ملخص
مع تزايد الدعوات من العشائر والنواب والقوى السياسية يبدو أن العراق يقف أمام لحظة مفصلية قد تحدد مسار المرحلة المقبلة، فإما أن تنجح هذه الضغوط في دفع القوى السياسية نحو تسوية تنهي الانسداد، وإما أن يستمر الجمود مع ما يحمله ذلك من أخطار متصاعدة على الأمن والاستقرار.
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات جراء الحرب الدائرة في المنطقة عاد العامل العشائري في العراق ليحجز موقعه في قلب المعادلة السياسية، ليس بوصفه فاعلاً اجتماعياً تقليدياً وحسب، بل كقوة ضغط تسعى إلى كسر حال الانسداد السياسي التي طال أمدها، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات هذا الجمود على الأمن والسيادة. ففي العاصمة بغداد، وتحديداً في مضيف قبيلة عبادة بمنطقة البياع، اجتمع شيوخ قبائل من مختلف المحافظات، في مؤتمر حمل رسائل سياسية واضحة، وُجهت بصورة مباشرة إلى القوى السياسية، ولا سيما قوى "الإطار التنسيقي"، مطالبين بحسم ملف تشكيل الحكومة والإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية، في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية بصورة غير مسبوقة.
ضغط عشائري في توقيت حرج
البيان الذي تلاه شيخ قبيلة عبادة عادل العصاد لم يكن مجرد موقف بروتوكولي، بل جاء محملاً بنبرة تحذيرية تعكس حجم القلق العشائري من استمرار الفراغ السياسي. وأكد المجتمعون أن "الانسداد السياسي في هذه المرحلة الحرجة يضعف موقف الدولة ويجعل القوات الأمنية عرضة لأخطار التهديدات الخارجية"، في إشارة واضحة إلى التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة وانعكاساته داخل الأراضي العراقية.
ولم يكتفِ شيوخ العشائر بالدعوة إلى تشكيل الحكومة، بل ربطوا، بصورة مباشرة، بين غياب الاستقرار السياسي وتصاعد التهديدات الأمنية، مؤكدين أن استمرار هذا الوضع "يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية ويعرض السيادة الوطنية للخطر"، وشددوا على دعمهم الكامل لمؤسسات الدولة، وضرورة فرض هيبة القانون، وضبط الأمن، ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي، مع تأكيد خاص على دعم القضاء العراقي في حماية الدستور ومنع خرق المدد الدستورية.
حراك برلماني غير مسبوق
التحرك العشائري جاء متزامناً مع حراك سياسي متسارع داخل مجلس النواب، إذ كشف نواب عن جمع أكثر من 229 توقيعاً لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية اليوم الإثنين الـ30 من مارس (آذار) عام 2026، في محاولة لكسر الجمود السياسي المستمر.
هذا الرقم الذي يمثل غالبية مريحة داخل البرلمان، يعكس وجود رغبة متنامية لدى عدد كبير من النواب للمضي في الاستحقاقات الدستورية، حتى في ظل غياب توافقات سياسية مكتملة بين الكتل الكبرى.
النائبة سروة محمد أكدت ان "ما يمر به العراق يتطلب حكومة كاملة الصلاحيات".
وأشار النائب كاظم الشمري إلى أن "عدد التواقيع الكبير يعكس توافقاً واسعاً على ضرورة عقد الجلسة".
أما النائب رعد الدهلكي فاعتبر أن هذه الخطوة تمثل "ورقة ضغط لكسر الانسداد السياسي".
وكان رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أكد في وقت سابق، أن "تأخير انتخاب رئيس الجمهورية لم يعد مقبولاً"، مؤكداً عزم البرلمان على المضي في حسم هذا الاستحقاق.
دعم سياسي متقاطع
بالتوازي مع الضغط العشائري والبرلماني، دعا رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم إلى الإسراع في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، مشيراً إلى أهمية هذين الاستحقاقين في ظل التحديات الداخلية والخارجية.
هذا التلاقي بين المواقف العشائرية والسياسية يعكس حال إدراك متزايدة بأن استمرار الفراغ الحكومي لم يعد مجرد أزمة سياسية داخلية، بل بات عاملاً مؤثراً في موقع العراق الإقليمي وأمنه الداخلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هل التوقيت متأخر؟
وعلى رغم الزخم الذي رافق مؤتمر شيوخ العشائر فإن بعض الأصوات العشائرية أبدت تحفظات على توقيت هذا الحراك.
وقال أبو علي، وهو شيخ إحدى العشائر في العاصمة بغداد، إن "الدعوة بحد ذاتها مهمة ومطلوبة، لكن المشكلة في التوقيت"، ولفت إلى أن "الشارع العراقي كان يطالب بالإصلاح منذ سنوات، وكان يحتاج إلى موقف عشائري واضح في تلك اللحظات. اليوم، وبعدما وصلت الأزمة إلى هذا المستوى، يبدو التحرك وكأنه رد فعل أكثر من كونه مبادرة"، وأضاف "مع ذلك لا يمكن التقليل من أهمية هذا الضغط، بخاصة إذا استمر وتحول إلى موقف موحد يجبر القوى السياسية على اتخاذ قرارات حاسمة. العشائر ما زالت تمتلك تأثيراً كبيراً، وإذا تحركت بصورة منظمة، يمكن أن تكون عامل توازن مهماً".
العشائر العراقية... الرمزية والتأثير
تاريخياً، أدت العشائر العراقية أدواراً متعددة، راوحت ما بين الدعم الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى التأثير المباشر في بعض المحطات المفصلية، لكن يرى مراقبون أن العشائر لا تزال تمتلك ثقلاً مجتمعياً كبيراً، بخاصة في المحافظات، وأن قدرتها على التأثير تكمن في قدرتها على توحيد خطابها، والابتعاد عن الانقسامات السياسية.
وسط هذه الأجواء قال المحلل السياسي علي العبيدي إن "ما نشهده اليوم هو انتقال الأزمة السياسية من كونها خلافاً بين الكتل إلى تهديد مباشر للأمن الوطني، العراق اليوم في قلب صراع إقليمي، وأي فراغ في السلطة التنفيذية يعني غياب القرار السيادي الموحد"، وأضاف العبيدي "الرسالة العشائرية مهمة لأنها تربط بين الأمن والسياسة، وتقول بصورة واضحة إن استمرار الانسداد لم يعد مقبولاً"، وسأل "هل تمتلك العشائر أدوات الضغط الكافية لإجبار القوى السياسية على التنازل؟"، مبيناً أن جمع 229 توقيعاً داخل مجلس النواب العراقي مؤشر خطر إلى أن هناك محاولة للالتفاف على التعطيل السياسي، لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على مدى التزام الكتل الكبرى بها. وأقر بأن المشكلة ليست في الأرقام، "بل في التوافقات السياسية داخل الكتل المختلفة، لا سيما (الإطار التنسيقي)"، وتابع أن "استمرار الوضع الحالي قد يدفع العراق إلى سيناريو أكثر تعقيداً، إذ يتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات، في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على إدارة الأزمة".
ويأتي هذا الحراك في وقت تتصاعد فيه الضربات والتوترات داخل الأراضي العراقية، مما يعزز المخاوف من تحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بخاصة في ظل غياب موقف حكومي موحد قادر على إدارة الملف الأمني والدبلوماسي.
ورأى مراقبون أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو تداخل المسارين السياسي والأمني، إذ لم يعد بالإمكان فصل الأزمة الداخلية عن التطورات الإقليمية.
ومع تزايد الدعوات من العشائر والنواب والقوى السياسية يبدو أن العراق يقف أمام لحظة مفصلية قد تحدد مسار المرحلة المقبلة، فإما أن تنجح هذه الضغوط في دفع القوى السياسية نحو تسوية تنهي الانسداد، وإما أن يستمر الجمود مع ما يحمله ذلك من أخطار متصاعدة على الأمن والاستقرار.
وفي ظل هذا المشهد المعقد تبقى الأنظار متجهة إلى جلسة البرلمان المرتقبة اليوم الإثنين، وما إذا كانت ستشكل بداية لكسر الأزمة، أم محطة جديدة في مسلسل التأجيل السياسي.