ملخص
كل غرزة بيضاء تثقب هذا القماش المستخرج من تحت الأنقاض تقابلها قطرة عرق تتدفق من جبين أمير، وكل حركة صعود وهبوط للإبرة هي معركة عضلية لخياطة فستان زفاف ناصع البياض يرمم به انكسار فتيات القطاع.
من عتمة محل قصفت واجهته في مدينة خان يونس، ينبعث صوت رتيب حشرجة تروس معدنية واحتكاك سلاسل دراجة هوائية قديمة أجبرت على الدوران في مكانها لتشغيل ماكينة الخياطة.
المحيط غارق في الدمار الذي سببه القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل، لكن وسط هذه الأنقاض يجهز الخياط أمير الرنتيسي ثوب زفاف أبيض ناصعاً بطبقات من التول، يعلقه بكبرياء على سيخ حديدي بارز يمتد من عمود أسمنتي لا يزال منتصباً وسط الدمار.
لم يصنع الثوب الأنيق بكل بهائه من أقمشة جديدة مستوردة، بل حيك بالكامل من بقايا الملابس والفساتين المحترقة جزئياً، التي استخرجت من تحت ركام البيوت المدمرة بفعل الحرب.
على طاولة خشبية عتيقة، تنهمك يدا الشاب أمير في توجيه بقايا أنقاض الأقمشة بدقة متناهية، ميلليمتراً تلو الآخر، تحت إبرة ماكينة الحياكة السريعة.
حركة أمير مع ماكينة الخياطة مربوطة بالجهد العضلي القاسي الذي يبذله شقيقه يوسف لتحريك تروس سلاسل دراجة هوائية من أجل تحريك الإبرة والخيط، بدلاً من تشغيل الآلة على الكهرباء المقطوعة عن غزة منذ ثلاثة أعوام متتالية.
كل غرزة بيضاء تثقب هذا القماش المستخرج من تحت الأنقاض تقابلها قطرة عرق تتدفق من جبين أمير، وكل حركة صعود وهبوط للإبرة هي معركة عضلية لخياطة فستان زفاف ناصع البياض يرمم به انكسار فتيات القطاع.
الفكرة حين خطرت وتوهجت
فرضت الحرب حصاراً محكماً على غزة وأغلقت المعابر وتجمدت الأسواق وقفزت أسعار الملابس إلى مبالغ خيالية وصار حصول الفتيات على فستان زفاف أمراً مستحيلاً.
من هنا لمعت في ذهن أمير فكرة حياكة بديلة للأقمشة المتضررة من الشظايا والحروق لصناعة فساتين زفاف نسائية، في محاولة إنقاذ اجتماعي وإنساني، يقول "الفستان الذي صنعته في مشغلي ليس مجرد قطعة تجميلية عابرة، بل هو تأكيد على أن إرادة الاحتفال أقوى من محاولات السحق والشطب اليومي".
يصنع أمير فساتين زفاف وسهرة متكاملة الأناقة، مستخدماً حصراً بقايا الملابس التي يستخرجها من تحت ركام البيوت والمحال التجارية المدمرة في قطاع غزة، يحاول مساعدة النساء على استرداد جهاز العرس الذي دفنته الصواريخ تحت الأنقاض.
عند عتبة المشغل في خان يونس تسقط مفاهيم "الموضة"، فالمكان لا تحده جدران أربعة، ويقطعه كسر في الحائط الغربي أحدثته قذيفة، فصار الجدار مسرحاً يمنح المارة فرصة لمشاهدة مراحل حياكة فستان الزفاف.
لا واجهات زجاجية ناصعة أو إضاءة براقة في مشغل أمير، إذ تكسو الجدران مساحيق الرماد وتفوح منها رائحة الحرب، وبدلاً من "المانيكانات" البلاستيكية المفقودة، طوع أمير بقسوة المحيط لوسائل عرض بديلة.
ثنى الشاب أسياخ الحديد البارزة من الأعمدة المهدمة، وثبت فوق الكتل الأسمنتية المتناثرة فساتين التول والحرير والساتان لتظهر على الحديد وكأنها زهور زاهية تنبت كالمعجزة من قلب الدمار.
انقطاع التيار الكهربائي بالكامل في غزة كان كفيلاً بإنهاء حلم أي مصمم، لكن أمير فكك دراجة هوائية قديمة وربط تروس سلاسلها الحديدية يدوياً بمحرك وبكرة ماكينة الخياطة التقليدية، وخصص الصغير يوسف فقط لتشغيلها.
غزة المحرومة من الإبرة
يجلس الطفل على الأرض قرب الماكينة، يقبض بيديه الصغيرتين على دواسة الدراجة ويديرها بقوة وعزيمة، فتنطلق التروس لتوليد الطاقة. وفي تلك اللحظة، ينحني أمير بكامل تركيزه لتوجيه الأقمشة بدقة متناهية تحت الإبرة المسرعة.
يقول أمير "مهارة الخياطة تحولت إلى ضغط متواصل على المفاصل نتقاسمه جميعاً لإنتاج فستان واحد يستغرق العمل فيه أياماً"، يتوقف أمير للحظة، يمسح جبهته بقميصه، ويتحدث بنبرة هادئة "الحرب أغلقت كل شيء في وجوهنا، حتى الخيط والإبرة حرمنا منهما، عندما انكسرت إبرة الماكينة من المقاس الدقيق للمرة الأولى، شعرت أن مشروعي انتهى، فالأسواق فارغة تماماً بسبب الحصار وإغلاق المعابر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويكمل حديثه "قضينا أياماً طويلة نبحث بين الأنقاض، ونحاول إصلاح الإبر القديمة بورق الزجاج حتى تعود صالحة للثقب والتطريز وتكملة الفستان الموعود، نحن لا نخيط القماش فقط، بل نخيط وقتنا وأعصابنا لنمنح الناس فرصة للفرح".
يتأمل أمير الخيط الممتد في الماكينة، ثم يتابع "انظر إلى هذه الألوان، بكرات الخيوط البيضاء شحت وأسعارها قفزت خمسة أضعاف، وهي كلفة لا تحتملها العائلات النازحة، عندما أعجز عن إيجاد خيط أبيض ناصع يتطابق مع فستان الزفاف لا أستسلم، أستعين بخيوط رمادية فاتحة أو بيج متوفرة لدي، وأقوم بحياكتها عبر غرز دائرية مخفية تماماً داخل طبقات التول والبطانات الكثيفة للفستان".
يفصح أمير أن "العين من الخارج ترى فستاناً أبيض ناصع البياض، لكن باطن الثوب يحمل جغرافيا كاملة من الألوان البديلة التي فرضتها علينا ندرة الحرب وضيق الخيارات".
عروس خلف هذا الخطر
لم يجد أمير الأقمشة في الأسواق، لذلك زحف نحو المناطق المدمرة ليبدأ الرحلة بالخوف، يقطع كيلومترات طويلة مشياً وسط طرقات محفورة إلى جوار أبنية مائلة أشبه بهياكل قد تسقط في أي وقت.
يقترب من ركام بيت مدمر، ينحني ويزحف على ركبتيه داخل سراديب مظلمة وتجاويف أسمنتية ضيقة، وتحت أسقف متصدعة تتدلى منها شبكات الحديد المقصوص.
الهواء بالداخل شبه معدوم ومشبع بالرطوبة والغازات الخانقة ورائحة الموت المنبعثة من عمق الأنقاض، يستعين بكشاف هاتف صغير وفأس صغيرة ليفتت كتلاً خرسانية تزن أطناناً. وحين يعثر على لفة قماش أو فستان زفاف قديم لا يسحبه بسهولة، بل يضطر لانتزاعه من بين كتل البناء، يقول "ثوب القماش الذي كان طوله 50 متراً، يخرج كالجثة نصفه متفحم بالنار، وأجزاء منه ذابت بفعل حرارة الانفجارات، وما نجا منه يحتاج إلى جهد لإنقاذه".
ينفض أمير الغبار العالق بقميصه، وتبدو على يديه خدوش وجروح صغيرة، يهمس "كل خطوة أسفل الركام هي مغامرة قد لا أعود منها، كنت أزحف نحو خزانة تحت سقف معلق لانتزاع فستان زفاف، فسمعت فجأة صوت تكتكة وهبوط طفيف في الأسمنت فوق رأسي، تجمد الدم في عروقي، وحبست أنفاسي لثوانٍ، سحبت الفستان بجنون وزحفت للخارج على بطني، وخلال دقيقة واحدة انهار الممر، أدخل إلى الموت وأصارعه لأحصل على متر من بياض الساتان، لأنني أعلم أن خلف هذا الخطر عروساً تستعد في خيمتها للفرح".
وردة في مكان الشظية
لا تنتهي رحلة أمير بجلب القماش، تبدأ بعده مرحلة الفرز، يمسك بقطعة من الساتان الأبيض، لا تزال المياه عاجزة عن إزالة بقعة سوداء متفحمة في أطرافها، يقول "النبش في الركام ليس مجرد جمع خامات، حين أنتشل فستاناً ممزقاً أتحسس حوافه أتساءل: مَن العروس التي ارتدته؟ هل نجت أم غادرت؟".
ويضيف "أصعب ما في مهنتنا أنا وشقيقتي نسرين ليس القص، بل غسل القماش لمرات متتالية وتجفيفه تحت الشمس لأيام في محاولة مضنية لتنقيته من رائحة البارود وغبار المتفجرات الكثيف العالق في مساماته".
بعد التجفيف، تظهر الحقيقة الصادمة تحت مقص أمير، فالأقمشة لا تأتي سالمة، بها عشرات الثقوب الصغيرة الناتجة من تطاير الشظايا، لتبدو الأثواب وكأنها أصيبت في جبهة قتال.
