في ذكرى الميلاد الـ78 لشاعر فلسطين محمود درويش... الظلال تطارد "ملك الصدى"

قصة القصيدة التي قطعت رزق أبيه... سر العلاقة الملتبسة مع الأم قبل الحنين لخبزها... موعد لم يُنجز وراء جداريات رام الله

صورة بطاقة الهوية للراحل محمود درويش في معرض بيروت للكتاب. الدورة 52 لبنان. 28 نوفمبر(تشرين الثاني) 2008. (أ.ف.ب)

في السابعة من عمره، وفي إحدى ليالي الصيف التي اعتاد فيها القرويون أن يناموا على سطوح المنازل، أيقظت الأم ولدها محمود من نومه فجأة، وجد نفسه مع المئات من سكان قريته في الأراضي المغطاة بأشجار الزيتون، والرصاص يتطاير فوق رؤوسهم، وهم يهرولون لمغادرة قرية "البـــِروة" من الجليل قرب ساحل عكا بفلسطين إلى جنوب لبنان. تضع مجريات أحداث ووقائع تلك الليلة المخيفة نهاية مأساوية لطفولة محمود درويش المبكرة، لتلقي بها الأقدارُ "في النارِ؛ وفي الخيمةِ؛ وفي المنفى" دون سابق إنذار. يلتفت الطفل حوله، ربما تمد له البراءةُ يدَ العون، وتكشف حقيقة ما يدور حوله، وما خبأته له الأقدار، فلا يرى سوى الطفولة التي تغادر روحه أمام عينيه، وتستبدلها بهموم وأوجاع وأحزان الكبار التي تسكنه، وتحرك بداخل وجده ووجدانه إلهاماً مبكراً يدرك عبره سلطة الكلمات التي ستطوف العالم إلى يومنا هذا.

في عام 1995، جسّد محمود درويش ليلة التهجير هذه في ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيداً؟"، فجاء فيها "يقول أبٌ لابنه: لا تخف/ لا تخف من أزيزِ الرَّصاصِ/ التصق بالترابِ لتنجو/ سننجو ونعلو على جبلِ الشمال/ ونرجعُ حين يعودُ الجنودُ إلى أهلهم في البعيد). يُسائل الطفل الأبَ: (ومَنْ يسكنُ البيتَ من بعدنا يا أبي؟)، فيجيبه: (سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي)، يعيد الطفل السؤال بصيغة أقرب إلى البراءة: (ولماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟)، فيجيب الأب بحسرة وانكسار: (لكي يؤنسَ البيتَ يا ولدي/ فالبيوتُ تموتُ إذا غاب أصحابـُــها؟)

مأساة اللجوء المبكر

على هذا النحو أُجبر الطفل محمود، المولود في 13 مارس (آذار) عام ،1941 بصحبة والده المزارع، وأم قروية وثلاثة إخوة، عددهم آنذاك، بالإضافة إلى المئات من أهالي قريته، على النزوح القسري من قرية "البـــِروة" في الجليل الغربي بفلسطين إلى القرى اللبنانية بعد النكبة الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) عام 1948، ليصيروا لاجئين بعدما استوطن الإسرائيليون قرى الفلاحين ودفنوا الحقيقة تحت تراب أراضيهم.

عاد درويش مع عائلته متسللين إلى البِروة بعد أكثر من عام، وفوجئوا بأن الاحتلال استبدل الأرضَ بغيرِ الأرض، ولم يعد لقريتهم وجود على جَسد الخريطة، بعدما اُغتصبت بليل، وأحيطت بالأسلاك الشائكة، وطُمس اسمُها، وصارت مستوطنة باسم عبري تدعى "أحيهود"، تخلصاً من الهوية الفلسطينية، وتهويداً لأراضيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اضطر درويش بصحبة عائلته إلى الانتقال إلى قرية غير قريته، تدعى "دير الأسد". وكما عاد درويش إلى وطنه متسللا، التحق بالمدرسة الابتدائية متسللا، ليطارده وصف "المتسلل" ويصير له قدرا، وفقا لروايته. فكلما داهم المدرسة تفتيش من وزارة "المعارف" الإسرائيلية، كان المدرسون، الذين تعاطفوا بالطبع مع الطفل محمود، يخبئونه إلى أن يعبر العابرون، كي لا يتعثروا فيه ويطرد.

