Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دوريس ليسنغ من كرمانشاه الإيرانية إلى محاربة التمييز

أكبر الفائزين بـ"نوبل" سناً أسفت لفوزها بالجائزة الأسمى وختمت حياتها بتأمل فلسفي

دوريس ليسنغ (1919 - 2013) (غيتي)

ملخص

خماسية "كانوبوس إن آرغوس: محفوظات دوريس" من أبرز الأعمال الأدبية التي حققتها الكاتبة الإنجليزية دوريس ليسنغ في مرحلتها المتأخرة، وتجمع بين الخيال العلمي والتأمل الفلسفي والرؤية السياسية للتاريخ البشري

عندما منحت الكاتبة الإنجليزية دوريس ليسنغ جائزة نوبل للأدب في عام 2007 تبين أنها الأكبر سناً بين مجمل الفائزين والفائزات بالجائزة الأدبية الأسمى في التاريخ، بسنواتها التي كانت تقارب الـ90، وتبين أنها المرأة الحادية عشر التي تفوز بالجائزة الأدبية في تاريخ هذه الجائزة.

وعلى رغم أن لجنة تحكيم الجائزة قد أسهبت في تحيتها وأغدقت عليها من الصفات ما يتجاوز كل ما كان أغدق على سابقيها، فإنها هي لم تكن مرتاحة لذلك، بل عبرت عن أن الأمر سيكون مزعجاً لما تبقى من سنوات حياتها. فهي كانت قد برمجت تلك السنوات على أن تكون زمن راحة للمحارب. ورأت أن الفوز بنوبل سيدمر تلك البرمجة. وهو ما حصل بالفعل خلال السنوات الست التي عاشتها بعد نوبل. غير أنها بدت راضية حتى وإن كانت الكتابات التي تراكمت عنها وعن أدبها قد وصفتها بأنها "سيدة الواقعية" في الأدب الإنجليزي المعاصر.

وذلك بالتحديد لأن مشروعاً أدبياً كبيراً قد تمكن في السنوات السابقة على نوبل من الاكتمال لديها ليبدو بعيداً جداً عن واقعيتها السابقة، ويغرق أسلوبها ولغتها في تأمل فلسفي عميق ارتدى حلة خيال - علمي كان من الغريب أن المهتمين لم يأخذوها في الحسبان بما يكفي حين اندفعوا يتناولون كتاباتها انطلاقاً من فوزها النوبلي الكبير.

ونعرف اليوم أن ذلك المشروع الذي كان إلى حد ما خاتمة حياتها الأدبية يتمثل في خماسية من المؤسف أنها لم تحز على نفس الشعبية بل حتى المقروئية التي حازتها أعمالها الكبيرة السابقة التي سنعود إليها بعد سطور. أما هنا فلنبدأ مما نعتبره تحفة النهاية في مسار دوريس ليسنغ (1919-2013) الأدبي.

من الخيال إلى الفلسفة

يتألف هذا العمل الذي يمكن اعتباره متأخراً نسبياً في مسار الكاتبة، من خمس روايات تشكل خماسية عنوانها "كانوبوس إن آرغوس: محفوظات دوريس". وهو يجمع، في سياق بات يعد من أبرز الأعمال الأدبية التي حققتها دوريس ليسنغ في مرحلتها المتأخرة، بين الخيال العلمي والتأمل الفلسفي والرؤية السياسية للتاريخ البشري.

ولقد كتبت ليسنغ هذه السلسلة بين عامي 1979 و1983 لتضم نصوصاً تشكل معاً نوعاً من "الأرشيف الكوني" الذي، بحسب المعلقين، يعيد قراءة تاريخ الأرض من منظور حضارات متقدمة في الفضاء.

وتنطلق الكاتبة في هذه السلسلة من فكرة جذرية فحواها أن تاريخ البشرية ليس معزولاً منطوياً على ذاته، بل هو جزء من شبكة كونية من القوى والتأثير، إذ إن "كانوبوس" الإمبراطورية المتقدمة تمثل قوة خيرة نسبياً تسعى إلى توجيه تطور الكواكب الأقل نضجاً وتطوراً، بينما تقف قوى أخرى، أقل أخلاقية، في مواجهتها، محاولة استغلال تلك العوالم، ما يجعل كوكب الأرض الذي يعرف في السلسلة باسم "شيكاتسا" ساحة لهذا الصراع الكوني.

تاريخ بديل للبشرية

في الرواية الأولى، إذاً، وعنوانها "شيكاتسا" تقدم لنا الكاتبة ما يشبه تاريخاً بديلاً لتاريخ البشرية، حيث يفسر انحطاط الإنسان هنا، بوصفه نتيجة لقطيعة تطاول تياراً روحياً كان يربط الأرض بمصدر كوني أكثر سمواً بكثير. وهنا لا تعود الحروب أو الأزمات مجرد نتائج لعوامل اقتصادية أو سياسية أو حتى اجتماعية، بل علامات على وجود خلل أعمق في بنية الوعي الإنساني نفسه.

وهكذا، من خلال تقارير ومذكرات يدونها عدد من المراقبين الكونيين، تعيد ليسنغ صياغة تاريخ البشرية بلغة تجمع بين أقصى درجات السخرية وامر درجات المرارة.

أما في الرواية الثانية "الزواج بين المناطق 3 ،4، و5" فتتحول السلسلة إلى نوع من تأملات رمزية في العلاقات بين أنماط مختلفة من الحضارة متجددة في مناطق ذات خصائص نفسية واجتماعية متباينة. ومن هنا يصبح الزواج القسري بين ممثلين عن هذه المناطق، عبارة عن استعارة عن ضرورة التفاعل بين العقل والعاطفة، أو بين النظام والفوضى، في سبيل تحقيق توازن إنساني عميق.

وفي الروايات اللاحقة، وهي المعنونة على التوالي: "التجارب السيرينية" و"خلق التمثل" و"الخطة 8"، تواصل ليسنغ مشروعها الروائي الفكري عبر ما يمكن اعتباره "استكشاف الحدود بين السلطة والمعرفة"، حيث في الرواية الأولى بين هذه، ترينا الكاتبة كيف يمكن حتى للقوى الأكثر تقدماً أن تقع في أخطاء بيروقراطية وأخلاقية، بينما تقدم لنا في الثانية تأملاً مؤثراً في التفاني والتضحية، حيث يواجه مجتمع يقوم على انتمائه إلى عالم متكامل، نهايته المحتومة بحس كرامة فريد من نوعه، على سبيل المثال.

إعادة تفكير متكاملة

الحقيقة أن ما يميز هذه السلسلة من روايات دوريس ليسنغ هو أنها لا تتعامل مع الخيال العلمي بوصفه مجرد إطار أسلوبي مهمته إثارة دهشة القارئ، ولو من الناحية التقنية البحتة، بل كأداة لإعادة التفكير في التاريخ والسياسة وحتى في الأبعاد الروحية للكون والكينونة.

ومن البديهي القول هنا إن هذه الكاتبة التي عرفت في بداياتها بروايات واقعية مثل "الكراس الذهبي" و"محفوظات الشمال"، ثم لاحقاً بعمل في غاية الأهمية لعله من آخر ما كتبت بعنوان "الإرهابي الطيب"، تنتقل في هذه الخماسية، إلى مستوى أكثر تجريداً، لكنها تحتفظ على رغم ذلك بانشغالها الأساسي: فهم الإنسان في سياق تعايش أو عدم تعايشه مع قوى تتجاوزه. وهذا ناهيك بأن الطابع الأرشيفي للسلسلة - وهو الذي يقوم على تحرير الروايات انطلاقاً من وثائق ومدونات وتقارير - يمنحها طابعاً نقدياً، كأنها تشكك في كل السرديات التاريخية، سواء كانت علمية أو أيديولوجية.

فالحقيقة في عوالم ليسنغ ليست ثابتة، بل تتشكل وفق زاوية النظر والقوة العائدتين لمن يمتلك حق السرد. ومهما يكن من أمر فإن في الإمكان القول إن هذه السلسلة تمثل محاولة بالغة الطموح لكتابة "تاريخ كوني" للإنسان يصبح فيه الفرد جزءاً من دراما أوسع بكثير من حدود كوكبه بحيث ما نجد أمام ناظرينا أعمالاً تدعو القارئ إلى إعادة النظر بموقعه في الكون وبمفاهيم التقدم، بل حتى بطبيعة الوعي نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هموم كاتبة كبيرة

ونعرف أن هذا لا يخرج على أية حال عن الهموم الكثيرة التي دائماً ما شغلت نشاطات، ولا سيما كتابات دوريس ليسنغ التي عرفت كواحدة من المناضلات في سبيل الهموم الاجتماعية، وبخاصة ضد التمييز العنصري والإمبريالية في جنوب أفريقيا، وبخاصة في روديسيا التي عاشت فيها سنوات طفولتها ثم شبابها، هي التي ولدت في مدينة كرمنشاه في الغرب الإيراني، لوالدين كان الأب فيهما بطل حرب فقد ساقه خلال معارك الحرب العالمية الثانية.

وهي بدأت الكتابة في الـ15 من عمرها فنشرت قصصاً ومقالات يغلب عليها الطابع الاجتماعي والنضالي الذي قادها لاحقاً للانتماء إلى الحزب الشيوعي البريطاني الذي عادت وتركته إثر غزو القوات السوفياتية للمجر قامعة انتفاضة شعب هذا البلد.

ولسوف تواصل ليسنغ نضالاتها الاجتماعية ومعركتها في سبيل أفريقيا طوال حياتها وبخاصة عبر العشرات من الكتب والروايات التي جعلت منها أيقونة أدبية حقيقية، حتى حين انتقلت لتعيش في لندن لاحقاً.

ومن أبرز كتابات دوريس ليسنغ إلى ما ذكرنا علاه، "يوميات جار طيب" و"العجوز قادر" و"العشب يغني"، علماً أن سلسلتها في مضمار السيرة الذاتية والمعنونة "الكراس الذهبي" تعد من أيقونات الأدب النسوي خلال النصف الثاني من القرن الـ20.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة