ملخص
أمام معادلة الغائبين الاثنين، المرشد من جهة وقائد "حرس الثورة" الجنرال أحمد وحيدي من جهة ثانية، وتغييب صمام التوجيه الذي قام به لاريجاني وقدرته على التوازن بين التشدد والدبلوماسية وبين التصلب والحوار، فإن المشهد الإيراني يتمثل بالذهاب في بعده العسكري إلى مزيد من التصعيد والتداعيات الدراماتيكية السلبية تحت ضغط الإجراءات العسكرية التي اتخذتها قيادة القوات الأميركية بضرب مخازن الصواريخ في المناطق القريبة من مضيق هرمز، والتي قد تشكل مؤشراً على إمكان التدخل البري الأميركي.
لا يزال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، وعلى رغم مرور أسبوع على تنصيبه واختياره كقائد وولي للفقيه على رأس النظام الإيراني، يعتمد آلية الرسائل في مخاطبة الجمهور الإيراني والمجتمع الدولي وقيادة الحرب في مواجهة الهجوم الأميركي - الإسرائيلي المشترك.
وما بين الرسالة الأولى التي تلت تنصيبه كمرشد ثالث للنظام، وحدد فيها الإطار العام للمرحلة المقبلة تحت قيادته، جاءت الرسالة الثانية مختصرة ومحددة وتؤكد مسألة الاستمرار في التضييق على الملاحة في مياه الخليج، وتشديد عملية إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة وإمدادات الطاقة والنفط.
وإذا ما كانت الرسالة الأولى لم تختلف في لغتها وخطابها عن الخطاب التصعيدي الذي ظهر في تصريحات القيادات العسكرية، وتحديداً "حرس الثورة"، فإن الرسالة الثانية لا تختلف عن سابقتها وهي تحمل على الاعتقاد أو ما يشبه اليقين أن الجهة التي تقف وراء هاتين الرسالتين ليست سوى قيادة "حرس الثورة"، وأن هذا الموقف للمرشد الجديد، المغيّب أو الغائب عن المشهد، قد يكون ناتجاً من أحد أمرين، إما أن يكون متبنياً خيار تصعيد الحرب والذهاب بها إلى النهايات، مهما كانت النتائج السلبية أو الإيجابية، وإما أنه لا يملك خيار المعارضة أو إبداء أي رأي مختلف، وبالتالي عاجزاً أمام ما يمارس عليه من ضغوط من المؤسسة العسكرية عن اعتماد سياسة خروج من الأزمة، تتعارض مع توجهات هذه المؤسسة أو تختلف معها، حتى وإن كان الهدف منها الحد من أخطار الانهيار التام لما بقي من قدرات النظام الداخلية والعسكرية، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً.
هذه الثنائية في الاحتمالات تطرح سؤالاً جوهرياً عن الجهة التي تقود إيران خلال هذه المرحلة، والجهة التي تتولى صياغة الموقف والقرار الإيراني وقيادة العملية السياسية وترسم مسار المواجهة العسكرية، وهل المرشد الجديد الذي بات مسلّماً أنه تعرض لإصابات جراء الضربة التي تعرض لها مقر المرشد وأدت إلى اغتيال والده المرشد السابق، لا يملك حرية ورفاهية اتخاذ القرار ورسم السياسات الإستراتيجية وإعلانها أمام الجهة التي سهّلت الطريق أمام وصوله إلى هذا الموقع، واستطاعت إسكات وقمع كل الأصوات المعارضة أو غير الموافقة على هذا الاختيار؟
تطور الأحداث وتصاعد وتيرة المواجهات وانفتاحها على كل الاحتمالات يحمل على الاعتقاد من دون أي تردد أو شكوك أن من يقود إيران حالياً هو مؤسسة "حرس الثورة" التي باتت تتحكم بكل المواقف والقرارات، بعد تغييب المؤسسات الرسمية للدولة الإيرانية، إضافة إلى إلغاء أي دور لأية جهة ذات تأثير في المشهد، وذلك من خلال مقر "خاتم الأنبياء" الذي ألغى أيضاً دور ورؤية مؤسسة الجيش الرسمي النظامي وحوّله إلى قوة رديفة لـ "حرس الثورة" تتولى مهمة سد الفراغات الميدانية التي يعجز الحرس عن تغطيتها.
ومع التطور الأخير الذي حصل بعد إعلان اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، فإن تراجع تأثير المرشد في القرار الميداني والسياسي سيبرز بصورة أوضح، بخاصة أن لاريجاني أدى في مرحلة ما بعد تغييب المرشد علي خامنئي دور الوسيط بين مؤسسة القائد والمؤسسة العسكرية ومؤسسة الدولة، وتغييب لاريجاني سيسهم بصورة كبيرة في تشديد عزلة الحكومة والدولة لمصلحة المؤسسة العسكرية، وما يعنيه ذلك من إمساك القيادة العسكرية للحرس بقرار المرشد الذي قد يكون بحاجة إلى غطائها من أجل ترسيخ وتكريس قيادته خلال المرحلة المقبلة.
المؤشر الأوضح على الاتجاه الذي قد يسيطر على القرار الإيراني سيكون في اختيار الشخصية التي ستخلف لاريجاني في المجلس الأعلى للأمن القومي، وهل سيكون لرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، باعتباره رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، كامل الحرية في اختيار الأمين الجديد لهذا المجلس بالتنسيق مع المرشد الجديد الذي سيمنحه صفة الممثل الخاص له؟ أم ستلجأ قيادة الحرس إلى فرض من تريده في هذا الموقع ضمن خطوة تستكمل فيها إحكام قبضتها على كل المفاصل التي تصوغ وترسم القرارات الإستراتيجية في النظام مرحلياً ومستقبلاً؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أمام معادلة الغائبين الاثنين، المرشد من جهة وقائد "حرس الثورة" الجنرال أحمد وحيدي من جهة ثانية، وتغييب صمام التوجيه الذي قام به لاريجاني وقدرته على التوازن بين التشدد والدبلوماسية والتصلب والحوار، فإن المشهد الإيراني يتمثل في الذهاب في بعده العسكري إلى مزيد من التصعيد والتداعيات الدراماتيكية السلبية تحت ضغط الإجراءات العسكرية التي اتخذتها قيادة القوات الأميركية بضرب مخازن الصواريخ في المناطق القريبة من مضيق هرمز، والتي قد تشكل مؤشراً على إمكان التدخل البري الأميركي من أجل السيطرة على المضيق من الأراضي الإيرانية، وإنهاء قدرة "حرس الثورة" على التحكم والتأثير في الاقتصادات العالمية التي بدأت تحرج إدارة البيت الأبيض.
أما في البعد الداخلي فإن الأمر لا يختلف كثيراً، أي إمكان أن يذهب أيضاً إلى مزيد من التشدد والتصعيد في ظل التصريحات التي أدلى بها القائد العام لقوات الأمن والشرطة أحمد رضا رادان، وطالب فيها المجموعات الشعبية المؤيدة للنظام والمرشد الجديد بالبقاء في الشوارع والساحات لمواجهة المؤامرات والمخططات التي تسعى إلى الانقلاب على النظام والعودة لإثارة الفوضى، تنفيذاً لمخططات أميركية وإسرائيلية لتفجير الداخل والقضاء على النظام، بحسب تعبيره.
مواقف رادان لم تصدر من فراغ، فهي تعبير واضح عن حجم القلق الذي يسيطر على قيادات المؤسسة العسكرية وخوفها من انفجار الشارع أمام تصاعد العمليات العسكرية، وحتى الخوف من الانفجار بعد التوصل إلى أي اتفاق لوقف النار من دون تحقيق النصر الذي وعدت به، لأن المنظومة بكاملها ستكون أمام استحقاق المساءلة الداخلية، وخطط النظام لإدارة البلاد والخروج من الأزمات التي زادت تفاقماً نتيجة الخسائر الإضافية التي لحقت بالاقتصاد الإيراني جراء هذه الحرب، مما يعني في النتيجة عودة هذه المنظومة لمواجهة سؤال الشرعية الشعبية والثورية التي احتمت بها، وصادرت أي اعتراض وحولته إلى حال شغب وتآمر.