ملخص
يرى الزعيم الثوري الروسي ليون تروتسكي أن أفضل طريقة لتكريم ذكرى الأديب نيقولاي غوغول من جانب القراء الروس وغير الروس، إنما تكمن في "إعادة قراءته في هذه الأيام المتسمة بقدر من الحزن على فقدانه، وبالإمعان في الاحتفاء الرسمي بذكراه الممجدة"
نعرف الزعيم الثوري الروسي ليون تروتسكي بكونه واحداً من صانعي ثورة 1917 التي أوصلت البلشفيين إلى الحكم وأسست الإمبراطورية السوفياتية وجعلت المعسكر الاشتراكي مهيمناً على القرن الـ20.
ونعرفه أيضاً مؤسساً للجيش الأحمر ومنظراً في السياسة والثورة، لكننا نعرفه أقل من ذلك كاتباً في الآداب والفنون له تفضيلات وتعليقات كان يمكن أن تجعل منه أديباً وناقداً لافتاً.
ونتحدث هنا بصورة خاصة ليس عن مقالاته الكثيرة التي كتبها بعد الثورة وكانت أقل حرية مما كتبه سابقاً، بل تحديداً عن تلك المقالات الموجزة أو المطولة التي كان ينشرها وهو بعد مناضل يعتبر المساهمة في التعليق على الإبداع، المحلي والعالمي، سبيلاً ثورياً لا مراء فيه.
ومن هنا، إذا كانت مقالات تروتسكي عن الأدب التي نشرها كمسؤول سياسي لغايات عدة، في الأعوام الأولى من عمر الثورة (المجموعة عام 1924) معروفة جيداً ("الأدب والثورة")، فإن مقالاته السابقة للثورة أقل شهرة (ولم تترجم): ومع ذلك فهي تشكل مجلداً ضخماً، سيشغل الجزء الـ20 من أعمال تروتسكي ("مشكلات الثقافة، ثقافة العالم القديم") الصادر في موسكو عام 1926، الذي يجمع نحو 60 مقالاً نشرت بين 1900-1902 و1908-1914.
وقد نشر مقاله الذي نشير إليه في عنوان هذا المقال أعلاه ("شهيد الضمير")، وتناول فيه أدب نيقولاي غوغول بصورة عام لمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 50 عاماً على رحيل صاحب "الأرواح الميتة" في مطبوعة تحمل اسم "المجلة الشرقية" في فبراير (شباط) 1902 (العدد 45)، وهي صحيفة كانت تطبع في إركوتسك على يد منفي سياسي.
وكان تروتسكي (برونشتاين) حينها مقيماً قسراً في إركوتسك منذ 1898، ومنها غادر في سبتمبر (أيلول) 1902 متجهاً إلى لندن مستخدماً أوراقاً مزورة باسم تروتسكي، الذي أصبح اسمه المستعار.
ولسوف نلاحظ في هذا النص أن تحليل تروتسكي لفكر غوغول، وكما أشار كثر من النقاد والمعلقين، "يبدو أحياناً مبسطاً إلى حد ما"، لكن أسلوبه غالباً ما يبدو لامعاً.
وهنا الأجزاء الرئيسة من هذا المقال.
مجدداً الأدب الروسي
يقول تروتسكي في مقاله: في الوقت الحاضر، بعد 50 عاماً على وفاة غوغول، الذي تحول منذ زمن طويل من مجرد كاتب مشاكس إلى "مجدد للأدب الروسي" معترف به ومقر له بمكانة فريدة، وتم تكريسه رسمياً بوصفه "أب المدرسة الواقعية"، فإن كتابة مقال صحافي سريع عنه تعني جعل مؤلف "الأرواح الميتة" ضحية لبعض الكليشيهات والعبارات المبتذلة، فالحقيقة أنه حين يتعلق الأمر بغوغول في أيامنا هذه، ينبغي إما وضع كتب كاملة عنه، أو عدم الكتابة إطلاقاً".
ويرى تروتسكي هنا أن اسم غوغول قد ارتبط في ذهن القارئ الروسي العادي، بمجموعة من التصورات والأحكام: "فهو "كاتب عظيم..."، وهو "مؤسس الواقعية"، و"فكاهي لا يضاهى"، وبطل "الضحك عبر الدموع"... ويكفي أن نذكر اسمه حتى يأتي محاطاً بسلسلة من التعريفات، صحيح أنها ليست كثيرة لكنها راسخة".
التكريم الأفضل
وانطلاقاً مما سبق يرى تروتسكي أن أفضل طريقة لتكريم ذكرى غوغول من جانب القراء الروس وغير الروس، إنما تكمن في "إعادة قراءته في هذه الأيام المتسمة بقدر من الحزن على فقدانه، وبالإمعان في الاحتفاء الرسمي بذكراه الممجدة".
بيد أن تروتسكي يضيف هنا "لكنني أفهم جيداً أن الغالبية من ’الجمهور‘ لن تفعل ذلك"، قبل أن يصرخ: "ليغفر الله لنا، لقد تجاوزنا العمر الذي ’نتعرف‘ فيه إلى غوغول، فجميعنا يتذكر أن رائداً ما، يدعى – في ما يبدو – كوفاليوف، فقد أنفه موقتاً، وأن شوارب نوزدريوف كانت كثيفة على نحو مفرط من جهة، وأن نهر الدنيبر رائع في أوقات السكون، وأن دياك الجزار لديه ثؤلول في الموضع المناسب تحت أنفه، وأن بودكوليوسين قفز من النافذة بدلاً من الذهاب إلى الكنيسة للزواج، وأن بيتروتشكا كانت تفوح منه رائحة مميزة... فهل ترانا نعرف شيئاً آخر؟"... يا للأسف.
أول الكتاب الوطنيين
وهنا ينتقل تروتسكي إلى الجانب الآخر من موضوعه ليقول لنا يقينه من أنه قبل غوغول، "كان لدينا ثيوكريتوس وأريستوفان الروس، وكورناي وراسين محليان، وغوته وشكسبير شماليان، لكن لم يكن لدينا عملياً كتاب وطنيون حقيقيون".
بالنسبة إلى تروتسكي وفي هذا السياق تحديداً "حتى بوشكين لم يكن بعيداً من أن يكون تقليداً للأجنبي، "هو الذي قد منح لقب بايرون الروسي"، لكن غوغول كان ببساطة، غوغول. "وبعده، كف كتابنا عن أن يكونوا مجرد ظلال لعبقريات أوروبية. [...] لقد بدأ العالم العبثي لـ"الأرواح الميتة" يتراجع... لكن هل تراجع تماماً؟ وهل أزال كل البقايا القديمة ليفسح المجال لنمو بذور الحياة الجديدة؟".
يطرح تروتسكي هذا السؤال الشائك بلهجة تهكمية ليجيب عنه بنفسه مؤكداً أن "الإجابة واضحة جداً".
ويستأنف قائلاً: "لقد ألغي نظام القنانة، ذلك الأساس الاجتماعي لعالم ’الأرواح الميتة‘، لكن بقايا لا تحصى منه ظلت محفوظة على حالها في الأخلاق والإدارات، وما زالت فئات اجتماعية واسعة تتنفس جوّه، كذلك فإن شتى الظواهر العامة تتولد أمام أعيننا من هذا الإرث المتبقي من عصر القنانة".
ويلاحظ تروتسكي حول هذه الحقيقة هنا، أن "من اللافت أن نفكر بأن القنانة، التي كانت تغذي كل مظاهر التشوه والهمجية وأهوال روسيا آنذاك، لم تكن عند غوغول إلا واقعة تحدث لا مسألة تناقش أو يتم الاعتراض عليها". وفقط لاحقاً، بالنسبة إلى ذاك الذي سيصبح من أكثر زعماء ثورة 1917 وعياً، "عندما اكتمل هذا النشاط ’الجوفي‘ للوعي، وتحول إلى سلسلة من الصور الخالدة بحق، فإن هذه الصور تتقدم إلى فكر الفنان كأنها أسئلة موضوعية يطرحها عليه لغز الحياة".
فماذا كانت تمثل فكرة غوغول؟ ولا شك أن هذا السؤال هو نقطة المركز في مقال تروتسكي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
زمن غير مستقر
ينبغي أن نتذكر دائماً أن غوغول عاش في زمن لم يكن مجتمعنا قد عرف فيه بعد مناخاً فكرياً مستقراً، وكانت فيه مسائل الفلسفة الاجتماعية خارج متناول الأدب، ولا تكاد تشكل موضوعاً لنقاشات الأوساط الثقافية، وهكذا وجدت نفس غوغول، العزلاء غير المهيأة، نفسها في مواجهة تشابك من الأسئلة التي أثارها فعل الإبداع ذاته، من غير أن تدع ضميره الدقيق روحه تستريح، فاضطر إلى البحث بأي ثمن عن حل، مستعيناً بتلك الأنماط الفقيرة من التفكير التي ورثها عن التقليد، وقد تلقاها بوصفها مكتملة ومطلقة لا تقبل الشك.
إن فكراً لا يستند إلى دعامة داخلية يحتاج إلى سلطة خارجية تعينه على احتمال العمل الهدام الذي يرافق الخلق، وقد وجد هذه السلطة في القوانين الأخلاقية التي فرضت عبر الإيحاءات المتلقاة في الطفولة، والمقدسة بفعل الذكريات. ومن ثم، لا أساس على الإطلاق للقول بانقسام الحياة الروحية لغوغول إلى شطرين، أو للجوء إلى علم النفس المرضي من أجل وصل هذين الشطرين، أما الحال الذهنية ذات النزعة الصوفية الأخلاقية التي طبعت نهاية حياة الكاتب الكبير فليست سوى تطور للأفكار التي غرست فيه بفعل تربية تقليدية.
ولكن من ذا الذي يجرؤ اليوم على رمي حجر لإدانة هذا الشهيد الكبير للضمير، الذي سعى بشغف إلى الحقيقة، ودفع ثمن الوقوع في الخطأ معاناة جسيمة؟ وإذا كان قد حاول أن يضعف الأثر الاجتماعي لأعماله نفسها، بأن يضفي عليها تفسيراً أخلاقياً مجرداً، فلا ينبغي أن يؤخذ ذلك عليه! وإذا كان، من خلال كتاباته ذات الطابع الصحافي، قد أثار عثرة لدى أحد هؤلاء الصغار، فليغفر له ذلك! ولما له من فضائل عظيمة لا تقدر بثمن في خدمة الكلمة الفنية، ولما لأعماله من أثر إنساني سام، فله المجد الأبدي الذي لا يأفل!