هذا الطفل النازح الذي عاش حياة اللاجئين في لبنان تسربت إلى طفولته المبكرة معاني الحرب، والمطاردة، والحدود، والعودة، والوطن، والتسلل، هي التي شكلت بداخله مفهوم القضية الفلسطينية التي سيصير شاعرها، يُعرف بها وتـــُعرف به أينما حل؛ سيصير "شاهد المذبحة وشهيد الخريطة"، على نحو ما عبّر في قصيدة الأرض، سيصير أيضا لسان شعب بأكمله، ويجسد عبرها أزمة الهوية الثقافية التي طمسها الاحتلال، ليعود إلينا من "حضرة الغياب"، ونحتفي بذكرى ميلاده الثامن والسبعين اليوم، ونكشف معاناة درويش على ذيوع صيته في الشرق والغرب، لنردد معه أنشودته "أنا مَلكُ الصدى، لا عَرشَ لي سوى الهوامش".

درويش الذي جسَّد، إلى جوار آخرين بالطبع، وقائع ومجريات القضية الفلسطينية عبر منجزه الشعري، لم يستطع أحد من أقرانه الركض خلف تحولاته الشعرية والجمالية التي نصّبته رمزا يَستعصي نسيانُه على ذاكرة الشعر العربي الحديث، أو التنكر لمنجزه الذي يربو على الثلاثين إصداراً، بينها 23 مجموعة شعرية، بدأت بديوان "عصافير بلا أجنحة" عام 1969، وهو في سن التاسعة عشرة، مرورا بـ"أثر الفراشة" في 2006، وانتهاءً بديوان "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، الصادر بعد وفاته في 2009، بالإضافة إلى إصداراته النثرية التي بدأت عام 1971 بكتاب "شيء عن الوطن"، و"يوميات الحزن العادي" 1973، و"ذاكرة للنسيان" 1987، و"في حضرة الغياب" 2006، و"حيرة العائد" 2007.

قبل الحنين إلى خبز أمه

"ينتمي محمود درويش إلى أسرة من الفلاحين البسطاء التي تفتخر بانتسابها إلى الأرض". يروي "أنا الابن الثاني في أسرة فلاحين تتكون من ثمانية أفراد، خمسة أولاد وثلاث بنات، كنت ابنا لأسرة متوسطة الحال عاشت من الزراعة"، فأبوه سليم حسين درويش، وأمه فلاحة بسيطة لا تقرأ ولا تكتب.

سرّب درويش ما تيسر عن عائلته في عدد من القصائد، بينها قصيدته الأشهر "بطاقة هوية" والمعروفة بـ"سجّل أنا عربي"، وجاء فيها (أبي من أسرة المحراث/ لا من سادة نُجبِ/ وجدي كان فلاحا/ بلا حسب ولا نسب/ يعلمني شموخَ الشمس قبل قراءة الكتبِ).

أما عن الأم، فلم تكن علاقة الطفل محمود بأمه قوية حتى العشرينيات من عمره، إذ كانت شخصية قوية وعصبية إلى حد ولَّدت داخل طفلها شعورا بعلاقة ملتبسة، يقول درويش "كان ترتيبي الأوسط بين إخوتي الصبيان، فإذا وَزَّعت الأم المسؤوليات والمهام كانت تحتسبُه مع الكبار، أما إذا تَسيَّد التوبيخ الموقف فكان أيضا ينال حظاً وافراً منه، ما سرب إليه أنها لا تحبه مثل باقي إخوته، وهو شعور لازمه طويلا". مع الوقت اكتشف هذه المغالطة في خلواته أثناء تعبده في محراب ذاته كثيراً، فاعتذر للأم بعدد من القصائد أهداها لها، وانتشرت في الشرق والغرب.

  يروي درويش "أمي كانت جميلة وقاسية تنشر الرعب في البيت، وكثيرا ما كانت تشاكس الأب الحزين المتحسر على الأرض. بدأت المشاحنات بين الأم والأب مع الخروج من الأرض، كنت منحازاً لأبي، أهرب بعيداً عن البيت تفاديا لشراسة أمي التي اكتسبتها عندما تخلت عن البيت، كانت تضربني كثيراً ولأي سبب، وكثيراً ما شعرت أن السبب هو خلافاتها مع أبي، وأنها تحمّلني مسؤولية هذا الخلاف، تكوَّن لدي شعور بأنها تكرهني، كانت هذه عقدة أو شبه عقدة، وبقيت هذه الفكرة معي، لكن حين دخلت السجن للمرة الأولى، زارتني في السجن وحملت لي خبزها الساخن وقهوة وفواكه. احتضنتي، وقبـــَّـلتني. ومن هنا خرجت (أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي) التي تحولت إلى أغنية جماعية".

ذات ليلة فتش درويش داخله عن نسبه الشعري، وكيف تسربت إليه هذه الروح الشاعرية، فلم يعثر سوى على صدى صوت الأم التي إليها يرجع الفضل في الروح الشاعرية المتسربة إلى وجدانه. يخبرنا درويش "حاولت مرة أن أبحث في تربيتي عن نَسبٍ شعري داخل أسرتي ففكرت في أمي.. أمي كانت تكره الأعراس ولا تذهب إليها، لكنها تحضر كل جِنازة، صادفتها مرة في جِنازة وهي تندب، سمعتها تقول كلاما كله شعر، وإذا بحثنا عن أصل وراثي للشعر، فقد يكون منشأُ شِعري من الكلام الصامت والمخزون لأميّ".

إلى الجد أيضا يرجع الأثر الأكبر في تثقيف الحفيد، الذي وقفت الظروف القاسية أمامه حجرة عثرة فلم يحصل سوى على شهادة الثانوية العامة، ولم يتلقَ شهادة جامعية؛ وإن دخل الجامعة محاضراً، ولم يدخلها تلميذاً. فقد كان الأب مشغولاً في معركة الخبز، وترك مهمة رعاية الأطفال للجد، ويبدو أن الجد كان يرى في الحفيد خيراً، ودائما ما كان يناديه بـ"الحبيب النجيب"، وجعل منه نديماً في مجالسه مع أصدقائه، التي انتقلت بدرويش من عالم الطفولة إلى عالم التأمل.

يقول درويش عن العوالم التي سربها الجد إلى الحفيد "حين ينفضّ الساهرون من ديوان جَدِّك، ويحملك جدك إلى النوم، تكون الحكاية قد هيأتك لتحلم وفق خيالها المفتوح؛ ستتابع حروب عنترة تارةَ، والمهلهل تارةً، وستدخل غرفاً لا تعرفها، في تناسل الحكاية من الحكاية في ليالي شهرزاد التي لا تبلغ النهاية، فتصير جزءاً من حكاية عالم سحري التكوين لا يشبه شيئاً من حولك".

أولى قصائده قطعت رزق الأب

سبقت الإشارة إلى سليم حسن درويش، الذي لعب دور الأب في ملحمة الشاعر، كان فلاحاً بسيطاً، يرعى أرضه قبل تهجير عام 1948، ويوفر الطعام للأولاد من الخير الذي تجنيه يداه الطيبة من أرضه الطيبة، التي استولى عليها المستوطنون. وبعد التهجير كثيراً ما نزفت روحه وهو يستحلب رزقهم من المحجر، واستهلكت معركة الخبز قواه، وأوكل إلى الجد رعاية وتثقيف الحفيد.

يروى درويش "جلب الشعر إليّ المتاعب منذ البداية"؛ فذات مرة ألقى قصيدة وهو في المرحلة الابتدائية عنوانها "أخي العبري"، كانت صرخة من طفل عربي إلى طفل يهودي، لم يعد يتذكر كلماتها، وإنْ تجسدت معانيها، وفقا لروايته (يا صديقي! بوسعك أن تلعبَ تحت الشمس كما تشاء، بوسعك أن تصنع ألعاباً، ولكني لا أستطيع.. أنا لا أملك ما تملكه؛ لك بيت، وليس لي بيت، فأنا لاجئ.. لك أعياد وأفراح، وأنا بلا عيد ولا فرح).

انتهت القصيدة، لكن لم يُقدّر لها العبور الآمن، إذ بلغت الكلمات أبواب الحاكم العسكري الإسرائيلي، فاستدعاه؛ وبَّخـــه، ضربه، فما بكى. وحين هدده بأبيه بقوله "سأمنع أباك من العمل في المحجر، وأقطع عنه تصريح الموت"، هنا اهتز الطفل، وبكى في طريق عودته من المدرسة، وحينما أخبر الأب، هز الأبُ رأسَه، ونظر لابنه وحثه على المسير، وطمأنه بجملة واحدة: الله يرزقنا. وللأسف أصاب الأب المكروه الذي كان يخشاه الابن، وقُطع مصدر دخل الأسرة، وأصبح الأب بلا عمل.

تهديد ووعيد الحاكم العسكري للطفل محمود، جعله يفكر كيف ستوفر الأسرة تكاليف المأكل والمشرب والملبس والتعليم، وسط ميزانية أصابها الضيق، ويتحصل عليها الأب بشِق الأنفس، ففكر في الإقلاع نهائياً عن تعاطي الشعر، لكن غَضبَ الرجلِ ذي المنصب الكبير لم يعكر صفاء رؤية الطفل التي طرحت سؤالا عفويا على عقله، كان مفاده، بحسب درويش "ما الذي جعل كلمات القصيدة العابرة لطفل يلهو بالكلمات تهز جدران الحاكم العسكري؟ هنا أدرك محمود سلطة الكلمات في وقت مبكر من طفولته، وقرر أن يشدّ الرحال إلى مدينة الشعراء، ليكون أحد سادتها العظماء، بعدما تساءل ذات ليلة "عمّ تبحث يا فتى في زورق الأوديسة المكسور؟ــ عن جيش يهاجمني فأهزمه، وأسأل هل أصير مدينة الشعراء يوماً؟".

صورة على الجدار

أشعار محمود درويش طافت الشرق والغرب، واستوقفت ملحمته الإنسانية مع الحياة والشعر والقضية من بين من استوقفت أحد الفنانين التشكيليين الفرنسيين، ويدعى إرنست بينيون إرنست، وهو من مواليد ضاحية نيس بفرنسا عام 1942، أي بعد مولد درويش بعام، وقد احترف الرسم على الجداريات منذ ستينيات القرن الماضي، وعلى وجه الدقة عام 1966، هو يساري الهوى، عُرف عنه دفاعه المستميت عن قضايا الأقليات والعنصرية في عدد من دول العالم والقارة الأفريقية، وتمحورت كثيرٌ من أعماله حول هذا الأمر.

رسم إرنست صورة محمود درويش في مرسمه بضاحية "إيفري" في باريس أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، وحددا بينهما موعداً يلتقي فيه الشعر والرسم ليجسد القلم والريشة ملحمة فلسطين على الجداريات، على أن يكون المكان مدينة رام الله بعد عدة شهور من لقائهما هذا، ويكون الزمان عام 2008، وفقا للموقع الرسمي للفنان الفرنسي إرنست بينيون.

عاجلت المنية درويش قبل حلول الموعد بينهما. حال رحيله في أغسطس (آب) دون اللقاء، لكن إرنست التزم بالوعد الذي قطعه مع الراحل الأمين؛ وفاءً للعهد، وتحدياً للغياب، مستخدما سلاحه الوحيد الذي يجيده، ويُشعرِه بالقوة في مواجهة قوات الاحتلال؛ ريشته وألوانه.

رسم إرنست عدة صور لدرويش على جدار في حديقة السكاكيني وبجوار مكتبه، وعند نقطة تفتيش في قلنديا، وفي زاوية في شارع ببيت لحم، وعلى أعمدة منزل مدمر بالقدس، وعلى حجر في قرية البـِروة، مسقط رأس درويش في الجليل، وأخيرا على الجهة المقابلة للجدار العازل والفاصل للضفة الغربية عن الاحتلال، ليُسكِنَ رُوحَ درويش المكانَ الذي كثيراً ما حامت حوله، كي تستقر الروح في مقامها هادئة مطمئنة.

المزيد من ثقافة