Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هذه كلفة تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية في العراق

لا تبدو الصورة محسومة فالقوى الكردية التي يمثل توافقها شرطاً أساساً لحسم المنصب لا تزال تعاني انقساماً واضحاً حول المرشح

تبدو الكلفة الاقتصادية لتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية أكثر خطورة وأقل صخباً (أ ف ب)

ملخص

هذا الاستحقاق الرئاسي الذي يفترض أن يكون خطوة إجرائية ضمن المسار الدستوري، تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى السياسية على إدارة الخلافات، وسط تحذيرات متصاعدة من أن استمرار التعطيل قد يدفع العراق إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية مع تصاعد التوترات الإقليمية، يعود ملف انتخاب رئيس الجمهورية في العراق لواجهة المشهد بوصفه عقدة مركزية تعكس عمق الانسداد السياسي.

ومع تحديد مجلس النواب الـ11 من أبريل (نيسان) الجاري موعداً لعقد جلسة الانتخاب، تتزايد التساؤلات حول إمكان التزام هذا الموعد، أو الانزلاق مجدداً نحو التأجيل، وما قد يترتب على ذلك من كلف سياسية واقتصادية ودستورية.

هذا الاستحقاق الذي يفترض أن يكون خطوة إجرائية ضمن المسار الدستوري، تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى السياسية على إدارة الخلافات، وسط تحذيرات متصاعدة من أن استمرار التعطيل قد يدفع العراق إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

مهلة أخيرة أم تأجيل جديد؟

قرار مجلس النواب تحديد الـ11 من أبريل الجاري موعداً لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة ضغوط نيابية متزايدة لكسر الجمود السياسي، بحسب ما أكده النائب عن "حزب تقدم" سنان الجميلي الذي أشار إلى أن الحراك الأخير يعكس إرادة داخل البرلمان لإنهاء حال "الرهينة السياسية" التي تعيشها البلاد.

لكن في المقابل لا تبدو الصورة محسومة، فالقوى الكردية التي يمثل توافقها شرطاً أساساً لحسم منصب رئاسة الجمهورية، لا تزال تعاني انقساماً واضحاً حول المرشح.

ومنح "الإطار التنسيقي" هذه القوى مهلة 10 أيام للتوافق، ملوحاً بالمضي في عقد الجلسة حتى من دون اتفاق.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة رئيس "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني لتضيف بعداً جديداً، إذ دعا ضمنها إلى تأجيل الجلسة التي كان من المقرر عقدها الإثنين الماضي، مشدداً على ضرورة "مزيد من التشاور" لضمان تمثيل عادل للمكون الكردي وفق استحقاقاته الانتخابية، مما يعكس بوضوح احتمال أن يفتح أي استعجال في عقدها من دون توافق، الباب أمام أزمة سياسية أعمق.

موعد غير مضمون والسيناريو المفتوح

وعلى رغم تحديد الموعد رسمياً، فإن مؤشرات عدة توحي بإمكان تأجيله، إذ أكد النائب السابق عارف الحمامي أن جلسة الـ11 من أبريل الجاري "لم تحسم بعد" وأن التفاهمات الحالية لا تزال أولية، مع بقاء خيار الإرجاء وارداً بقوة.

وهذا الغموض يضع العملية السياسية أمام سيناريو مفتوح، فيمكن أن تتحول الجلسة إلى مجرد محطة جديدة في سلسلة التأجيلات، بدلاً من أن تكون نقطة حسم.

وتشير القيادية في تحالف "العزم" نجاة الطائي إلى أن الخلافات بين الكتل لا تزال قائمة، مما يعوّق التوصل إلى اتفاق نهائي، محذرة ضمن تصريح صحافي من أن استمرار التأخير سيؤدي إلى "تفاقم الأزمات" في البلاد.

الكلفة الاقتصادية الخطر الصامت

بعيداً من الجدل السياسي، تبدو الكلفة الاقتصادية لتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية أكثر خطورة وأقل صخباً، فالعراق الذي يعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط، يواجه تحديات مالية متزايدة، خصوصاً مع التوترات الإقليمية التي تؤثر في صادراته النفطية.

وبحسب الطائي، فإن الأزمة قد تمتد لتطاول رواتب الموظفين والمتقاعدين، وهي شريحة تقدر بين 6 إلى 8 ملايين مواطن، مما يجعل أي تأخير في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي.

وفي ظل هذه المعطيات، يصبح انتخاب رئيس الجمهورية خطوة أساسية لبدء سلسلة دستورية تقود إلى تكليف رئيس الوزراء وتشكيل حكومة، قادرة على اتخاذ قرارات مالية واقتصادية حاسمة.

وتأجيل هذا الاستحقاق يعني عملياً إبقاء البلاد في حال "تصريف أعمال"، وهي حال محدودة الصلاحيات لا تمكن الحكومة من مواجهة التحديات الاقتصادية المعقدة.

انتهاك صامت للنصوص

وعلى المستوى القانوني، يثير استمرار تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية تساؤلات جدية حول احترام الدستور.

الخبير القانوني سالم حواس يرى أن هذا التعطيل يمثل "إخلالاً غير مباشر بالواجب الدستوري" ويقوض مبدأ سيادة القانون، مشيراً إلى أن الفترة الممتدة لأكثر من 100 يوم من دون انتخاب رئيس تتجاوز الإطار الطبيعي للانتقال الدستوري، مما يحول النصوص من قواعد ملزمة إلى "خيارات سياسية قابلة للتعطيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والدستور العراقي، وفق المادة (70)، ينص على انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، بينما تؤكد المادة (72) ضرورة انتخاب البديل قبل انتهاء الولاية. كذلك شددت المحكمة الاتحادية على عدم جواز تعطيل النصوص الدستورية أو إفراغها من مضمونها.

من هذا المنظور، لا يُعد التأجيل مجرد إجراء سياسي، بل يمثل سابقة قد تؤسس لمرونة خطيرة في التعامل مع الاستحقاقات الدستورية.

الأبعاد السياسية... أزمة ثقة متجددة

وسياسياً، يعمق تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية أزمة الثقة بين الشارع والقوى السياسية، فالتأخير المتكرر يعزز الانطباع بأن الخلافات الحزبية تتقدم على المصلحة الوطنية، مما قد يؤدي إلى مزيد من العزوف الشعبي عن العملية السياسية.

كذلك يضعف استمرار الفراغ في هذا المنصب صورة الدولة أمام المجتمع الدولي، خصوصاً وسط الحاجة إلى إرسال رسائل طمأنة حول الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ويحذر مراقبون للشأن العراقي من أن هذا الوضع قد ينعكس على علاقات البلاد الخارجية، وقدرتها على جذب الاستثمارات أو إدارة التحديات الإقليمية، في وقت تتصاعد الأزمات في المنطقة.

وبات اليوم المشهد الحالي يضع القوى السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التوصل إلى توافق يضمن انتخاب رئيس الجمهورية ضمن الإطار الدستوري، أو المضي في عقد الجلسة وفرض الأمر الواقع، وهو خيار قد يحمل تداعيات سياسية معقدة، خصوصاً إذا ما قوبل برفض من أطراف رئيسة.

وفي كلتا الحالين، يبقى العامل الحاسم قدرة القوى الكردية على تجاوز خلافاتها، باعتبار أن منصب رئاسة الجمهورية يمثل استحقاقاً سياسياً لها ضمن نظام المحاصصة المعمول به في العراق بعد عام 2003.

ومع اقتراب موعد الجلسة، تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية لإنهاء هذا الاستحقاق، فالعراق لا يواجه مجرد تأخير إجرائي، بل يقف أمام مفترق طرق قد يحدد مسار المرحلة المقبلة.

والكلفة المحتملة لتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية لا تقتصر على تعطيل تشكيل الحكومة وحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والدستور وثقة الشارع، وحتى موقع العراق في الإقليم. ووسط هذه المعادلة، يبدو أن كلفة التوافق، مهما كانت كبيرة، تبقى أقل بكثير من كلفة استمرار الفراغ، بحسب الخبراء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير