Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أصبحت جزيرة صغيرة قرب سنغافورة مركزا للنفط الروسي؟

استقبلت كاريمون منتجات نفطية بقيمة 1.6 مليار دولار من سبعة موانئ روسية خلال عامين

استهدفت الحكومة البريطانية، منذ عام 2024، الشركات التي تقف وراء تدفقات النفط من روسيا إلى ميناء كاريمون. (بلومبيرغ)

ملخص

تؤكد هذه الشحنات الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عندما يتعلق الأمر بإنفاذ الإجراءات العقابية الغربية عبر مختلف الولايات القضائية.

في الأعوام الأخيرة الماضية، شهدت جزيرة كاريمون الكبرى الإندونيسية نوعاً جديداً من الزوار، فقد بدأ رجال الأعمال الروس بالنزول في أفضل فنادقها، التي تبلغ كلفتها نحو 40 دولاراً لليلة الواحدة.

وجهتهم هي محطة النفط المحلية، التي انتقلت ملكيتها في منتصف عام 2024، وينتمي مالكوها الجدد إلى مجموعة ظهرت في الأعوام الأخيرة لنقل النفط والوقود الروسي، متجاوزين بذلك أي عقوبات أو عقبات فرضت منذ حرب أوكرانيا قبل أكثر من أربعة أعوام، وفق تقرير لوكالة "بلومبيرغ".

سر تجار النفط ومالكي السفن 

تنقل الوكالة عن سوبيانتو، وهو صياد يبلغ من العمر 45 سنة، مع زوجته وأطفاله الأربعة في كوخ من غرفة واحدة على الشاطئ، من دون كهرباء أو مياه جارية قوله وهو يراقب سفينة قرب الميناء، "أصبح عددها أكبر هذه الأيام. تأتي ناقلات النفط صباحاً ومساءً وليلاً".

ويعد دور ميناء كاريمون كنقطة دخول للنفط الروسي المتجه إلى آسيا سراً مكشوفاً بين تجار النفط ومالكي السفن، لكن تحقيقاً جديداً أجرته وكالة "بلومبيرغ"، بالاعتماد على وثائق الجمارك الإندونيسية وبيانات الشحن وسجلات الشركات ومقابلات مع العاملين في هذا القطاع، يقدم أول سرد شامل للشحنات التي تمر عبره، مسلطاً الضوء على مركز يهرب سراً مئات الملايين من الدولارات من وقود السوق السوداء إلى بعض أكثر أسواق العالم رسوخاً والتزاماً بالقوانين.

تظهر الصورة التي تتبلور وجود منشأة تبقي الشحنات الروسية راسخة في تجارة المنطقة، على رغم جهود الحكومات الغربية للحد من تدفق العائدات إلى الكرملين، ففي ظل مالكها الجديد - من يوليو (تموز) 2024 إلى مايو (أيار) من هذا العام – استقبلت محطة كاريمون منتجات نفطية بقيمة 1.6 مليار دولار من سبعة موانئ روسية، وفقاً لسجلات جمركية إندونيسية لم تنشر سابقاً جمعتها شركة "بيغ تريد داتا"، وهي شركة متخصصة في معلومات التجارة، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ثلاثة من هذه الموانئ.

في عامي 2022 و2023، لم تكن هناك أي تدفقات إلى كاريمون من هذه الموانئ السبعة.

وعلى رغم أن هذا الرقم لا يمثل سوى جزء ضئيل من إنتاج روسيا من الوقود، فإن هذه الشحنات تحمل دلالات جيوسياسية أوسع، فهي تعكس استمرار العلاقات التجارية والدبلوماسية مع كثير من الاقتصادات الناشئة الكبرى بعد أعوام من القيود والحروب.

مصادر دخل أكثر أهمية 

وفي حال إندونيسيا، تعززت العلاقات في وقت كشفت فيه الحرب مع إيران عن هشاشة وضعها في مجال الطاقة، وفي الوقت نفسه تتعرض موسكو لضغوط متزايدة جراء الهجمات الأوكرانية. ومع تقييد بعض صادرات الوقود عقب إضرابات المصافي، أصبحت صادرات أخرى مصادر دخل أكثر أهمية.

تؤكد هذه الشحنات الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عندما يتعلق الأمر بإنفاذ الإجراءات العقابية الغربية عبر مختلف الولايات القضائية.

إذا كانت الأوراق سليمة، فلا داعي للمشترين هنا للاستفسار بصورة أدق، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر، الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم عند مناقشة موضوع حساس، بخاصة عندما يحتاج المستهلكون إلى وقود رخيص، إذ إن الاضطرابات حول مضيق هرمز تحد من الإمدادات البديلة إلى آسيا.

لا يخضع النفط الروسي نفسه للعقوبات، على رغم إدراج منتجين رئيسين وموانئ شحن رئيسة على القائمة السوداء، علاوة على ذلك، لا يزال سقف أسعار مجموعة الدول السبع سارياً على النفط الخام والمنتجات المكررة الروسية، حتى مع تعقيد الإعفاءات الأميركية الأخيرة لعملية الإنفاذ، وفضلت معظم الاقتصادات المتقدمة النأي بنفسها عن التجارة مع روسيا.

أكبر مركز لتجارة النفط 

ومع ذلك، في كاريمون، على مقربة من أكبر مركز لتجارة وإعادة توزيع النفط في العالم، سنغافورة، يضخ الوقود الروسي في خزانات التخزين ويمكن بعد ذلك إرساله عبر آسيا كمنتج إندونيسي، وفقاً للتجار المشاركين في الشحنات الإقليمية.

بينما يسهل تتبع النفط الخام إلى مصدره نسبياً بفضل خصائصه الكيماوية، مثل محتواه من الكبريت وكثافته، يفقد النفط المكرر إلى منتجات أخرى، كالبنزين أو زيت الوقود، هذه الخصائص. وبمجرد وصول الشحنة إلى محطة أو خزان تخزين، يمكن خلطها مع مواد أخرى هناك أو في مراكز النقل، لينتج منتج جديد جاهز للإرسال إلى منظومة الإمداد الآسيوية الواسعة.

استهدفت الحكومة البريطانية، منذ عام 2024، الشركات التي تقف وراء تدفقات النفط من روسيا إلى ميناء كاريمون، واحدة تلو الأخرى، وأدرجت المملكة المتحدة الجهة المالكة للمحطة على قائمتها السوداء في نهاية العام الماضي. وأدرج الاتحاد الأوروبي ميناء كاريمون ضمن حزمة العقوبات التي فرضها في أبريل (نيسان) الماضي، ليصبح بذلك أول ميناء في دولة ثالثة يستهدفه الاتحاد.

وإندونيسيا، كغيرها من دول المنطقة، لا تطبق إلا العقوبات التي تدعمها الأمم المتحدة، ولا تنفذ الإجراءات الأحادية التي تفرضها دول أخرى، كذلك فإن قيود الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة أقل حدة، ولا تنطوي على التهديد الأميركي بالانقطاع عن أسواق الدولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي المياه المحيطة بجنوب شرقي آسيا، حتى قيود واشنطن تنتهك على نطاق واسع، إذ تنقل ملايين البراميل من النفط الروسي والإيراني والفنزويلي عبر بحر الصين الجنوبي قبل وقت طويل من إصدار أي استثناءات أو حتى مجرد التفكير في هذا الخيار.

تقول الرئيسة السابقة لقسم الامتثال في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، المسؤول عن إدارة وإنفاذ برامج العقوبات الاقتصادية، كلير أونيل ماكليسكي، "تتسم تجارة النفط البحرية بالغموض الشديد"، وأضافت أن التجار يزدهرون في ظل غياب الشفافية، وأن بعض الشركات والوسطاء على استعداد للانتظام في أنشطة عالية الأخطار، حتى مع علمهم باحتمالية إدراجهم في القائمة السوداء.

وقالت "من الخارج، قد يكون من الصعب التمييز بين سلوك تجار النفط المشبوهين وسلوك التجار العاديين".

ومعظم الشحنات القادمة من روسيا كانت تنقل بواسطة الأسطول الخفي، أو ما يعرف بالأسطول المظلم، وهي سفن ذات ملكية غامضة وتاريخ في نقل النفط غير المشروع، بدعم من عدد قليل من الشركات الخاصة التي تفضل العمل في المناطق الرمادية للتجارة الدولية.

أسطول الظل

السفينة التي رآها سوبيانتو هي إحداها، وتدعى "سولو"، وهي سفينة عمرها 18 سنة ذات هيكل طويل متآكل باللونين الأحمر والرمادي ومدخنة مخططة باللونين الأزرق والأبيض، بدأت رحلتها من بريمورسك، الميناء الروسي الرئيس لصادرات النفط على ساحل بحر البلطيق، الذي أدرجه الاتحاد الأوروبي على القائمة السوداء عام 2025، على بعد 17 ألف كيلومتر (10560 ميلاً).

بحسب تحليل "بلومبيرغ" لصور الأقمار الاصطناعية وبيانات تتبع السفن، دخلت السفينة سولو بحر البلطيق في الـ29 من يناير (كانون الثاني)، ثم جابت البحر الأبيض المتوسط، ورست قرب قناة السويس مدة شهر تقريباً. وعند اقترابها من كاريمون، أفرغت سولو بعض حمولتها في مضيق ملقا قرب ماليزيا عبر عملية نقل من سفينة إلى أخرى.

وبمجرد إعادة تحميل الشحنة لمغادرة الجزيرة، يعاد تصنيفها على أنها إندونيسية، وفي بعض الحالات يكون ذلك بسبب مزجها مسبقاً بأنواع وقود أخرى، وفقاً لتجار مطلعين على الشحنات. ثم ترسل الشحنة، عادة على متن ناقلات مرخصة مقبولة في وجهات أكثر امتثالاً مثل سنغافورة، على رغم أن بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الاصطناعية التي فحصتها الوكالة تشير إلى أن بعض الشحنات ذهبت إلى مشترين مجهولين عبر نقلها من سفينة إلى أخرى، بينما توقفت شحنات أخرى في محطة إضافية، مما زاد من غموض مصدرها.

تتضح أهمية كاريمون لتجارة النفط الروسية عند تحليلها كجزء من منظومة معقدة تزود بعضاً من أكبر أسواق العالم، ولا سيما في آسيا، بالنفط والوقود. تشمل هذه الشبكة شحنات مشروعة، لكنها توفر أيضاً فرصاً واسعة لإخفاء المصدر الحقيقي للشحنات، وتعد منطقة قبالة الساحل الشرقي لشبه جزيرة ماليزيا، بلا شك، أكبر منطقة لإعادة شحن النفط الخاضع للعقوبات في العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز