ملخص
يتناول التقرير نشأة الحرس الثوري بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وتحوله من ميليشيات إلى قوة عسكرية وأيديولوجية مؤثرة داخلياً وخارجياً، مع تبني استراتيجية "تصدير الثورة" عبر دعم حلفاء إقليميين، وتوسيع نفوذه السياسي والاقتصادي، وترسيخ دوره كأداة رئيسة للنظام الإيراني.
في ظل تصاعد الحرب والتهديدات الإقليمية واتساع نطاق المواجهة، ومع استنفار إيران لأجهزتها الأمنية والعسكرية، يظهر الحرس الثوري بوصفه أحد أبرز مراكز القوة وصناع القرار داخل البلاد، وأداة رئيسة في إدارة الصراع خارج حدودها. وبين جذوره الثورية ودوره الحالي، تتقاطع الأيديولوجيا مع الواقع السياسي في رسم ملامح حضوره المتنامي.
الحرس الثوري والنشأة التاريخية
يشبّه بعض الباحثين نشأة الحرس الثوري الإيراني بتجربة الانكشارية في الدولة العثمانية، من ناحية دور كل منهما في حماية النظام وترسيخ سلطته، إلا أن هذا التشبيه يبقى جزئياً، نظراً إلى اختلاف الجذور والأيديولوجيا. فالانكشارية تأسست ضمن منظومة عسكرية نخبوية منظمة، اعتمدت على تجنيد صبية مسيحيين وتدريبهم لخدمة السلطان مباشرة، بينما نشأ الحرس في سياق مختلف تماماً، أقرب إلى التعبئة الثورية ذات الطابع الديني.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي فريدريك ويري في كتابه "الحرس الثوري الإيراني من الداخل"، إن بداياته تعود لأعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، حين تشكلت نواته الأولى في صورة مجموعات غير منظمة نسبياً، ضمت عناصر دينية وثورية هدفها دعم روح الله الخميني في تثبيت سلطته داخل طهران. وخلال تلك المرحلة، كان أقرب إلى ميليشيات محدودة التدريب والتنسيق، تشكلت بسرعة استجابة لفراغ السلطة بعد سقوط نظام الشاه.
ويرى ويري ضمن كتابه، وهو باحث في "مؤسسة راند" ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية شكل نقطة تحول حاسمة في مسار الحرس الثوري، إذ سرّع من انتقاله من مجموعات ثورية غير منظمة إلى جهاز عسكري منظم يعمل إلى جانب الجيش الإيراني النظامي الذي استمر وجوده بعد سقوط الشاه. ومع ذلك، احتفظ الحرس بعقيدته الخاصة المستندة إلى الأيديولوجيا الثورية، مما جعله كياناً موازياً أكثر منه تابعاً كاملاً للمؤسسة العسكرية التقليدية.
وفي بداياته، تداخل مع تنظيمات ثورية أخرى، أبرزها منظمة "مجاهدي خلق" التي تشابهت معه في بعض الطروحات السياسية، لكنها تبنت توجهاً يسارياً مناهضاً للإمبريالية، مما أدى لاحقاً إلى افتراق المسارين وترسيخ هويته الدينية الأيديولوجية.
ويشير المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" إلى أن الانكشارية لم تكُن مجرد قوة عسكرية، بل أداة مركزية في ترسيخ مشروع الدولة الإمبراطورية وهويتها، إذ نشأت ضمن بنية منظمة تخدم السلطان مباشرة وتكرس ولاءها للنظام القائم. وبخلاف هذا النموذج المؤسسي الواضح، لم يتشكل الحرس الثوري الإيراني على أساس قومي أو ضمن مشروع دولة مستقر، بل جاء انعكاساً لمرحلة مضطربة شهدتها إيران في أواخر عهد الشاه، اتسمت بأزمات اجتماعية واقتصادية وتمردات عرقية وحركات احتجاج مسلحة. وأسهمت هذه البيئة في بلورة دوره كأداة لحماية النظام الجديد، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً أمنياً وأيديولوجياً، في ظل حال عدم الاستقرار التي رافقت الأعوام الأولى بعد الثورة.
وتمكن من استيعاب قوى اجتماعية متنوعة داخل إيران، وتوجيه احتجاجاتها وغضبها خلال عهد الشاه لخدمة أيديولوجيا الثورة، وأتاحت له مرونة نشأته استقطاب عناصر مسلحة من خارج المؤسسة الدينية ومن خلفيات مختلفة، لم تكُن تسعى في كثير من الأحيان سوى إلى تحسين أوضاعها المادية والاجتماعية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى نواة قوة "الباسيج" التي شكلت رافداً بشرياً أساسياً له.
وبحكم أنه جيش ثوري نشأ في سياق صراع داخلي وخارجي، اكتسب قدرة على التكيف وإدخال تغييرات براغماتية في بنيته وأساليبه، مما مكنه من التحول إلى قوة عسكرية تعتمد تكتيكات أكثر تنظيماً واستراتيجية، وبرز هذا التحول بوضوح خلال الحرب العراقية- الإيرانية، ثم في المرحلة التي أعقبت حرب الخليج الثانية عام 1991، فعزز موقعه كأحد أهم أركان القوة داخل إيران.
استقلالية وتصدير الثورة
بعد انتقال الحرس الثوري من مجرد ميليشيات أمنية داخلية إلى قوة عسكرية فاعلة داخل إيران وخارجها، رسخ موقعه داخل بنية الحكم في البلاد، واحتفظ بدور مؤثر في المؤسسات الثورية والحكومية عقب تشكيل الرئاسة. ومع إصدار روح الله الخميني مرسوماً منح بموجبه "الباسدران" صلاحيات واسعة لتنفيذ مهماته، تحول الحرس إلى أداة مركزية لا تساوم على أهداف الثورة ومبادئها.
ومع تثبيت هذا الدور، انتقل الحرس إلى مرحلة جديدة تمثلت في "تصدير الثورة"، بدءاً من الداخل عبر إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيته الأيديولوجية، فتمدد نفوذه ليغطي منظمات ومؤسسات ثورية عدة، متجاوزاً أدوار جهات مثل وزارة الإرشاد الإسلامي، ليصبح أحد أبرز الفاعلين في تنشئة الأجيال الجديدة على فكر الثورة.
وشمل ذلك تطوير برامج تعليمية داخل المدارس وإعادة صياغة مناهج جامعية، فضلاً عن تبني وسائل الإعلام استراتيجيات جديدة تعكس الخطاب الثوري وتروج له. كذلك تنوعت مهمات الحرس بين التوجيه السياسي الديني وإدارة الأمن والانضباط الداخلي، بما في ذلك أدوار شبيهة بوظائف "شرطة الآداب"، مما ميّزه عن بقية التشكيلات العسكرية.
وبمرور الوقت، لم يقتصر نفوذ الحرس على المجالين الأمني والعسكري، بل امتد إلى الاقتصاد، إذ عزز حضوره داخل مؤسسات تنفيذية مؤثرة، من بينها مؤسسات معنية بتنمية الريف والبنية التحتية، مما جعله أحد أبرز الفاعلين في رسم السياسات الاقتصادية، إضافة إلى دوره السياسي والعسكري.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في دائرة البحوث التابعة للكونغرس الأميركي كينيث كاتزمان أن الحرس الثوري قام بدور يفوق ما قامت به جيوش تقليدية في أنظمة أخرى مثل الجيش الأحمر السوفياتي أو جيش التحرير الشعبي الصيني، خصوصاً في مجال الأمن الداخلي وتصدير الأيديولوجيا، إذ إن كثيراً من الوظائف التي اضطلع بها الحرس في إيران كانت توكل في تلك الأنظمة إلى أجهزة الأمن والحزب، لا إلى مؤسسة عسكرية بحتة.
مؤسسة بأيديولوجيا ثورية
وتمكن قادة الحرس الثوري من إعادة تنظيم بنيته الداخلية عبر تحديد الأدوار والفصل بينها، وتطوير وحداته من تشكيلات أولية إلى فيالق متكاملة، مع إنشاء أفرع جوية وبحرية، وعمل أيضاً على بناء هيكلية مؤسسية لتجنيد وتدريب عناصره، سواء في الجبهات الأمامية أو ضمن وحدات خاصة تخدم أهداف الثورة الإسلامية.
وأسهمت الدعوة إلى استمرار نهج روح الله الخميني ذي الطابع الديني في استقطاب التجار والداعمين الماليين، مما عزز قدرات الحرس ومكّنه من تطوير بنيته التحتية، لتشمل إنشاء هيئات مشتريات خاصة وبناء منشآت للصناعات العسكرية، إضافة إلى تعزيز قدراته اللوجستية عبر مؤسسات إشرافية مرتبطة بقطاع الدفاع وتشكيل وحدات متخصصة في استخدام الأسلحة المتقدمة.
وبحلول أواخر ثمانينيات القرن الـ20، تحديداً عام 1989، كان الحرس الثوري وصل إلى درجة عالية من الاستقلالية، ليغدو جهازاً مؤسسياً متكاملاً يتمتع بهيكل تنظيمي واضح وقدرات متعددة تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتفق مشروع "التهديدات الحرجة"، وهو مشروع بحثي أميركي متخصص في تحليل التهديدات الأمنية والعسكرية ويتبع لـ"أميركان إنتربرايز إنستيتيوت" American Enterprise Institute، على أن الحرس الثوري صُمم منذ نشأته كأداة لحماية الثورة بطابع أيديولوجي، يتجاوز الوظيفة العسكرية التقليدية.
وتعود قدرة الحرس على التحول إلى مؤسسة قوية ومتماسكة بأيديولوجيا ثورية مقارنة بغيره من التنظيمات في إيران لاعتماده على قاعدة أوسع من الانتماءات، بعيداً من الارتباط بفئة عرقية أو مجموعة محددة، إضافة إلى مرونة نسبية في آليات التعيين واتخاذ القرار وإدارة الوحدات. كذلك لم يرتبط استمراره ببقاء قائد بعينه أو نخبة محددة في مواقعها.
ومع ذلك، لم يكُن هذا التماسك كاملاً، إذ شهد الحرس بين الحين والآخر مظاهر من التنافس الداخلي والتحزب، انعكست أحياناً في تباينات بين قياداته العليا وبعض توجهات القيادة السياسية، بل أدت في حالات معينة إلى إقصاء شخصيات بارزة داخل النظام.