يتحول أمير إلى جراح نسيج، يوضح "الرقعة العادية ستشوه الثوب وترفضها العروس، إذا كان الثقب في صدر الفستان، أستعين بملقط لأضع وروداً مطرزة وخيوط زينة من فساتين سهرة تالفة ثم أعيد حياكتها ببطء شديد وتثبيتها فوق مكان الشظية مباشرة". أما إذا كانت الشظايا قد مزقت أسفل الثوب، فيقوم بابتكار طبقات إضافية من كشكشة التول المنفوش، ليتداخل القماش الجديد بالقديم ويخفي العيوب تماماً.
ينحني أمير فوق فستان خطوبة زاهي الألوان، ويتحسس بإبهامه وردة حمراء بارزة حيكت بجهد استثنائي على الخاصرة، ثم يقول "لم تكن هذه الوردة في التصميم الأصلي، ولم أضعها كزينة، خلفها ثقب شظية كبير كان كفيلاً بإلقاء هذا الثوب في القمامة، مهمتي بصفتي مصمماً ألا أسمح لهذه القذائف بأن تشوه وجه الفرح".
ويتابع "العروس التي ترتدي هذا الفستان لاحقاً في خيمتها، لن ترى في المرآة شظايا أو دماراً، سترتدي ثوباً صار أجمل، لأن عيب الحرب تحول بالإبرة إلى لمسة فنية فريدة".
أميرة من القصص القديمة
تدخل الفتيات المخطوبات إلى مشغل أمير محملات بانكسار، معظمهن فقدن بيوتهن ونزحن بملابس الصلاة التي يرتدينها وتبخر جهاز العرس الذي قضين أعواماً في تجميعه.
تنظر العروس خلود إسماعيل إلى انعكاس صورتها في مرآة مكسورة معلقة على جدار المشغل المتفحم، وتتحسس أطراف طرحة زفافها البيضاء، تقول "لا يمكن إتمام مراسم حفل الزفاف بلا فستان أبيض، حين قصف بيتنا بكيت على فستاني الذي اشتريته قبل الحرب بأسبوع، شعرت أن فرحتي دفنت، وأنني سأزف إلى خيمة النزوح كنازحة مكسورة الجناح. وعندما جئت إلى هذا المشغل وارتديت هذا الثوب شعرت بالذهول".
وتضيف خلود "الفستان الأبيض جعلني أشعر بأنني غداً سأمشي بين الخيم ورأسي مرفوعة، وسأثبت لهم أننا نملك الحق في الفرح، وأن الصاروخ الذي دمر بيتي لم يتمكن من تدمير عرسي".
يضج المشغل بحركة طفولية، هذه ريما تتردد على ورشة أمير لالتقاط بهجة مجانية، ترتدي فساتين من التول المنفوش المصبوغ بألوان وردية وحمراء وزرقاء صاخبة، وتبدأ بالدوران السريع حول نفسها. مع كل دورة، تنتفخ طبقات التول حول جسدها، هذا الدوران ليس لعباً وإنما آلية تفريغ نفسي، تضحك ريما حتى تظهر غمازتاها، وتتوقف عن الدوران لتمسك بطرف فستانها الوردي المنفوش، وتقول ببراءة "أحب مجيئي إلى هنا لأن فساتين عمو أمير تجعلني أشعر بأنني أميرة في قصة قديمة، ولست طفلة تعيش في خيمة".
نحو عرس كامل في الخيام
لدى أمير إنسانية رائعة، فالعرائس اللواتي يثبتن أنهن فقدن كل شيء يمنحهن الفساتين البيضاء من دون مقابل سوى وعد بالدعاء والابتسام. أما فساتين السهرة للأطفال والفتيات، فيقوم بتأجيرها بأسعار رمزية خجولة، مبالغ بسيطة لا تغطي في الغالب سوى ثمن بكرات الخيوط البديلة التي يشتريها بخمسة أضعاف سعرها الأصلي.
تنخفض الشمس نحو المغيب، يتوقف الطفل الصغير عن تدوير دواسة الدراجة الهوائية ليلتقط أنفاسه اللاهثة، وتنزل إبرة الماكينة في غرزتها الأخيرة. تقف العروس التي أنهت قياس فستانها المرمم، تحزم الثوب الأبيض الناصع بقطعة قماش داكنة لتحميه من غبار الشارع، ثم تخطو فوق عتبة المحل متجهة نحو طوابير الخيم الممتدة على طول الأفق.
يتحسس أمير مقبض مقصه المعدني القديم، وينهي حديثه باقتباس "مهمتي أنا وإبرتي وماكينتي لن تتوقف، فكل فستان ننجزه يحمل رسالة إلى العالم بأن غزة على رغم الخراب تختار أن ترتدي البياض وتزف أولادها للفرح".