الصين قد يساعد عمالقة التكنولوجيا الصينيين، أمثال "علي بابا" و"بايت دانس"، في التنافس المباشر مع الشركات الأميركية داخل أسواق دول ثالثة، وأمام محدودية الإمدادات في المجال المذكور فإن كل شريحة تصدّر إلى الصين تمثل خسارة للبنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي.
وتؤدي الأخطار الأمنية أيضاً إلى مفاقمة المشكلة، فخلال الوقت الحالي ليست هناك مراكز بيانات ذكاء اصطناعي صينية تعمل خارج الصين، لكن إن غدت التكنولوجيا الصينية مدمجة في مراكز البيانات الأميركية وجزءاً لا يتجزأ منها، فإن الأمر قد يمكن بكين من جمع معلومات وبيانات حساسة أو تنفيذ أعمال تخريبية عن بُعد، وتملك وزارة التجارة الأميركية صلاحية منع استيراد تقنيات اتصال صينية عالية الأخطار، بما في ذلك مكونات مراكز البيانات، وهذه صلاحية ينبغي الآن استخدامها لمنع الشركات الصينية من إدخال نفسها في البنية التحتية للبيانات الأميركية والدولية.
عملية تأمين المعادن الحيوية
إن بقيت الولايات المتحدة معتمدة على الصين للحصول على المواد الخام التي تقوم عليها الصناعات الحديثة، فإن أنجح عمليات إعادة الترتيب التجارية وتدابير ضبط التصدير القائمة ستمنى بالفشل، ولا يوجد اعتماد أخطر من الاعتماد على الصين في المعادن النادرة، فمن دون وصول موثوق إلى هذه المعادن لن تتمكن الولايات المتحدة من إنتاج وسائل الدفاع الردعية اللازمة وبنى الطاقة الأساس المطلوبة لإطلاق ثورة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأجهزة الإلكترونية التي تشغل الحياة الحديثة، وقد جاءت الخطوات الأحدث التي قامت بها إدارة ترمب في هذا المجال، والمتضمنة عقد اتفاقات تعاون مع أستراليا واليابان لتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية ومغناطيسات المعادن النادرة، وإصدار أوامر تنفيذية للوكالات تأمرها بتسريع عمليات استخراج ومعالجة المعادن المحلية لتسهم في وضع أسس مهمة في هذا الاتجاه، والمطلوب الآن تنفيذ تلك الجهود على نطاق واسع، فمن خلال الاستثمارات المستدامة والتعاون مع الحلفاء يمكن للولايات المتحدة بناء سلسلة متكاملة قابلة للحياة للمعادن النادرة، متكاملة ومتحررة من قبضة الصين.
إن هيمنة بكين على المعادن النادرة تعتمد على ثلاث نقاط أساسية بالغة التأثير: تركُز هذه المعادن في الصين وميانمار، واحتكار الصين شبه الكامل لعمليات المعالجة والفصل، وتفوقها وهيمنتها في صناعة المغناطيسات الدائمة، وعلى مدى عقود، وفيما أهملت بقية دول العالم سلاسل إمداد المواد الأولية والمتوسطة، عملت بكين على جعل هذا الاعتماد جزءاً بنيوياً من الاقتصاد العالمي، وكشفت في وقت باكر من عام 2010 عن استعدادها لاستخدام هذه الإمدادات كسلاح، إذ قطعت شحنات المعادن النادرة عن اليابان كعقاب للأخيرة بعد خلاف معها حول صيد الأسماك.
مواجهة بكين لا تتطلب أمراً أقل من عملية إعادة ترتيب شاملة لنظام التجارة العالمي
ولمواجهة بكين يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن يتجاوزوا المبادرات المجتزأة والمتعلقة بمشاريع منفصلة، والانتقال إلى تبني إستراتيجية صناعية متكاملة تشبه الإستراتيجية التي اعتمدوها خلال الجائحة، إذ استخدم برنامج تطوير لقاحات "كوفيد" المعروف باسم "عملية وارب سبيد" Operation Warp Speed، استثمارات متنوعة وتمويلاً استباقياً واسع النطاق وتنسيقاً بين القطاعين العام والخاص، لاختصار عقد من تطوير اللقاحات إلى أقل من عام، وعلى هذا النسق فإن "عملية أمن المعادن" يمكنها اختصار الوقت المطلوب لبناء سلاسل إمداد موثوقة ومرنة للمعادن النادرة، وعلى واشنطن في هذا السياق السعي إلى توفير قدرات واسعة النطاق لاستخراج المعادن وتكريرها وفصلها وإنتاج المغناطيسات، وأن تستخدم اتفاقات الشراء طويلة الأجل لردع انهيارات الأسعار التي تفتعلها الصين، والتمويل العام لجذب الاستثمار الخاص، والإعانات والتعويضات والتحصين القانوني لدعم الشركات المعرضة لتدابير الرد والانتقام، وستتطلب هذه الإستراتيجية تأمين مخزون إستراتيجي من المعادن النادرة من أجل تثبيت الطلب، وعليها أن تتيح إعفاءات جمركية مستهدفة للشركاء الذين يصدون عمليات الاستحواذ الصينية ويفرضون سلاسل إمداد شفافة وموثوقة.
إن التحدي الذي تطرحه مسألة المعادن النادرة يتطلب التحرك على وجه السرعة وأيضاً تفكيراً مبتكراً، وهذه ليست مشكلة يمكن للأسواق وحدها أن تحلها، إذ إن العمليات التجارية البحتة لا تستطيع مقارعة المنافسة الصينية الممولة والمدعومة بصورة كبيرة من قبل حكومة بكين، لكن مع التدخل الحكومي الهادف في المقابل، ومع رأس المال الصبور وقبول المقايضات، فإن ما يبدو غير قابل للحياة اقتصادياً يصبح ممكناً.
لا تزال واشنطن اليوم تعاني المعضلة نفسها التي واجهها كلينتون: التنازلات التكتيكية لا يمكن أن تشتري تعاوناً وطيداً وراسخاً، بل هي لا تشجع إلا على الاستغلال، فالاستقرار في ظل دكتاتورية شيوعية ليس سوى محض خيال، وكسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب بناء قوة تأثير ومرونة لا يمكن لبكين أن تبطلهما متى شاءت.
مترجم عن "فورين أفيرز" 19 يناير (كانون الثاني) 2026
ليزا توبين شغلت منصب مديرة شؤون الصين في "مجلس الأمن القومي" خلال إدارة ترمب الأولى وإدارة بايدن، وهي مديرة تنفيذية في "غارناوت غلوبال" (Garnaut Global) وباحثة أولى في مؤسسة "جايمس تاون".
أديس غولدمان باحث مستقل يركز على العلاقات الأميركية - الصينية.